مجتمع
قاعات الأفراح.. بين جمر الأسعار وكابوس الضوضاء وأرق الجيران
لم تعد فرحة العمر بالمغرب تُقاس ببساطة «الدفوع» وزغاريد الأمهات في سطوح الأحياء الشعبية، بل أصبحت تُوزن بمتر مربّع في قاعات الأفراح المُذهبة، ومستوى الفخامة التي تفرضها «المظاهر الاجتماعية».
بين أرائك مخملية وأضواء تتلألأ فوق الرؤوس، تحولت قاعات الحفلات إلى حلبة سباق محموم نحو الفخامة، وضغط نفسي يثقل كاهل عرسان جدد يبدؤون حياتهم الزوجية على إيقاع ديون لا تنتهي، في وقت تحولت فيه هذه الفضاءات إلى كابوس يؤرق راحة الساكنة المجاورة.
ومع كل حلول لفصل الصيف، تنتعش بورصة قاعات الأفراح بشكل خيالي؛ إذ تداول أرقام فلكية تحت الطاولة وفوقها، حيث إنَّ حجز قاعة متوسطة لليلة واحدة يتطلَّب ميزانية قد تتجاوز عشرات الآلاف من الدراهم، وكل هذا مقابل ساعات معدودة تنتهي مع ساعات الفجر الأولى.
هذا التحول الجذري في ثقافة الاحتفال بالمغرب لم يأتِ من فراغ، فقد أسهمت شبكات التواصل الاجتماعي في خلق معايير جديدة لـ”الزفاف الناجح»، فلم يعد الهدف هو صلة الرحم وإشهار الزواج، بل التقاط الصور وتقديم عرض يبهر المتابعين، ما كرّس ظاهرة «الاستهلاك المظهري» على حساب الاقتراض البنكي وشيكات الضمان.
لكن الأزمة لم تعد تقف عند حدود الاستنزاف المالي للعرسان، بل امتدت لتخنق الأحياء السكنية التي تناثرت فيها هذه القاعات كالفطر. لقد باتت قاعات الحفلات مصدرًا حقيقيًّا للإزعاج اليومي وحرمان المواطنين من حقهم في الهدوء؛ إذ تستمر مكبرات الصوت في بثّ الموسيقى الصاخبة حتى هزيع آخر من الليل، يرافقها إطلاق الشهب الاصطناعية، وسيارات تتكدس في أزقة ضيقة مغلقة المسالك، ناهيك عن منبهات السيارات والهرج الذي يمتد إلى الشارع العام. هذا الوضع دفع عديدًا من المواطنين إلى وضع شكايات لدى السلطات المحلية؛ احتجاجًا على الفوضى والتلوث السمعي الذي يفرض عليهم رغمًا عنهم.
في المقابل، يرفض أرباب القاعات ومجهزو الحفلات الاتهامات الموجهة إليهم، مبررين الارتفاع الصاروخي للأسعار بتزايد تكاليف العقار وتجهيزات الإضاءة والصوت، فضلًا عن ارتفاع أجور العمالة الموسمية وأسعار التموين، ومؤكدين أنّهم يقدمون خدمة متكاملة تريح العائلات من عناء التنظيم، وأن المسائل المتعلقة بالضوضاء يتم الحد منها عبر العزل الصوتي قدر الإمكان.
وبين السعي لليلة العمر، وسحابة الديون التي تخيم على الأسرة الجديدة، ومعاناة الجيران المحرومين من النوم، تبقى قاعات الأفراح شلالًا يتدفق منه المال في ظاهره، ومصدرا للأزمات المالية والاجتماعية في باطنه. وأمام هذا الواقع المتوتر، يطرح السؤال نفسه بحدة: إلى متى تظل قاعات الأفراح خارج دائرة التنظيم الصارم الذي يوازن بين فرحة ليلة واحدة، وحق أحياء بأكملها في السكينة والهدوء؟


