آخر الأخبار
نساء طنجة في قلب الحملة الانتخابية
من طرق أبواب النـاخـبــيــن وتعبئتهم لمعركة الوصـــول إلـى مواقــع القـرار
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر، لا تبدو المرأة المغربية حاضرة في المشهد الانتخابي فقط من خلال أسمائها الواردة في لوائح الترشيح، وإنَّما تظهر أيضًا في قلب الحملة الانتخابية، وهي تتحرك في الأحياء، وتطرق الأبواب، وتشارك في اللقاءات، وتتواصل مع المواطنين والمواطنات، وتسهم في تعبئة الناخبين لصالح مرشحي أحزابها.
وفي طنجة، يصعب أن تمرُّ حملة انتخابية في الأزقة والشوارع دون أن ترصد العين نساء يتحركن ضمن فرق الحملات، يحملن المنشورات، يشرحن البرامج، ينسقن اللقاءات، ويتواصلن مع سكان الأحياء.
إنها صورة لافتة للمرأة وهي تنتقل من موقع المتابعة إلى موقع الفعل، ومن دور الناخبة إلى دور الفاعلة في الحملة الانتخابية، لكن خلف هذه الصورة سؤال أكبر يفرض نفسه بقوة: هل يتحول هذا الحضور القوي للنساء في الميدان الانتخابي إلى حضور مماثل داخل مواقع القرار السياسي؟
فبين المرأة التي تجوب الشوارع لتعبئة الناخبين، والمرأة التي تقود لائحة انتخابية، ثم المرأة التي تصل إلى البرلمان أو إلى مواقع المسؤولية داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، توجد مسافة سياسية وتنظيمية لا تزال تستحق كثيرًا من النقاش.
*36.47% من الترشيحات نساء
تكشف المعطيات المرتبطة بالانتخابات التشريعية الحالية عن ارتفاع مهم في حضور النساء ضمن الترشيحات. فقد بلغت نسبة النساء من مجموع الترشيحات الوطنية 36.47%، بما مجموعه 2658 ترشيحًا نسائيًّا من أصل 7288 ترشيحًا.
لكنَّ توزيع هذه الترشيحات يكشف بدوره عن تفاوت بين الدوائر المحلية والجهوية. فقد بلغ عدد المرشحات في الدوائر المحلية 875، مقابل 1783 مرشحة في الدوائر الجهوية المخصصة للنساء. وفي الوقت نفسه، تقود النساء 121 لائحة محلية على المستوى الوطني.
الأرقام “في حد ذاتها” تعكس اتِّساع مساحة المشاركة النسائية، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال طبيعة هذه المشاركة، ولا عن مدى قدرة النساء على الانتقال من مجرد الحضور الانتخابي إلى التأثير الفعلي في القرار.
وفي طنجة-أصيلة، تبدو الصورة أكثر دلالة، فـ22 لائحة محلية تتنافس على أصوات الناخبين، لكنَّ امرأتين فقط تقودان لائحتين محليتين، في مقابل 19 لائحة برسم الدائرة الجهوية المخصصة للنساء، وهنا يبرز الفرق بين وجود المرأة في الانتخابات وموقع المرأة داخل المنافسة الانتخابية.
*المــرأة حاضـــرة فــــي الشـــــارع… لكن هل هي حاضرة في القرار؟
الحملة الانتخابية ليست مجرد ملصقات وصور وشعارات، خلف كل مرشح أو مرشحة فريق من الأشخاص الذين يعملون في الميدان، ويتولون التواصل مع المواطنين، وتنظيم اللقاءات، وتوزيع المنشورات، وترتيب الجولات، ومواكبة الأنشطة.
وفي هذا الجانب، أصبحت المرأة عنصرًا أساسيًّا في عدد من الحملات؛ فهي حاضرة في الأحياء الشعبية، وفي الأسواق، وفي اللقاءات الصغيرة، وفي الاجتماعات التنظيمية؛ كما تضطلع بأدوار في التواصل الرقمي ومخاطبة فئات من الناخبين.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لأنها تضع المرأة في تماس مباشر مع المواطنين؛ فالمرأة التي تنزل إلى الشارع لا تكتفي بتقديم خطاب انتخابي، بل تستمع أيضًا إلى انتظارات السكان ومشكلاتهم وأسئلتهم، وتسمع شكاوى مرتبطة بالنقل والسكن والتشغيل والصحة والتعليم، وتلتقط انشغالات الأسر والشباب والنساء، وتنقل جزءًا من هذه المطالب إلى فرق الحملات. وبهذا المعنى، تصبح الحملة الانتخابية نفسها فضاءً للتكوين السياسي واكتساب الخبرة.
