تواصل معنا

مقالات الرأي

الـفـنـيــدق.. حين يصبح البحر آخر أمل لمن ضاقت بهم اليابسة

بقـلم‭: ‬سميرة‭ ‬لكلاك

لم‭ ‬يعد‭ ‬مشهد‭ ‬عشرات‭ ‬الشباب‭ ‬وهم‭ ‬يسبحون‭ ‬نحو‭ ‬سبتة‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬عابر‭ ‬تتناقله‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬ولا‭ ‬صورًا‭ ‬تملأ‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬الإلكترونية‭ ‬ومواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ثم‭ ‬تختفي‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬مشهدًا‭ ‬يتكرر،‭ ‬ويحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬سؤالًا‭ ‬مؤلمًا‭: ‬كيف‭ ‬يصل‭ ‬إنسان‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬بأن‭ ‬البحر،‭ ‬بكل‭ ‬مخاطره،‭ ‬أصبح‭ ‬أرحم‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه؟

وما‭ ‬شهدته‭ ‬الفنيدق‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬ليس‭ ‬حدثًا‭ ‬معزولًا،‭ ‬بل‭ ‬حلقة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬يتكرر‭ ‬كلما‭ ‬ضاقت‭ ‬السبل‭ ‬أمام‭ ‬الشباب‭. ‬والأكثر‭ ‬إيلامًا‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تستقبل‭ ‬أبناءها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬وجهة‭ ‬لشباب‭ ‬قدموا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬المغربية،‭ ‬يحملون‭ ‬الحلم‭ ‬نفسه،‭ ‬ويقفون‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬نفسه،‭ ‬ينتظرون‭ ‬لحظة‭ ‬قد‭ ‬تنقلهم‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭… ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬محاولات‭ ‬العبور‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬وحدهم،‭ ‬فقد‭ ‬تداولت‭ ‬جرائد‭ ‬إلكترونية‭ ‬ومنصات‭ ‬إعلامية‭ ‬مشاهد‭ ‬وتقارير‭ ‬عن‭ ‬محاولات‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬أسر‭ ‬بأكملها،‭ ‬وعن‭ ‬شاب‭ ‬يحمل‭ ‬والدته‭ ‬على‭ ‬ظهره،‭ ‬وأزواج‭ ‬رفقة‭ ‬أطفالهم،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬رضيع،‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬مؤثرة‭ ‬هزت‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬تعكس‭ ‬شيئًا،‭ ‬فإنها‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬اليأس‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬المخاطرة‭ ‬بنفسه‭ ‬وبأعز‭ ‬الناس‭ ‬عليه،‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬أفق‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يجده‭ ‬في‭ ‬وطنه‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يولد‭ ‬وهو‭ ‬يحلم‭ ‬بالهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يعتبر‭ ‬‮«‬الحريك‮»‬‭ ‬مشروع‭ ‬حياة‭. ‬إنها‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين‭ ‬محاولة‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬فقدوا‭ ‬فيه‭ ‬الأمل،‭ ‬وبحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬عمل،‭ ‬أو‭ ‬كرامة،‭ ‬أو‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الطريق‭ ‬إليه‭ ‬محفوفًا‭ ‬بالموت‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬تقف‭ ‬الفنيدق،‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولات‭ ‬اقتصادية‭ ‬صعبة‭ ‬بعد‭ ‬تراجع‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬مصدر‭ ‬رزق‭ ‬لآلاف‭ ‬الأسر‭. ‬ومع‭ ‬تقلص‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬وارتفاع‭ ‬البطالة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الشباب،‭ ‬أصبح‭ ‬الإحباط‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬نفوس‭ ‬كثيرين،‭ ‬حتَّى‭ ‬تحول‭ ‬البحر،‭ ‬بالنسبة‭ ‬لبعضهم،‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬باب‭ ‬مفتوح‭ ‬بعدما‭ ‬أُغلقت‭ ‬في‭ ‬وجوههم‭ ‬أبواب‭ ‬كثيرة‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يخص‭ ‬الفنيدق‭ ‬وحدها‭. ‬فتوافد‭ ‬شباب‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬يُؤكّد‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬تعكس‭ ‬تحديات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬أوسع،‭ ‬وأن‭ ‬الشعور‭ ‬بانسداد‭ ‬الأفق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬بعينها‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬أو‭ ‬جهة،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭ ‬تعيد‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬الشباب،‭ ‬وتفتح‭ ‬أمامهم‭ ‬آفاق‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاج‭ ‬والأمل‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬إطلاقًا‭ ‬تبرير‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬مخاطرها‭. ‬فالبحر‭ ‬لا‭ ‬يرحم،‭ ‬وقد‭ ‬ابتلع‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭ ‬أرواحًا‭ ‬كثيرة،‭ ‬وترك‭ ‬وراءه‭ ‬أمهات‭ ‬ينتظرن‭ ‬أبناء‭ ‬لن‭ ‬يعودوا،‭ ‬وآباء‭ ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬خبر‭ ‬يطمئنهم،‭ ‬وأطفالًا‭ ‬فقدوا‭ ‬آباءهم‭ ‬وإخوتهم‭ ‬في‭ ‬رحلات‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬الأرواح‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬حولها‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬المقاربة‭ ‬الأمنية‭ ‬وحدها‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬كافيًّا‭. ‬فقد‭ ‬تمنع‭ ‬الإجراءات‭ ‬محاولة‭ ‬اليوم،‭ ‬لكنَّها‭ ‬لن‭ ‬تمنع‭ ‬محاولة‭ ‬الغد‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬أسباب‭ ‬اليأس‭ ‬قائمة‭. ‬فالحواجز‭ ‬قد‭ ‬توقف‭ ‬العبور‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬لكن‭ ‬التنمية،‭ ‬وخلق‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬التعليم‭ ‬والتكوين،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وترسيخ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬الكفيلة‭ ‬بإعادة‭ ‬الأمل‭ ‬إلى‭ ‬الشباب‭.‬

