آخر الأخبار
طنجة… سبعة وعشرون عامًا من التحول الكبير الرؤية الملكية جعلت عاصمة البوغاز قطبًا اقتصاديًا عالميًا ومختبرًا للتنمية الشاملة
حين يزور المرء مدينة طنجة اليوم، يصعب عليه أن يتخيل أنها كانت، قبل أقل من ثلاثة عقود، مدينة تعاني اختلالاتٍ عمرانيةً واقتصاديةً حالت دون استثمار مؤهلاتها الطبيعية والاستراتيجية بالشكل الأمثل. فالمدينة الواقعة عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، التي شكَّلت عبر التاريخ بوابة المغرب نحو أوروبّا، كانت تمتلك كل مقومات الإقلاع، لكنها كانت في حاجة إلى رؤية تنموية شاملة تعيد الاعتبار إلى موقعها الجغرافي وتستثمر إمكاناتها الاقتصادية.
ومنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس “نصره الله” عرش أسلافه المنعمين في الثلاثين من يوليوز سنة 1999، دخلت طنجة مرحلة جديدة من تاريخها، عنوانها التنمية المندمجة، والاستثمار في البنيات التحتية، والانفتاح الاقتصادي، والتأهيل الحضري. ولم يكن الأمر يتعلق بإنجاز مشاريع متفرقة، بل برؤية استراتيجية متكاملة جعلت من المدينة أحد أهم أقطاب التنمية بالمملكة، ونموذجًا للتحوُّل الحضري والاقتصادي في إفريقيا.
خلال سبعة وعشرين عامًا، تحوَّلت طنجة من مدينة ذات نشاط اقتصادي محدود إلى منصة عالمية للصناعة واللوجستيك، ومن ميناء تقليدي إلى واحد من أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، ومن شبكة طرق متواضعة إلى منظومة نقل حديثة تضمُّ أول قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، فضلًا عن مناطق صناعية تستقطب كبريات الشركات العالمية، ومشاريع سياحية كبرى أعادت للمدينة بريقها التاريخي، إلى جانب أوراش اجتماعية وثقافية ورياضية غيرت وجه المدينة ورفعت من جودة عيش ساكنتها.
وقد شكَّلت الزيارات الملكية المتعددة لطنجة محطة أساسية في هذا التحول، حيث حرص جلالة الملك على تتبع مختلف الأوراش التنموية ميدانيًّا، وإعطاء الانطلاقة لعددٍ من المشاريع الكبرى، وتدشين أخرى بعد انتهاء أشغالها، في تجسيد واضح للعناية الخاصة التي حظيت بها عاصمة البوغاز ضمن النموذج التنموي الذي اعتمدته المملكة.
وكان إطلاق برنامج «طنجة الكبرى» سنة 2013 نقطة مفصلية في مسار المدينة، إذ جاء هذا البرنامج ليؤسس لمرحلة جديدة من التأهيل الحضري، شملت تحديث البنيات التحتية، وإعادة هيكلة الأحياء، وتأهيل المدينة العتيقة، وتطوير الواجهة البحرية، وإحداث فضاءات خضراء وساحات عمومية، وتحسين خِدْمات النقل والتطهير والإنارة، بما جعل طنجة مدينة حديثة تستجيب لمتطلبات الاستثمار والعيش الكريم.
غير أنَّ التحوُّل الذي عرفته طنجة لم يكن رهينَ مشروع واحد، بل كان ثمرة سلسلة من الأوراش الملكية الكبرى التي تكاملت فيما بينها، فالميناء العملاق احتاج إلى شبكة طرق وسكك حديدية حديثة، وهذه البنيات التحتية استدعت إنشاء مناطق صناعية ولوجستية، ما أدَّى إلى استقطاب استثمارات عالمية في قطاعي السيارات والطيران، قبل أن تتوسّع التنمية لتشمل السياحة والثقافة والرياضة والبيئة والخِدْمات الاجتماعية.
ولذلك، لم تعد طنجة اليوم مجرد مدينة في أقصى شمال المملكة، بل أصبحت قطبًا اقتصاديًّا متكاملًا، وعاصمة صناعية ولوجستية، ووجهة سياحية عالمية، ومنصة للتبادل التجاري بين إفريقيا وأوروبا، في تجسيد عملي للرؤية الملكية، التي جعلت من التنمية الشاملة رافعة أساسية لترسيخ مكانة المغرب على المستويين الإقليمي والدولي.
