مجتمع
صيف «أطفال الشوارع» بطنجة.. بـيـن قـسـوة الأســر واستـغـــلال المـافـيــــات
مع حلول كلّ فصل صيف، وتزامنًا مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، تشهد شوارع طنجة وأزقتها ظاهرةً تتكرر بنوع من المأساوية، تتمثَّل في الفورة الموسمية لأعداد «أطفال الشوارع».
إن مشهد أطفال بعمر الزهور مفترشين الأرصفة أو يجوبون الشوارع، ليس مجرد تفصيل عابر في ديكور الصيف، بل هو جرح مفتوح يُسائل الضمير الجمعي، ويضع الجميع أمام حقيقة مريرة تتجاوز مجرد الظاهرة الموسمية إلى أزمة مجتمعية مركبة.
ويكشف الواقع الميداني عن أن الصيف لم يعد مجرد عطلة مدرسية، بل أضحى موسمًا لإماطة اللثام عن إهمال أسري متجذر لدى بعض الأسر؛ إذ تفتح المدارس أبوابها مغلقة خلفها جدران حماية كان يستظل بها هؤلاء الأطفال، لتجد عائلات هشة في الشارع ملاذًا مريحًا للتخلُّص من عبء مراقبة أبنائها.
ولم يعد الأمر مجرد فقر أو حاجة، بل تحوّل “في حالات عديدة” إلى إهمال متعمد تستقيل فيه الأسر من أدوارها التربوية والأخلاقية، تاركة أبناءها لمصير مجهول. تتعدَّد الأسباب والنتيجة واحدة: تفكك أسري، وغياب معالم الرقابة الوالدية، ورغبة بعض الآباء في تنصلٍ كاملٍ من مسؤولياتهم ومصاريف أبنائهم، ما يدفع بهؤلاء الصغار إلى التسكّع طوال النهار وجزء غير يسير من الليل، صائدين للفرص أو ضحايا للمخاطر.
وإذا كان الإهمال الأسري هو الباب الذي يخرج منه الطفل، فإن «شبكات الاستغلال» هي اليد الأثيمة التي تتلقفه في الشارع. لم يعد وجود هؤلاء الأطفال في المحطات الطرقية، والأسواق، والشواطئ مجرد سلوك عشوائي، بل أضحى خاضعًا لهيكلة دقيقة تتزعمها شبكات تنشط بقوة خلال الصيف.
تستغل هذه المافيات براءة الأطفال وهشاشتهم لتوجيههم نحو أعمال شاقة وغير قانونية، تتنوّع بين التسول المنظم عبر توزيعهم على المدارات الطرقية والمقاهي لابتزاز عواطف المواطنين والسيّاح، والبيع الجائل للسلع الفاسدة والمناديل الورقية تحت هجير الشمس، وصولًا إلى استغلال خفتهم وسرعة حركتهم في السرقة والنشالين بالمناطق المكتظة.
وتتحوَّل الأرباح في نهاية اليوم إلى جيوب «وسطاء البؤس»، بينما لا ينال هؤلاء الصغار سوى دراهم معدودات تضمن بقاءهم على قيد الحياة، بالإضافة إلى جرعات من العنف والترهيب لإبقاء العجلة تدور.
إن هذه الظاهرة تضع المشرع والجمعيات والجهات الوصية أمام سؤال الكرامة والإنسانية.
فالنصوص القانونية الصارمة التي تُجرّم الاستغلال وتأذيب الأبناء وتخليهم عن واجباتهم موجودة، لكنَّ تطبيقها يحتاج إلى نفس صارم وآليات رقابة ميدانية زاجرة لا تتوقف عند زوال فصل الصيف.
إن المطلوب اليوم ليس حملات موسمية لإبعاد هؤلاء الأطفال عن الأنظار، بل استراتيجية شمولية تجمع بين المحاسبة القانونية للأسر الصريحة في إهمال أبنائها، والضرب بحديد على أيدي المافيات والشبكات التي تتاجر بطفولتهم، فضلًا عن توفير البدائل الترفيهية والتربوية للأطفال القادمين من أوساط هشة لاستيعاب طاقتهم خلال العطلة الصيفية. إن حماية الطفولة ليست خيارًا مجتمعيًّا، بل واجبًا وطنيًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا، حتى لا تظل شوارعنا معبرًا نحو ضياع أجيال الغد تحت ذريعة «حرارة الصيف».