لكن السؤال يبقى مطروحًا: ماذا يحدث بعد انتهاء الحملة؟
من المعبئة إلى المرشحة
أن تكون المرأة عضوًا في فريق انتخابي شيء، وأن تكون في مقدمة لائحة تنافسية شيء آخر. وأن تُسهم في تعبئة الناخبين شيء، وأن تشارك في تحديد الخيارات السياسية شيء آخر. وأن تنظم لقاءً انتخابيًّا شيء، وأن تكون صاحبة قرار داخل الحزب أو المؤسسة المنتخبة شيء مختلف تمامًا.
هذه المسافة هي التي تجعل الحديث عن المشاركة السياسية النسائية يتجاوز مجرد عدد المرشحات؛ فالمشاركة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد النساء اللاتي يظهرن في الحملات أو في اللوائح، وإنّما أيضًا بمدى وصولهن إلى مواقع المسؤولية والقرار.
وفي هذا السياق، ترى الدكتورة جميلة العماري، الأستاذ بكلية الحقوق، أن مشاركة النساء في الانتخابات التشريعية تعكس اهتمام المرأة المغربية بالعمل السياسي ورغبتها في الدفاع عن مصالح المواطنين والمواطنات.
وتؤكد العماري، أنّ المرأة ليست أقل شأنًا من الرجل، وأنّها قادرة على العطاء وتحمل المسؤولية، بالنظر إلى ما تتوفر عليه من كفاءات وقدرات.
وتعتبر أنَّ الحضور السياسي للمرأة ينبغي ألّا ينظر إليه باعتباره مجرد استجابة لمتطلبات التمثيلية، وإنما باعتباره تعبيرًا عن كفاءات حقيقية يمكن أن تُسهم في تطوير العمل السياسي والمؤسساتي.
*المرأة ليست أقل شأنًا من الرجل
وتقول جميلة العماري إنَّ المرأة المغربية أظهرت، في مجالات مختلفة، قدرتها على تحمل المسؤولية والانخراط في القضايا العامة، مما يجعل توسيع حضورها في العمل السياسي امتدادًا طبيعيًّا لهذا المسار. وتضيف أن المرأة تمتلك من الكفاءات ما يؤهلها للمساهمة في تدبير الشأن العام، وأن الرهان ينبغي أن يكون على الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.
ومن هذا المنظور، فإنّ حضور النساء في الحملات الانتخابية لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء يوم الاقتراع، بل يمكن أن يشكل أرضية لبناء مسارات سياسية أكثر استمرارية.
*منال الزكاري: دور المرأة المغربية في الحياة السياسية
من جهتها، أشادت منال الزكاري، وكيلة اللائحة الجهوية النسائية لحزب الاتـــــــحــــاد الاشـــتـــــــراكي للقوات الشعبية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بالدور المتنامي الذي باتت تضطلع به المرأة المغربية في الحياة السياسية، معتبرة أن حضورها لم يعد مقتصراً على المشاركة الانتخابية، بل امتد إلى المساهمة في التشريع والترافع عن مصالح المواطنين، فضلاً عن تدبير عدد من المؤسسات المنتخبة.
وأكدت الزكاري أن تعزيز حضور النساء في المجال السياسي يقتضي مواصلة دعمهن وتأهيلهن، مشددة على أن الأحزاب السياسية مطالبة بمضاعفة جهودها لفتح المجال أمام الكفاءات النسائية، وتمكينها من أدوار ومسؤوليات أكبر داخل المؤسسات المنتخبة.
وأضافت أن توسيع مشاركة النساء في الحياة السياسية لا يرتبط فقط برفع نسبة التمثيلية، وإنما أيضاً بضمان حضور فعلي للمرأة في مواقع صنع القرار، بما يسمح لها بالمساهمة في النقاش العمومي والترافع عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي تهم المواطنين..