إن‭ ‬الشباب‭ ‬المغربي‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬المستحيل،‭ ‬ولا‭ ‬يبحث‭ ‬جميعه‭ ‬عن‭ ‬الثراء،‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬فرصة‭ ‬عادلة،‭ ‬يشعر‭ ‬معها‭ ‬بأن‭ ‬الاجتهاد‭ ‬له‭ ‬قيمة،‭ ‬وأن‭ ‬الكفاءة‭ ‬تجد‭ ‬مكانها،‭ ‬وأن‭ ‬المستقبل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬داخل‭ ‬وطنه‭ ‬لا‭ ‬خارجه‭.‬

المأساة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬شبابًا،‭ ‬وربما‭ ‬أسرًا‭ ‬بأكملها،‭ ‬أصبحوا‭ ‬يخاطرون‭ ‬بحياتهم‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬بات‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الأمواج‭ ‬أملًا،‭ ‬وفي‭ ‬اليابسة‭ ‬طريقًا‭ ‬مسدودًا‭. ‬والمأساة‭ ‬الأكبر‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬‮«‬الحريك‮»‬‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬بعض‭ ‬القاصرين‭ ‬إلى‭ ‬حلم،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬يدفع‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬المشكلة‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يشغلنا‭ ‬جميعًا‭ ‬ليس‭: ‬كيف‭ ‬نمنع‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬السباحة؟‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬نبني‭ ‬وطنًا‭ ‬يجعل‭ ‬أبناءه‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأن‭ ‬أحلامهم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬أرضه؟

فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬حدودها،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬كرامة‭ ‬مواطنيها،‭ ‬وصون‭ ‬أحلام‭ ‬شبابها،‭ ‬ومنحهم‭ ‬أسبابًا‭ ‬حقيقية‭ ‬للبقاء،‭ ‬حتَّى‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭ ‬بابًا‭ ‬للحياة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ضاقت‭ ‬بهم‭ ‬اليابسة‭. ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النسخة‭ ‬متوازنة؛‭ ‬فهي‭ ‬تُدين‭ ‬مخاطر‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬وتتناول‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أبعادها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬مع‭ ‬تجنب‭ ‬الجزم‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تثبت‭ ‬رسميًّا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أسلوب‭ ‬المقالات‭ ‬الصحفية‭ ‬الرصينة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك