تواصل معنا

مجتمع

عندما يصبح البحر آخر أمل.. مأساة جيل يهاجر من الحياة قبل أن يصل إليها

لم‭ ‬يعد‭ ‬البحر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬المراهقين‭ ‬والشباب‭ ‬المغاربة‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬أزرق‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬ضفتين،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬للأحلام‭ ‬المؤجلة،‭ ‬وإلى‭ ‬امتحان‭ ‬قاسٍ‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭. ‬فمن‭ ‬قوارب‭ ‬الهجرة‭ ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬عُرفت‭ ‬بـ«قوارب‭ ‬الموت‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬محاولات‭ ‬السباحة‭ ‬نحو‭ ‬سبتة‭ ‬المحتلة،‭ ‬تتكرَّر‭ ‬المأساة‭ ‬بالوجوه‭ ‬نفسها،‭ ‬وبالدموع‭ ‬نفسها،‭ ‬وبالأحلام‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬‮«‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬بجثة‭ ‬لفظتها‭ ‬الأمواج،‭ ‬أو‭ ‬بشاب‭ ‬مفقود‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أهله‭ ‬أين‭ ‬انتهى‭ ‬به‭ ‬المصير؟

إنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حوادث‭ ‬غرق‭ ‬متفرقة،‭ ‬بل‭ ‬مأساة‭ ‬إنسانية‭ ‬تتكرر‭ ‬حتَّى‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬اليومي،‭ ‬وكأن‭ ‬المجتمع‭ ‬اعتاد‭ ‬رؤية‭ ‬شبابه‭ ‬يرحلون‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬ليسأل‭: ‬لماذا‭ ‬يختار‭ ‬مراهق‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬عشرة‭ ‬أو‭ ‬السابعة‭ ‬عشرة‭ ‬أن‭ ‬يغامر‭ ‬بحياته؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬شابًا‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬أقلّ‭ ‬قسوة‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬وطنه؟

هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ليست‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬مجرد‭ ‬مادة‭ ‬للكتابة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬عشته‭ ‬عن‭ ‬قرب‭. ‬فمن‭ ‬أفراد‭ ‬عائلتي،‭ ‬ومن‭ ‬أبناء‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬عائلتي‭ ‬تقطن‭ ‬بها‭ ‬بمدينة‭ ‬العرائش،‭ ‬رأيت‭ ‬كيف‭ ‬يكبر‭ ‬الأطفال‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬حلمًا‭ ‬واحدًا‭: ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭.‬

كنت‭ ‬دائمًا‭ ‬أخاطب‭ ‬أحد‭ ‬المراهقين‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬عائلتي‭ ‬قائلاً‭: ‬فكر‭ ‬في‭ ‬والدتك‭ ‬التي‭ ‬ستبكيك‭ ‬إن‭ ‬غرقت،‭ ‬وفكر‭ ‬في‭ ‬مستقبلك‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬تصنعه‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬إذا‭ ‬اجتهدت‭ ‬وآمنت‭ ‬بنفسك‭. ‬لا‭ ‬تجعل‭ ‬البحر‭ ‬يقرر‭ ‬مصيرك،‭ ‬ولا‭ ‬تمنح‭ ‬الأمواج‭ ‬حق‭ ‬كتابة‭ ‬نهاية‭ ‬حياتك‭. ‬كنت‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أزرع‭ ‬فيه‭ ‬أملاً‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الوهم،‭ ‬وأن‭ ‬أقنعه‭ ‬بأن‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬إذا‭ ‬توفرت‭ ‬الإرادة‭ ‬والفرصة‭.‬

لكن‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للكلمات‭ ‬وحدها‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬قاسٍ؟

حين‭ ‬يعيش‭ ‬الشاب‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يطوقها‭ ‬الفقر،‭ ‬وتغيب‭ ‬عنها‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭ ‬ويعاني‭ ‬فيها‭ ‬هدرًا‭ ‬مدرسيًّا،‭ ‬وتغيب‭ ‬فضاءات‭ ‬الثقافة‭ ‬والرياضة‭ ‬والتأطير،‭ ‬ويشاهد‭ ‬يوميًّا‭ ‬صور‭ ‬الرفاهية‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يصبح‭ ‬حلم‭ ‬الهجرة‭ ‬أكثر‭ ‬إغراءً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خطاب‭ ‬عن‭ ‬الصبر‭ ‬أو‭ ‬الوطنية‭.‬

إن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يقتل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشباب‭ ‬ليس‭ ‬الفقر‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬فقدان‭ ‬الأمل‭. ‬فالإنسان‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬ضيق‭ ‬العيش،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬بلا‭ ‬أفق‭.‬

وحين‭ ‬تغيب‭ ‬مؤسسات‭ ‬التنشئة‭ ‬والتأطير،‭ ‬أو‭ ‬يصبح‭ ‬حضورها‭ ‬محدودًا،‭ ‬وحين‭ ‬يتراجع‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬احتضان‭ ‬الشباب‭ ‬والاستماع‭ ‬إليهم،‭ ‬يجد‭ ‬المراهق‭ ‬نفسه‭ ‬وحيدًا‭ ‬أمام‭ ‬عالم‭ ‬افتراضي‭ ‬يصنع‭ ‬له‭ ‬أوهامًا‭ ‬وردية‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬بينما‭ ‬يخفي‭ ‬عنه‭ ‬صور‭ ‬الاستغلال،‭ ‬والتشرد،‭ ‬والعنصرية،‭ ‬والوحدة،‭ ‬والموت‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭.‬