*ســميرة لـكــلاك: المرأة أبانت عن علو كعبها
بدورها، ترى سميرة لكلاك، الصحفية والمهتمة بالشأن السياسي، أن المغرب لا يزال في حاجة إلى بذل مزيد من الجهود حتى تتبوأ المرأة المغربية مكانتها الحقيقية داخل المشهد السياسي. وتُؤكّد لكلاك أنَّ المرأة المغربية أبانت عن علو كعبها، وأثبتت قدرتها على التقدّم وتحمل المسؤوليات، مستحضرة في هذا السياق حضور النساء في منصب وزير داخل حكومات متعاقبة.
وبالنسبة إليها، فإنّ هذا الحضور يؤكد أن المرأة قادرة على الوصول إلى مستويات متقدمة من المسؤولية عندما تتوفر لها الفرص. لكنَّ توسيع هذا الحضور يظل مرتبطًا «في نظرها» بضرورة استمرار العمل على تعزيز مكانة النساء داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
*قــلوب فـيــطـــح: المرأة عطاء وكفاءة
من جهتها، تؤكد البرلمانية قلوب فيطح، أن للمرأة مكانة خاصة في المشهد السياسي، معتبرة أن المرأة المغربية تجمع بين العطاء والكفاءة، وبالتالي فهي جديرة بالدعم والمساندة.
وتعكس هذه الرؤية جانبًا من النقاش الجاري عن المشاركة النسائية، الذي لم يعد يقتصر على السؤال المتعلق بوجود النساء في اللوائح، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالفرص المتاحة أمامهن لتحمل المسؤوليات السياسية.
فالمرأة التي أثبتت حضورها في العمل الميداني، وفي التعبئة الانتخابية، وفي التواصل مع المواطنين، تحتاج إلى مسار سياسي يسمح لها بتطوير تجربتها والوصول إلى مستويات أعلى من المسؤولية.
*حكيمة المبياض: الثــقـــة أول الطـــــــريق
أما الحقوقية والمهتمة بقضايا النساء حكيمة المبياض، فتؤكّد أنَّ للمرأة المغربية دورًا كبيرًا في العمل السياسي، وأن هذا الدور يحتاج إلى مزيد من الدعم.
وترى المبياض أن النساء يحتجن إلى الثقة والقوة حتّى يتمكنّ من تعزيز حضورهن داخل الحياة السياسية؛ فالثقة، في هذا السياق، لا تعني فقط تشجيع المرأة على الترشح، وإنّما منحها أيضًا فرصة حقيقية لتحمل المسؤولية واتخاذ القرار والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.
*خمسة أصوات.. وسؤال واحد
رغم اختلاف المواقع التي تتحدث منها جميلة العماري، و منال الزكري وسميرة لكلاك، وقلوب فيطح، وحكيمة المبياض، فإنَّ تصريحاتهن تلتقي حول فكرة أساسية: المرأة المغربية تمتلك الكفاءة والقدرة، لكنها تحتاج إلى فرص أوسع ومسارات أكثر وضوحًا للوصول إلى مواقع القرار.
وهنا تحديدًا ينتقل النقاش من التمثيلية إلى التأثير؛ فالعدد مهم، لكنه ليس كل شيء. ووجود المرأة في اللائحة مهم، لكنه ليس نهاية الطريق.
والوصول إلى البرلمان مهم، لكنه لا يعني بالضرورة الوصول إلى مواقع التأثير داخل المؤسسات والأحزاب.
*من الكوطا إلى القيادة
أسهمت الآليات القانونية والمؤسساتية، وعلى رأسها الدوائر الجهوية المخصصة للنساء، في توسيع حضور النساء في المشهد الانتخابي، لكنَّ هذا التطور فتح نقاشًا آخر عن مستقبل المشاركة النسائية.
فإذا كانت الكوطا قد أسهمت في فتح الباب أمام مزيد من النساء، فإن السؤال المطروح اليوم هو: كيف يمكن أن تتحول هذه المشاركة إلى مسار طبيعي ومستدام، لا يحتاج دائمًا إلى آليات استثنائية؟
وتزداد أهمية هذا السؤال داخل الأحزاب السياسية، باعتبارها البوابة الأساسية التي تمرُّ منها الترشيحات والمسارات السياسية.
فداخل الحزب تتشكل القيادات، هناك تتوزع المسؤوليات، ويتم اختيار الأسماء، وأيضًا تظهر الكفاءات التي يمكن أن تتقدم إلى الصفوف الأولى، ولهذا فإن تمكين النساء سياسيًّا لا يمكن أن يقتصر على يوم الانتخابات، بل يبدأ قبل ذلك بكثير.
