تواصل معنا

سياسة

بين وعود السياسة وأمواج البحر.. لمــاذا يـهــاجــر شـبـــاب المــغـــرب؟

لم‭ ‬تعد‭ ‬صور‭ ‬المراهقين‭ ‬والشباب‭ ‬المغاربة،‭ ‬وهم‭ ‬يندفعون‭ ‬جماعات‭ ‬نحو‭ ‬البحر‭ ‬أو‭ ‬يحاولون‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬سبتة‭ ‬المحتلة،‭ ‬مجرد‭ ‬مشاهد‭ ‬عابرة‭ ‬تتداولها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬جُرحٍ‭ ‬مفتوحٍ‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني،‭ ‬وإلى‭ ‬سؤال‭ ‬مؤلم‭ ‬يواجه‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والنخب‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء‭.‬

إنها‭ ‬صور‭ ‬تختزل‭ ‬مأساة‭ ‬جيلٍ‭ ‬كاملٍ‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬نافذة‭ ‬أمل،‭ ‬فلا‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬سوى‭ ‬البحر،‭ ‬صور‭ ‬تهز‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني،‭ ‬وتثير‭ ‬القلق‭ ‬داخل‭ ‬المغرب‭ ‬وخارجه؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬محاولات‭ ‬للهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬وأزمة‭ ‬أفق‭ ‬وأزمة‭ ‬شعور‭ ‬بالانتماء‭ ‬لدى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الشباب،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يرى‭ ‬مستقبله‭ ‬في‭ ‬وطنه‭.‬

وحين‭ ‬تنتشر‭ ‬هذه‭ ‬المشاهد‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمية،‭ ‬فإنّها‭ ‬لا‭ ‬تؤذي‭ ‬أصحابها‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬تؤثر‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬المغرب،‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬راكم‭ ‬إنجازات‭ ‬مهمّة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة،‭ ‬ويُقدّم‭ ‬نفسه‭ ‬شريكًا‭ ‬موثوقًا‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقرار‭ ‬والهجرة‭. ‬فكل‭ ‬صورة‭ ‬لشاب‭ ‬يواجه‭ ‬الأمواج‭ ‬بجسده‭ ‬العاري‭ ‬تحمل‭ ‬رسالة‭ ‬مؤلمة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬مفادها‭ ‬بأنَّ‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬فقد‭ ‬الأمل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬جعلته‭ ‬يراهن‭ ‬بحياته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فرصة‭ ‬مجهولة‭.‬

ولعل‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بإلحاح‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة؟

لقد‭ ‬تعاقبت‭ ‬الحكومات،‭ ‬وتعاقبت‭ ‬البرامج‭ ‬والشعارات،‭ ‬وتكررت‭ ‬الوعود‭ ‬بإحداث‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬وتحسين‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬الشباب‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬محطة‭ ‬انتخابية‭ ‬كانت‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الخطابات،‭ ‬وكان‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الوعود،‭ ‬لكن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشباب‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يشعر‭ ‬بأنَّ‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬والواقع‭ ‬واسعة،‭ ‬وأنّ‭ ‬الانتظارات‭ ‬التي‭ ‬عُلقت‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مأمولًا‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬عرف‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬تصاعدًا‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬الانتقادات‭ ‬وتحميل‭ ‬المسؤوليات‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬الخطاب‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬حصيلة‭ ‬الإنجازات‭. ‬وهذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬يعكس‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬موضوعي‭ ‬للسياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬الدعاية‭ ‬أو‭ ‬تبادل‭ ‬الاتهامات؛‭ ‬لأن‭ ‬المواطن‭ ‬ينتظر‭ ‬حلولًا‭ ‬عملية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينتظر‭ ‬سجالات‭ ‬سياسية‭.‬

إنَّ‭ ‬أزمة‭ ‬هجرة‭ ‬الشباب‭ ‬ليست‭ ‬مسؤولية‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالُها‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬بعينها‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكمات‭ ‬اقتصاديَّة‭ ‬واجتماعيَّة‭ ‬وتعليميَّة‭ ‬وثقافيَّة‭ ‬امتدَّت‭ ‬عبر‭ ‬سنوات،‭ ‬وتداخلت‭ ‬فيها‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المنتخبة،‭ ‬والأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬والفاعلين‭ ‬الاقتصاديين،‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والأسرة،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التربويَّة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يتولى‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬يتحمّل‭ ‬مسؤولية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬ملموسة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬المواطن‭ ‬يقيس‭ ‬النجاح‭ ‬بما‭ ‬يلمسه‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭: ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬تحفظ‭ ‬كرامته،‭ ‬وتعليم‭ ‬يفتح‭ ‬له‭ ‬أبواب‭ ‬المستقبل،‭ ‬وخِدْمات‭ ‬عمومية‭ ‬ذات‭ ‬جودة،‭ ‬وإحساس‭ ‬بأنَّ‭ ‬جهده‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوده‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أفضل‭ ‬داخل‭ ‬وطنه‭.‬