في هذا الربورتاج، نسلط الضوء على أبرز المنجزات التي شهدتها طنجة خلال سبعة وعشرين عامًا من حكم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من خلال الوقوف عند المشاريع الكبرى التي غيرت ملامح المدينة، واستعراض آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أسهمت في تحويل عاصمة البوغاز إلى واحدة من أكثر المدن المغربية دينامية وتنافسية.
ميناء طنجة المتوسط.. المشروع الملكي الذي غيّر خريطة التجارة العالمية وربط المغرب بالاقتصاد الدولي

لم يكن اختيار منطقة القصر الصغير، الواقعة شرق مدينة طنجة على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، لإنجاز أكبر مشروع مينائي في تاريخ المملكة، مجرد قرار مرتبط ببناء ميناء جديد، بل كان اختيارًا استراتيجيًّا ينطلق من رؤية ملكية بعيدة المدى، تستثمر الموقع الجغرافي الفريد للمغرب، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، وتعبر يوميًّا آلاف السفن التي تربط أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين وآسيا.
منذ السنوات الأولى للعهد الجديد، أدرك صاحب الجلالة الملك محمد السادس “نصره الله” أن الموقع الجغرافي للمغرب لا يمكن أن يُشكّل قيمة مضافة حقيقية إلا إذا تم استثماره في إطار مشروع اقتصادي ولوجستي ضخم قادر على استقطاب الاستثمارات الدولية، وتحويل المملكة إلى منصة عالمية للتبادل التجاري.
ومن هنا انطلقت فكرة ميناء طنجة المتوسط، أحد أكبر الأوراش الاستراتيجية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، الذي لم يكن مجرد ميناء بحري، بل مشروعًا متكاملًا يضم ميناءً تجاريًّا، ومناطق صناعية، ومنصات لوجستية، ومناطق حرة، وشبكات طرق وسكك حديدية حديثة، في نموذج تنموي غير مسبوق على المستوى الإفريقي.
من حلم إلى واقع
في سنة 2003 أعطى صاحب الجلالة الملك محمد السادس الانطلاقة الرسمية لهذا الورش العملاق، الذي تطلب سنوات من الأشغال شاركت فيها كفاءات مغربية ودولية، واستثمارات بمليارات الدراهم.
كان الرهان كبيرًا؛ لأنّ المشروع جاء في وقت كانت فيه المنافسة على أشدها بين كبريات الموانئ المتوسطية، غير أنّ الرؤية الملكية كانت واضحة: إنشاء ميناء قادر على منافسة أكبر الموانئ العالمية، وليس مجرد مرفق لتأمين حاجيات السوق الوطنية.
وبفضل هذا التوجّه، صُمّم الميناء وفق أحدث المعايير الدولية، مع تجهيزات متطورة لاستقبال أكبر سفن الحاويات، وربطه مباشرة بشبكات الطرق السيارة والسكك الحديدية، حتى تصبح حركة البضائع بين الميناء وباقي جهات المملكة أكثر سرعة وفعالية.
منصة عالمية للتجارة البحرية
اليوم، أصبح ميناء طنجة المتوسط من بين أكبر الموانئ في حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وأحد أهم مراكز الشحن وإعادة الشحن في العالم.
فموقعه عند مدخل مضيق جبل طارق، الذي تمرُّ عبره نسبة مهمّة من التجارة البحرية الدولية، مكنه من أن يتحول إلى محطة رئيسية لشركات الملاحة العالمية، التي وجدت في طنجة منصة متطورة توفر خدمات لوجستية ذات جودة عالية، وتربطها بمئات الموانئ عبر مختلف القارات.
وتعبر ملايين الحاويات سنويًّا عبر هذا الميناء، الذي أصبح يحتلّ مراتب متقدمة عالميًّا من حيث مناولة الحاويات، مما يعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب في قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية.
رافعة للاستثمار والصناعة
لم يقتصر دور ميناء طنجة المتوسط على استقبال السفن، بل تحوّل إلى محرك اقتصادي حقيقي للجهة وللمملكة.
ففي محيطه أُنشئت مناطق صناعية ولوجستية ضخمة استقطبت كبريات الشركات العالمية، خاصّةً في مجالات صناعة السيارات، والطيران، والإلكترونيات، وصناعة مكونات السيارات، والنسيج، والخِدْمات اللوجستية.