*الحزب.. البوابة التي لا غنى عنها
إذا كانت المرأة موجودة بقوة في الحملات الانتخابية، فإنّ السؤال يظل قائمًا عن موقعها داخل الهياكل الحزبية.
هل تشارك النساء في الهيئات التقريرية؟ هل يتحملن مسؤوليات تنظيمية؟ هل تسند إليهن ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى؟ هل تمنح لهن فرصة قيادة التنظيمات المحلية؟ وهل تتحوّل الكفاءة التي تظهر في الميدان إلى تزكية انتخابية؟
هذه الأسئلة تبدو أكثر أهميةً من مجرد إحصاء عدد النساء في اللوائح؛ فالحضور السياسي الحقيقي يبدأ عندما تصبح المرأة جزءًا من عملية صنع القرار، وليس فقط جزءًا من عملية تنفيذه.
*المرأة والسياسة.. أبــعد من قــضايـــا الــنســـاء
ومن بين التحديات المطروحة أيضًا تجاوز النظرة التي تختزل الحضور السياسي للمرأة في القضايا المرتبطة بالنساء فقط؛ فالمرأة المنتخبة أو القيادية الحزبية ليست مطالبة حصرًا بالدفاع عن قضايا النساء. هي فاعل سياسي يمثل المواطنين كافة. ومن حقها، بل من صميم دورها، أن تناقش ملفات الاستثمار والتشغيل والصناعة والتخطيط الترابي والنقل والسكن والتعليم والصحة والبيئة.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في مدينة مثل طنجة، التي تعرف تحولات اقتصادية وعمرانية واجتماعية متسارعة، فملفات الميناء والصناعة والاستثمار والسياحة والنقل والتوسع العمراني تحتاج إلى نقاش عمومي واسع، والنساء جزء أساسي من هذا النقاش.
*التمكين الاقتصادي والسياسي.. مـــساران مـــتداخـــــلان
لا يمكن فصل المشاركة السياسية عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمرأة؛ فالاستقلالية الاقتصادية، والخبرة المهنية، والقدرة على بناء الشبكات والعلاقات، كلها عناصر يمكن أن تساعد المرأة على الانخراط في الحياة العامة، ولهذا فإن الحديث عن تمكين المرأة سياسيًّا يرتبط أيضًا بتمكينها اقتصاديًّا.
وفي هذا السياق، سبق أن أثيرت انتقادات بشأن غموض بعض الالتزامات المتعلقة بريادة الأعمال النسائية وتكافؤ الفرص، خصوصًا ما يتعلق بالتمويل والمواكبة والولوج إلى الصفقات العمومية.
كما أثيرت مسألة ما يُسمّى بـ«السقف الزجاجي»، الذي يحد من وصول بعض النساء إلى رئاسة اللوائح والهيئات المنتخبة.
وإذا كانت هذه الإشكالات لا يمكن اختزالها في الانتخابات وحدها، فإنّ الاستحقاق الانتخابي يكشفها بوضوح أكبر.
*طنجة… مدينة تحتاج إلى كل كفاءاتها
طنجة مدينة مينائية وصناعية وسياحية، تعرف توسعًا عمرانيًّا وتحولات متواصلة، وفي مدينة بهذه الدينامية، فإن النقاش السياسي يحتاج إلى جميع الكفاءات، والنساء، اللاتي يشكلن جزءًا أساسيًّا من المجتمع والاقتصاد المحلي، لا يمكن أن يكون حضورهن في السياسة محصورًا في التعبئة الانتخابية، فالمطلوب هو أن يمتد هذا الحضور إلى النقاش بشأن مستقبل المدينة.
كيف تخطط طنجة لتوسعها؟ كيف تواجه تحديات النقل؟ كيف تعزز فرص التشغيل؟ كيف تستفيد من الاستثمارات؟ كيف تواكب النساء والشباب؟ كيف تطور الخِدْمات الاجتماعية؟
هذه كلها ملفات سياسية، وليست قضايا نسائية فقط.
*عــــندما تتـحــــول الحـــملة إلــى مـدرســة سـياســيـــــة
ورغم كل الأسئلة المطروحة، فإنَّ الحضور النسائي في الحملات الانتخابية يحمل “في حد ذاته” دلالة مهمة؛ فالمرأة التي تخرج إلى الشارع وتلتقي بالمواطنين تكتسب تجربة، وتشارك في تنظيم الاجتماعات تتعلم التنظيم. وتقدم برنامج حزبها تتعلم التواصل السياسي، والتي تستمع إلى شكاوى المواطنين تتعرف عن قرب على قضايا المجتمع، والتي تخوض النقاشات الانتخابية تكتسب قدرة أكبر على الدفاع عن مواقفها.