إنَّ‭ ‬الشباب‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬المستحيل،‭ ‬ولا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬امتيازات‭ ‬استثنائية،‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬فرصة‭ ‬عادلة،‭ ‬وعدالة‭ ‬في‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الشغل،‭ ‬وإدارة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الكفاءة،‭ ‬واقتصادًا‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابه‭ ‬للمبادرة‭ ‬والإبداع،‭ ‬وسياسات‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬محور‭ ‬التنمية‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬البحر‭ “‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المراهقين‭”‬‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الحلم‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تمنحهم‭ ‬الأمل،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬المأساة‭ ‬الحقيقية‭.‬

إن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬فقط‭ ‬بتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬السواحل،‭ ‬ولا‭ ‬بالاكتفاء‭ ‬بالحلول‭ ‬الأمنية؛‭ ‬لأن‭ ‬اليأس‭ ‬لا‭ ‬توقفه‭ ‬الحواجز،‭ ‬وإنما‭ ‬يوقفه‭ ‬الأمل‭. ‬والأمل‭ ‬لا‭ ‬يُصنع‭ ‬بالخطب،‭ ‬بل‭ ‬بالسياسات‭ ‬الناجحة،‭ ‬وبالاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬وبخلق‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬وتحسين‭ ‬التعليم،‭ ‬وتأهيل‭ ‬التكوين‭ ‬المهني،‭ ‬ودعم‭ ‬المبادرات‭ ‬الشبابية،‭ ‬ومحاربة‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الإقصاء‭ ‬والهشاشة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬مدعو‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بمسؤولية،‭ ‬فيكشف‭ ‬أسبابها‭ ‬الحقيقية،‭ ‬ويقدم‭ ‬نماذج‭ ‬النجاح‭ ‬داخل‭ ‬الوطن،‭ ‬ويبتعد‭ ‬عن‭ ‬صناعة‭ ‬الوهم‭ ‬أو‭ ‬تبرير‭ ‬اليأس‭. ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬مطالب‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬دوره‭ ‬التأطيري‭ ‬والتربوي،‭ ‬والأسرة‭ ‬مطالبة‭ ‬بتقوية‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬أبنائها،‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬البحر‭ ‬هو‭ ‬المستشار‭ ‬الوحيد‭ ‬لأحلامهم‭.‬

إن‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬ينجزه‭ ‬من‭ ‬طرق‭ ‬وموانٍئ‭ ‬ومشاريع‭ ‬كبرى،‭ ‬بل‭ ‬يقاس‭ ‬أيضًا‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بشبابه،‭ ‬وإقناعهم‭ ‬بأنَّ‭ ‬مستقبلهم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬أرضه،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬البحر‭. ‬فكل‭ ‬شاب‭ ‬يفقد‭ ‬حياته‭ ‬وهو‭ ‬يحاول‭ ‬العبور،‭ ‬لا‭ ‬يُمثّل‭ ‬رقمًا‭ ‬في‭ ‬الإحصاءات،‭ ‬بل‭ ‬يُمثّل‭ ‬مشروع‭ ‬طبيب‭ ‬أو‭ ‬مهندس‭ ‬أو‭ ‬معلم‭ ‬أو‭ ‬عامل‭ ‬أو‭ ‬مبدع،‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وطنه‭ ‬لو‭ ‬وجد‭ ‬الفرصة‭.‬

إنَّ‭ ‬حماية‭ ‬صورة‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬تبدأ‭ ‬أولًا‭ ‬بحماية‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬وصون‭ ‬حقّ‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬الأمل‭ ‬والعمل‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭. ‬فحين‭ ‬يشعر‭ ‬الشاب‭ ‬بأنَّ‭ ‬وطنَه‭ ‬يمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية،‭ ‬لن‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬بابًا‭ ‬للخلاص،‭ ‬بل‭ ‬سيجعله‭ ‬جسرًا‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يشغل‭ ‬ضمير‭ ‬الجميع‭: ‬كيف‭ ‬نحول‭ ‬طاقة‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬من‭ ‬الهروب‭ ‬إلى‭ ‬البناء؟‭ ‬وكيف‭ ‬نجعل‭ ‬أحلام‭ ‬الشباب‭ ‬تتحقق‭ ‬فوق‭ ‬تراب‭ ‬وطنهم،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تبتلعها‭ ‬أمواج‭ ‬البحر؟

إن‭ ‬الجواب‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالشعارات،‭ ‬بل‭ ‬بالإرادة،‭ ‬وبالمحاسبة،‭ ‬وبسياسات‭ ‬عمومية‭ ‬ناجعة،‭ ‬وبإشراك‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬مستقبلهم‭. ‬فالأمم‭ ‬لا‭ ‬تنهض‭ ‬حين‭ ‬يرحل‭ ‬أبناؤها،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تنهض‭ ‬حين‭ ‬تؤمن‭ ‬بهم،‭ ‬وتمنحهم‭ ‬أسباب‭ ‬البقاء‭ ‬والإبداع‭ ‬والعطاء‭.‬

بـقـلم‭:‬‭ ‬مـحمـد‭ ‬اعبيـدو

تابعنا على الفيسبوك