وقد أسهم هذا التكامل بين الميناء والمناطق الصناعية في جعل طنجة وجهةً مُفضّلةً للمستثمرين، بفضل سهولة تصدير المنتجات نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية والأمريكية، في زمن قياسي وتكلفة تنافسية.
فرص شغل وآفاق جديدة
كان للورش العملاق أثرٌ مباشرٌ على التشغيل، إذ وفَّر آلاف فرص العمل في أثناء مرحلة البناء، قبل أن يخلق عشرات الآلاف من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة بعد دخوله حيز الاستغلال. كما أسهم في ظهور منظومة اقتصادية متكاملة تضمُّ شركاتٍ للنقل والخِدْمات، ومكاتب للدراسات، ومقاولات للمناولة والصيانة، ومراكز للتكوين المهني، مما جعل المنطقة الشمالية من المملكة تعيش دينامية اقتصادية غير مسبوقة.
بنية تحتية متكاملة
نجاح ميناء طنجة المتوسط لم يكن ليتحقّق لولا إنجاز بنية تحتية حديثة رافقته منذ البداية. فقد رُبط بشبكة الطرق السيارة، وخطوط السكك الحديدية، ومختلف المحاور الطرقية الكبرى، بما يضمن انسيابية نقل البضائع نحو مختلف مدن المملكة، كما أسهم لاحقًا في نجاح مشروع القطار فائق السرعة «البراق»، الذي عزَّز بدوره جاذبية المنطقة.
هذه الشبكة المتكاملة جعلت من طنجة مركزًا لوجستيًّا عالميًّا، لا يقتصر دوره على الاستيراد والتصدير، بل يُقدّم خدمات إعادة الشحن والتوزيع لفائدة شركات الملاحة الدولية.
بوابة المغرب نحو إفريقيا والعالم
لقد عزَّز ميناء طنجة المتوسط موقع المغرب بوصفه شريكًا اقتصاديًّا موثوقًا على الصعيد الدولي، ورسخ مكانته كبوابة بين أوروبا وإفريقيا.
فالشركات العالمية التي استقرَّت بطنجة لم تكن تبحث فقط عن ميناء حديث، بل عن منظومة متكاملة تجمع بين البنيات التحتية المتطورة، والاستقرار، والانفتاح الاقتصادي، وهو ما وفرته الرؤية الملكية التي جعلت من طنجة نموذجًا للتنمية المندمجة.
واليوم، يُشكّل ميناء طنجة المتوسط رمزًا لقدرة المغرب على إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى وفق المعايير الدولية، ودليلًا على أن الاستثمار في البنية التحتية يمثل رافعة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وإذا كان هذا المشروع قد غيّر وجه التجارة البحرية بالمملكة، فإنَّه غيّر أيضًا صورة طنجة نفسها، التي أصبحت تُعرف في الأوساط الاقتصادية العالمية باعتبارها واحدةً من أهم المنصات اللوجستية في البحر الأبيض المتوسط، ونقطة التقاء رئيسية بين قارات العالم، في تجسيد واضح للرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي جعلت من الموقع الجغرافي للمغرب ثروة استراتيجية تُترجم إلى مشاريع كبرى، واستثمارات، وفرص للتنمية المستدامة.
البراق وشبكة الطرق الحديثة… حين اختصر الزمن وتغيّرت خريطة التنقل نحو طنجة

إذا كان ميناء طنجة المتوسط قد جعل من عاصمة البوغاز بوابة المغرب البحرية نحو العالم، فإن تطوير البنية التحتية للنقل جاء ليكمل هذا الورش الاستراتيجي، ويحول طنجة إلى مدينة مرتبطة بباقي جهات المملكة بشبكة متطورة من الطرق والسكك الحديدية، في تجسيد واضح للرؤية الملكية التي جعلت من النقل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فلم يكن ممكنًا لميناء عالمي، أو لمنطقة صناعية كبرى، أو لوجهة سياحية متنامية، أن تحقق أهدافها دون منظومة نقل حديثة قادرة على تسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وتقليص زمن التنقُّل، وتعزيز جاذبية الاستثمار.