بمعنى آخر، فإنّ كل حملة انتخابية يمكن أن تنتج جيلًا جديدًا من النساء الفاعلات سياسيًّا، لكن ذلك يتوقف على ما إذا كانت هذه التجربة ستستمر بعد انتهاء الانتخابات.
*مـــاذا بعــد 23 شـتـنبــــر؟
عندما تنتهي الحملة الانتخابية، ستتوقف الجولات والاجتماعات واللقاءات، لكن بالنسبة إلى النساء اللاتي خضن هذه التجربة، قد يكون انتهاء الحملة بداية مرحلة أخرى.
فمن ستصل إلى البرلمان ستجد نفسها أمام مسؤولية جديدة، ومن لن تصل قد تحمل معها تجربة يمكن أن تشكل أساسًا لمشاركة لاحقة، ومن شاركت في التنظيم والتعبئة فقد تنتقل إلى موقع حزبي آخر، ومن اكتسبت خبرة ميدانية فقد تصبح مستقبلًا مرشحة أو مسؤولة محلية. لهذا فإن تقييم المشاركة النسائية لا ينبغي أن يتوقف عند النتائج الانتخابية.
فالســـياسة مســــار طويل، والانــتخابات محطة من محطـــــاته، مـــن تطــــرق باب الناخب اليوم… فهــــل ستـــطرق غـدًا باب القـرار؟
في شوارع طنجة، تبدو المرأة حاضرة، تحمل المنشورات، تشرح البرامج، تنظم اللقاءات، تتواصل مع السكان، وتشارك في تعبئة الناخبين. لكن حضورها في الشارع يطرح سؤالًا يتجاوز الحملة الانتخابية نفسها:
هل ستصبح هذه المرأة، التي تعرف مشكلات الأحياء وتستمع إلى المواطنين، جزءًا من عملية صناعة القرار؟
الأرقام الحالية تقول إنَّ النساء يمثلن 36.47% من مجموع الترشيحات الوطنية.
لكنّها تقول أيضًا إن الحضور النسائي في الدوائر المحلية لا يزال أقل من الحضور في الدوائر الجهوية المخصصة للنساء، وفي طنجة-أصيلة، تقود النساء لائحتين فقط من أصل 22 لائحة محلية.
وهذه المعطيات لا تقدم حكمًا نهائيًّا على مستقبل المشاركة السياسية النسائية، لكنها تكشف بوضوح أنّ هناك فرقًا بين المشاركة والقيادة.
والتحدي المقبل يتمثل في تقليص هذه المسافة، فإذا كانت المرأة قادرة على تعبئة المواطنين لصالح مرشح، فهي قادرة أيضًا على الترافع عن مصالحهم، وإذا كانت قادرة على تنظيم حملة، فهي قادرة على إدارة مؤسسة، وإذا كانت قادرة على الدفاع عن برنامج حزب، فهي قادرة على المساهمة في صياغة السياسات العمومية، وإذا كانت قادرة على طرق أبواب الناخبين، فهي قادرة أيضًا على طرق أبواب القرار.
لهذا، فإن السؤال لم يعد فقط:
أين توجد المرأة في السياسة؟ بل أصبح: كيف يمكن أن تكتمل الحياة السياسية من دون حضور فاعل للمرأة في مواقع القرار؟
وفي طنجة، حيث تتقاطع أصوات الحملات الانتخابية مع حركة المدينة وأحيائها وشوارعها، تبدو أصوات النساء جزءًا متزايدًا من المشهد.
قد لا تظهر أسماء جميع هؤلاء النساء في النتائج النهائية، لكن تجربة المشاركة التي يخضنها اليوم لن تختفي بالضرورة بانتهاء الانتخابات. فقد تبدأ الحكاية من منشور انتخابي، أو لقاء صغير في أحد الأحياء، أو جولة في زقاق من أزقة طنجة، ثم تتطور إلى تجربة تنظيمية وحزبية وسياسية؛ فالرهان الحقيقي ليس فقط أن تكون المرأة في قلب الحملة الانتخابية، وإنّما أن تنتقل من قلب الحملة إلى قلب القرار.


