مجتمع
تفشي العنف والجريمة بين المراهقين.. الأسرة المغربية وتحولات المنظومة القيمية
بات موضوع تفشّي الجريمة والعنف في أوساط المراهقين موضوعًا يكتسي أهمية في النقاش العمومي يومًا بعد آخر، وهو موضوع متعدّد التمظهرات؛ كونه يعالج إحدى أخطر الظواهر الَّتِي تؤرق بال الأسرة التعليميَّة، إذ يوضع كثير من الأساتذة أمام خياراتٍ صعبةٍ، عند وقوعهم ضحية الممارسات الطائشة والعنيفة لبعض المراهقين، فيجد هَؤُلَاءِ بين مطرقة التوقيف وسندان الصلح، وهو ما يضطر معه الأستاذ لإسقاط حقّه أو عدم التقدّم بشكوى ضد المعتدين من الأصل، فقط، رغبةً في تفادي مشاكل الشكاوى والتوقيف والتعقيدات الإجرائية، زيادة على عدم استساغة بعضهم فكرة ولوج المحاكم بين مربي وتلميذه تخوفًا من الإدانة المعنوية.
وتتّخذ ظاهرة العنف لدى المراهقين بصفة عامة نمطين رئيسيّين أحدهما معنوي والآخر مادي، بالنسبة للعنف المعنوي، يتّخذ عدة أشكال منها، التفوّه بالكلام النابي بين الأقران بعضهم بعضًا واتّجاه الأغيار الكبار كالأساتذة والأقارب، بما في ذلك استعمال الإيماءات الاستفزازية المسيئة، والسبّ والشتم والقذف والتحرّش اللفظي، وكتابة ذلك على جدران الحجرات المدرسية أو بالشارع العامّ.
أما العنف المادي فيتجلى في وقائع اشتباك المراهقين فيما بينهم، الَّذِي يتطوّر ممارسة العنف خلاله لدرجة خطيرة، ويتجلّى ذلك لدى التلاميذ في التدافع القوي في الساحة وفي أثناء الخروج من المؤسّسات التعليمية، إلى إتلاف ممتلكات المدرسة (النوافذ والكراسي والسبورة وتخريب المرافق الرياضية)، وقد تصل أحيانا للضرب والجرح والاعتداء باستعمال السلاح الأبيض والتشهير والتهديد به وإلى القتل.
وترتبط ظاهرة العنف داخل الاسرة وضد المرأة بصفة عامة ارتباطًا وثيقًا بتفشي مظاهر العنف والإجرام في أوساط المراهقين، إذ وعلى الرغم من أنَّ نسبة العنف ضد النساء قد انخفضت بنسبة 6،3% ما بين سنة 2009، وسنة 2019، حَيْثُ انخفضت من 62،8% إلى 56،5%، فإنّ المندوبية السامية للتخطيط في نشرتها لسنة 2021، واستنادًا على البحث الوطني الثاني الَّذِي أجرته في 2019، الَّذِي تمحور حول التطورات الكبرى للعنف ضد النساء وتصوّرات المجتمع لهَذِهِ الظاهرة، قد كشفت أنَّ 70،7% من الإناث الَّتِي تتراوح أعمارهن ما بين 15 و19 سنة قد تعرضن للعنف، وأن 25،3% منهن قد تعرضن للعنف في أماكن الدراسة والتكوين ومحيطها، كما أنَّ 61،6 % من نفس الفئة قد تعرّضن لأشكال متعدّدة من العنف النفسي بشكل خاص.
وفي هَذَا الإطار، لا يمكن نفي دور العوامل الاقتصادية والاستهلاكية، بما أنَّ المغرب يُصنّف ضمن دول العالم الثالث، حيث يُعاني كثير من المغاربة اقتصاديًا، وتزداد نسبة الفقر والأمية، كل هَذَا يكون له انعكاساتٌ مباشرةٌ على الأسرة المغربية باعتبارها الخلية الأولى للمجتمع تتأثر وتُؤثّر في المحيط الاقتصادي والسياسي والثقافي الَّذِي توجد فيه.
غير أنَّ ممارسة العنف إهمال الأبناء عاطفيا، وعدم متابعة سلوكياتهم، مع عدم محاولة فهمها قصد التوجيه والعناية لم يعد ممكنًا حصره في فئة الأسر الفقيرة بدعوى تدني المستوى التعليمي للوالدين، وانشغالهم عن رعاية أبنائهم بتأمين لقمة العيش، بل بالعكس من ذلك، فالظاهر أصبحت عابرة للطبقات الاجتماعية والمستويات الاقتصادية.
ويميل عددٌ من المهتمين إلى ربط الظاهرة أيضًا بالتحولات القيمية، الَّتِي يشهدها المجتمع المغربي، الَّتِي تؤثر بشكل مباشر في تشكيل البيئة والأسس القيمية الَّتِي يتشبع بها المراهق، خاصّةً أنّه يمر من مرحلة تتشكّل فيها الملامح المكتملة لشخصيته، ولهَذَا يُشكّل أي انحراف سلوكيّ وقيميّ خطرًا حقيقيًّا على حاضر ومستقبل صاحبه، إذ يقتحم كثيرٌ من المراهقين عالم تعاطي المخدرات والأقراص المهلوسة، بالإضافة إلى التأثير الَّذِي تُمارسه الشبكة العنكبوتية على القاصرين، حيث كشف تحقيق لقياس حجم ومدى تفشي ظاهرة التحرش السيبراني لدى الشباب المغربي، أطلقه المركز المغربي للأبحاث متعدّدة التقنيات والابتكار خلال الفترة ما بين 2019 و2020، غطى 8 جهات بالمغرب، واستهدف فئة عمرية ما بين 8 و28 سنة، 78% منهم تقل أعمارهم عن 17 سنة، اعتراف 31% من الأطفال والمراهقين المستجوبين بتعرضهم لبعض أنواع التحرش السيبراني، في حين أشار 4.7% من الأطفال والشباب المستجوبين إلى تعرضهم للتهديد.