البراق.. حلم أصبح حقيقة
في الخامس عشر من نونبر سنة 2018، أشرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على تدشين أول خط للقطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، الذي حمل اسم «البراق».
كان ذلك اليوم محطة تاريخية في مسار تحديث النقل السككي بالمغرب، حيث دخلت المملكة نادي الدول التي تتوفر على قطارات فائقة السرعة، في مشروع لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل خيارًا استراتيجيًّا يعكس طموح المغرب في امتلاك بنية تحتية تضاهي كبريات الدول.
ويربط «البراق» مدينة طنجة بالقنيطرة، قبل مواصلة الرحلة عبر الخط السككي المحدث نحو الرباط والدار البيضاء، وهو ما قلَّص مدة السفر بين طنجة والدار البيضاء من نحو خمس ساعات إلى ما يقارب ساعتين وعشر دقائق، وفتح آفاقًا جديدة أمام التنقل والسياحة والاستثمار.
ثورة في مفهوم التنقل
لم يعد السفر إلى طنجة رحلة طويلة، كما كان في السابق، بل أصبح الانتقال إليها أكثر سرعة وراحة، الأمر الذي أسهم في رفع وتيرة التنقل اليومي بين شمال المملكة ومراكزها الاقتصادية والإدارية.
وأصبح رجال الأعمال، والمستثمرون، والطلبة، والسياح، يستفيدون من وسيلة نقل عصرية، تتسم بالسرعة والأمان والانتظام، وهو ما انعكس إيجابًا على الحركة الاقتصادية، وعلى الإقبال المتزايد على المدينة.
كما أسهم القطار فائق السرعة في تعزيز مكانة طنجة بوصفها وجهة للاستثمار، إذ أصبح الوصول إليها من كبريات المدن المغربية يتمُّ في وقت وجيز، وهو عامل أساسي في اتخاذ قرارات الاستثمار بالنسبة للعديد من الشركات الوطنية والدولية.
محطة طنجة.. واجهة حضارية
بالتوازي مع مشروع «البراق»، شهدت محطة طنجة السككية عملية تحديث شاملة، حيث تحولت إلى معلمة معمارية حديثة، تستجيب للمعايير الدولية، وتوفر خِدْمات متطورة للمسافرين.
وأصبحت المحطة نقطة التقاء بين مختلف وسائل النقل، بما يسهل تنقل المواطنين والزوار داخل المدينة وخارجها، ويعكس صورة المغرب الحديث الذي يراهن على الجودة والابتكار.
الطريق السيار.. شريان اقتصادي

قبل إطلاق المشاريع الكبرى، كانت حركة التنقل بين طنجة وباقي مدن المملكة تعرف صعوبات مرتبطة بطول المسافات ومحدودية الشبكة الطرقية.
لكن خلال العهد الجديد، عرف الشمال المغربي طفرةً نوعيةً بفضل توسيع شبكة الطرق السيارة، وفي مقدمتها الطريق السيار الرابط بين طنجة والرباط والدار البيضاء، الذي أصبح شريانًا حيويًّا يربط شمال المملكة بوسطها وجنوبها.
وقد أسهم هذا المحور في تسهيل نقل البضائع القادمة من ميناء طنجة المتوسط نحو مختلف المدن المغربية، كما مكن المقاولات من تقليص تكاليف النقل والرفع من تنافسيتها.
طرق حضرية تواكب النمو
التوسع العمراني الذي شهدته طنجة فرض بدوره تحديثًا شاملًا لشبكة الطرق داخل المدينة. فتم إنجاز عدد من المدارات الكبرى، والأنفاق، والقناطر، والطرق الالتفافية، مع توسيع المحاور الرئيسة التي تعرف كثافة في حركة السير.
كما تمت إعادة تهيئة شوارع كبرى، من بينها شارع محمد السادس الممتد على طول الواجهة البحرية، وشارع مولاي رشيد، وشارع مولاي إسماعيل، وعدد من المحاور التي أصبحت أكثر قدرة على استيعاب الحركة المتزايدة للمركبات.
وأسهمت هذه المشاريع في الحدّ من الاختناقات المرورية، وتحسين انسيابية السير، وربط مختلف أحياء المدينة بالمناطق الصناعية والسياحية والميناء والمطار.