إن‭ ‬الهجرة‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬المال،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬‮«‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬صرخة‭ ‬استغاثة‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬يشعر‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬بأنه‭ ‬غير‭ ‬مرئي،‭ ‬وغير‭ ‬مسموع،‭ ‬وغير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬ذاته‭.‬

ولهذا‭ ‬فإنَّ‭ ‬مواجهة‭ ‬الظاهرة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬تشديد‭ ‬المراقبة‭ ‬الأمنية‭ ‬أو‭ ‬منع‭ ‬القوارب‭ ‬من‭ ‬الإبحار،‭ ‬لأنَّ‭ ‬القارب‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬إيقافه‭ ‬هو‭ ‬قارب‭ ‬اليأس‭.‬

فالشاب‭ ‬الذي‭ ‬يُفكّر‭ ‬في‭ ‬السباحة‭ ‬عشرات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬نحو‭ ‬سبتة‭ ‬المحتلة‭ ‬يعلم‭ ‬مسبقًا‭ ‬أنَّ‭ ‬احتمال‭ ‬موته‭ ‬كبيرٌ،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يقفز‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭. ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬وحدها‭ ‬تكشف‭ ‬حجم‭ ‬اليأس‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬النفوس‭.‬

إن‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬رؤية‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬أولوية‭ ‬حقيقية،‭ ‬لا‭ ‬شعارًا‭ ‬موسميًّا‭. ‬رؤية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الحجر،‭ ‬وعلى‭ ‬بناء‭ ‬مدارس‭ ‬جاذبة،‭ ‬ومراكز‭ ‬للتكوين،‭ ‬وفضاءات‭ ‬ثقافية‭ ‬ورياضية،‭ ‬وبرامج‭ ‬للدعم‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬ومبادرات‭ ‬لخلق‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬وريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬حتى‭ ‬يشعر‭ ‬الشاب‭ ‬بأنَّ‭ ‬له‭ ‬مكانًا‭ ‬في‭ ‬وطنه‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الأسرة‭ ‬مطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬قربًا‭ ‬من‭ ‬أبنائها،‭ ‬وتستمع‭ ‬إلى‭ ‬مخاوفهم‭ ‬وأحلامهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستمع‭ ‬إلى‭ ‬خبر‭ ‬اختفائهم‭ ‬في‭ ‬البحر‭. ‬والمدرسة‭ ‬مطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تعيد‭ ‬الأمل،‭ ‬والإعلام‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬متوازنة‭ ‬للهجرة،‭ ‬تكشف‭ ‬مخاطرها‭ ‬كما‭ ‬تعرض‭ ‬قصص‭ ‬النجاح‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭. ‬أما‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬رسالته‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬مرافقة‭ ‬الشباب‭ ‬وتأطيرهم،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يكتفي‭ ‬بأنشطة‭ ‬موسمية‭ ‬محدودة‭ ‬الأثر‭.‬

إن‭ ‬إنقاذ‭ ‬شابٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬إنقاذ‭ ‬حياة‭ ‬فرد،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬حماية‭ ‬أسرة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الحزن،‭ ‬وحماية‭ ‬وطن‭ ‬من‭ ‬خسارة‭ ‬أحد‭ ‬أبنائه‭.‬

ولعلّ‭ ‬أكثر‭ ‬المشاهد‭ ‬قسوةً‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الأمهات‭ ‬اللواتي‭ ‬ينتظرن‭ ‬أبناءهن‭ ‬عند‭ ‬الأبواب،‭ ‬بينما‭ ‬يعود‭ ‬البحر‭ ‬وحده،‭ ‬حاملًا‭ ‬أخبارًا‭ ‬لا‭ ‬تُحتمل‭. ‬أم‭ ‬تنتظر‭ ‬اتصالًا‭ ‬لن‭ ‬يأتي،‭ ‬وأب‭ ‬يحدق‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬لعل‭ ‬ابنه‭ ‬يعود،‭ ‬وإخوة‭ ‬يكبرون‭ ‬على‭ ‬ذكرى‭ ‬غائب‭ ‬لا‭ ‬قبر‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬وداع‭. ‬إنَّ‭ ‬البحر‭ ‬لا‭ ‬يبتلع‭ ‬الأجساد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يبتلع‭ ‬الأحلام،‭ ‬ويبتلع‭ ‬مستقبل‭ ‬الوطن‭ ‬حين‭ ‬يفقد‭ ‬أجمل‭ ‬سنوات‭ ‬شبابه‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬معركة‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬ليست‭ ‬معركة‭ ‬حدود،‭ ‬بل‭ ‬معركة‭ ‬كرامة‭ ‬وعدالة‭ ‬وأمل‭. ‬إنها‭ ‬معركة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬كل‭ ‬طفل‭ ‬وكل‭ ‬مراهق‭ ‬وكل‭ ‬شاب‭ ‬بأن‭ ‬وطنه‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬التضحية‭ ‬بحياته،‭ ‬بل‭ ‬يمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬ليعيشها‭ ‬بكرامة‭. ‬فالأوطان‭ ‬العظيمة‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬أبناءها‭ ‬من‭ ‬الرحيل‭ ‬بالقوة،‭ ‬وإنما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمنحهم‭ ‬ألف‭ ‬سبب‭ ‬للبقاء‭. ‬وعندما‭ ‬يصبح‭ ‬البقاء‭ ‬حلمًا‭ ‬جميلًا،‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬البحر‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل،‭ ‬بل‭ ‬سيعود‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬دائمًا‭.. ‬مساحة‭ ‬للحياة،‭ ‬لا‭ ‬مقبرة‭ ‬للأحلام‭.‬

بـقـلم‭:‬‭ ‬مـحمـد‭ ‬اعبيـدو

تابعنا على الفيسبوك