نحو مدينة ذكية
لم تقتصر مشاريع الطرق على تعبيد المسالك فقط، بل شملت أيضًا تحديث الإنارة العمومية، وتطوير التشوير الطرقي، واعتماد تجهيزات حديثة لتنظيم حركة السير، إلى جانب إحداث ممرات خاصة بالراجل، وتهيئة الأرصفة، والمساحات الخضراء المحاذية للطرق.
وأصبحت البنية التحتية للنقل جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى جعل طنجة مدينة حديثة، قادرة على مواكبة النمو الديمغرافي والاقتصادي الذي تعرفه.
التنمية تبدأ من البنية التحتية
لقد أثبتت تجربة طنجة أن الاستثمار في الطرق والسكك الحديدية ليس مجرد إنجاز هندسي، بل هو استثمار في الاقتصاد والتنمية.
فكل طريق جديد، وكل قنطرة، وكل نفق، وكل محطة سككية، أسهمت في تقريب المسافات، وجذب المستثمرين، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الحياة.
اليوم، أصبحت شبكة النقل الحديثة أحد أهم عناصر قوة طنجة، إلى جانب مينائها العالمي ومناطقها الصناعية، لتؤكد أن الرؤية الملكية لم تكن تقوم على إنجاز مشاريع منفصلة، بل على بناء منظومة متكاملة تجعل من المدينة قطبًا اقتصاديًّا قادرًا على المنافسة إقليميًّا ودوليًّا.
المناطق الصناعية ومصنع رونو.. من مدينة عبور إلى عاصمة للصناعة والاستثمار

لم يكن التحول الذي عرفته طنجة خلال العقود الأخيرة مقتصرًا على تطوير الميناء أو تحديث البنية التحتية، بل امتد إلى بناء قاعدة صناعية متينة جعلت المدينة أحد أهم الأقطاب الاقتصادية بالمملكة. فقد راهنت الرؤية الملكية على خلق منظومة صناعية متكاملة تستفيد من الموقع الاستراتيجي لطنجة، ومن البنيات التحتية الحديثة التي أصبحت تربطها بالأسواق العالمية.
وفي هذا الإطار، شهدت الجهة إحداث عددٍ من المناطق الصناعية والحرة، أبرزها المنطقة الحرة بطنجة وطنجة أوتوموتيف سيتي، إلى جانب منصات لوجستية حديثة استقطبت كبريات الشركات العالمية العاملة في مجالات السيارات والطيران والإلكترونيات وصناعة مكونات السيارات والنسيج.
وكان افتتاح مصنع رونو طنجة سنة 2012 محطة مفصلية في مسار التنمية الصناعية بالمدينة. فقد أصبح المصنع، الذي يُعد من أكبر الوحدات الصناعية لصناعة السيارات في إفريقيا، رمزًا لقدرة المغرب على جذب الاستثمارات الكبرى، بفضل الاستقرار الذي تنعم به المملكة، والبنية التحتية المتطورة، والموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية.
ولم يقتصر أثر المصنع على إنتاج مئات الآلاف من السيارات الموجهة للتصدير، بل أسهم في خلق آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، وشجع عشرات الشركات العالمية المتخصصة في صناعة مكونات السيارات على الاستقرار بطنجة، مما أوجد منظومة صناعية متكاملة عززت مكانة المغرب ضمن كبار مصدري السيارات في العالم.
وقد انعكست هذه الدينامية على الاقتصاد المحلي، حيث ارتفع حجم الاستثمارات، وتطورت مهن التكوين والتأهيل، وظهرت فرص جديدة أمام الشباب، لتتحول طنجة من مدينة تعتمد أساسًا على التجارة والخدمات إلى قطب صناعي ولوجستي يُسهم بشكل وازن في الاقتصاد الوطني.
واليوم، أصبحت المناطق الصناعية بطنجة نموذجًا ناجحًا للتكامل بين البنية التحتية، والاستثمار، والتكوين، والتشغيل، مما يعكس نجاح الرؤية الملكية في جعل الصناعة رافعة أساسية للتنمية، وتعزيز مكانة المملكة كوجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي.
وهكذا، فإن القطار فائق السرعة، والطرق السيارة، والمحاور الحضرية الجديدة، لم تغيّر فقط طريقة التنقل، بل غيّرت أيضًا نظرة المغاربة والمستثمرين إلى طنجة، التي أصبحت مدينة قريبة في الزمن، مفتوحة على المستقبل، ومؤهلة لاستقبال مشاريع أكثر طموحًا في السنوات المقبلة.
طنجة.. مدينة تتجدد وتستشرف المستقبل
لم تقتصر الأوراش التنموية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس على الاقتصاد والصناعة والبنيات التحتية، بل امتدّت لتشمل مختلف مناحي الحياة، في رؤية جعلت من الإنسان محور التنمية، ومن جودة العيش هدفًا أساسيًّا.
ففي المجال السياحي، شكل مشروع مارينا طنجة أحد أبرز معالم التحول الحضري الذي شهدته المدينة. فقد أعادت تهيئة الواجهة البحرية وربطت المدينة ببحرها، من خلال إنشاء ميناء ترفيهي، وفنادق ومطاعم ومقاهٍ ومرافق ترفيهية، إلى جانب فضاءات عمومية مفتوحة أصبحت متنفسًا للسكان ووجهة مفضلة للزوار. كما أسهم تأهيل كورنيش طنجة في تعزيز جاذبية المدينة كوجهة سياحية متوسطية.
وفي إطار تعزيز الانفتاح على العالم، عرف مطار طنجة ابن بطوطة توسّعات مهمة مكنت من رفع طاقته الاستيعابية وتحسين خدماته، ليستجيب للنمو المتزايد في حركة النقل الجوي، ويواكب الإقبال المتزايد على المدينة من قبل المستثمرين والسياح والجالية المغربية المقيمة بالخارج.
ولم تغب البيئة عن هذه الدينامية التنموية، حيث شهدت طنجة مشاريع لإحداث وتأهيل الحدائق والمساحات الخضراء، وإعادة الاعتبار لغابة الرميلات، وتأهيل الشريط الساحلي، وتحسين خِدْمات التطهير السائل وتدبير النفايات، في إطار مقاربة تروم تحقيق تنمية حضرية مستدامة وتحسين جودة الحياة.
كما أولت المبادرات الملكية اهتمامًا خاصًا بالجانب الاجتماعي، من خلال تعزيز البنيات الصحية والتعليمية، وإنجاز مؤسسات جامعية ومراكز للتكوين، إضافة إلى دعم برامج السكن وإعادة تأهيل عدد من الأحياء، بما أسهم في تحسين ظروف عيش الساكنة ومواكبة النمو الديمغرافي الذي عرفته المدينة.
وعلى المستوى الثقافي، شهدت طنجة ترميم معالمها التاريخية وتأهيل المدينة العتيقة والمحافظة على موروثها المعماري، إلى جانب إحداث وتجهيز فضاءات ثقافية ومكتبات ومراكز للشباب، بما يُعزّز مكانة المدينة كفضاء للإبداع والحوار الثقافي.
أما في المجال الرياضي، فقد عرفت المدينة إنجاز وتأهيل عدد من المنشآت الرياضية، وفي مقدمتها الملعب الكبير لطنجة الذي أصبح يحتضن أبرز التظاهرات الوطنية والدولية، إلى جانب إنشاء ملاعب القرب والقاعات الرياضية، في إطار سياسة تهدف إلى تشجيع الممارسة الرياضية وتوفير بنية تحتية تستجيب للمعايير الحديثة.
لقد أفرزت هذه الأوراش المتكاملة مدينة جديدة تختلف في ملامحها وإمكاناتها عما كانت عليه قبل سبعة وعشرين عامًا. فطنجة اليوم ليست فقط قطبًا اقتصاديًّا وصناعيًّا، بل مدينة حديثة تجمع بين التنمية والاستثمار، وبين المحافظة على هويتها التاريخية والانفتاح على المستقبل.
وبفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أصبحت عاصمة البوغاز نموذجًا وطنيًّا للتنمية المندمجة، وواجهة تعكس قدرة المغرب على إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى، وتحويل الإمكانات الطبيعية إلى فرص حقيقية للنمو والازدهار.
وهكذا، وبعد سبعة وعشرين عامًا من الأوراش الكبرى، تواصل طنجة ترسيخ مكانتها كإحدى أكثر المدن المغربية دينامية، شاهدةً على مسار تنموي متواصل جعل منها بوابة المغرب نحو العالم، ونموذجًا لمدينة المستقبل التي تتكامل فيها الصناعة، واللوجستيك، والسياحة، والثقافة، وجودة العيش، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.


