مجتمع
بعد جريمة الطفلة ذات الثماني سنوات داخل الحضانة.. من يحاسب الآباء على عنف أبنائهم؟
اهتزّ الرأي العام بطنجة أخيرًا على وقع جريمة غير مسبوقة، بطلتها طفلة لم تتجاوز الثامنة من عمرها، أزهقت روح رضيعة داخل حضانة، في مشهد مؤلم لم يألفه المجتمع المغربي، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول تصاعد موجة العنف بين الأطفال، وانتشار السلوك العدواني داخل المؤسَّسات التعليمية والأحياء السكنية، وسط صمت الأسر وتراخي القانون.
الجريمة التي وقعت في فضاء يفترض أن يكون رمزًا للبراءة والطفولة، لم تكن مجرد حادثة معزولة، بل مُؤشّر صارخ على خلل عميق في منظومة القيم، وفي دور الأسرة والمدرسة والإعلام في تربية النشء، بعدما تحوّل العنف إلى جزء من الحياة اليومية للأطفال، ومكوّن أساسي في سلوكهم التفاعلي. من يتابع أخبار المدارس اليوم، يلاحظ أن مشاهد الشجار واستعمال السلاح الأبيض بين التلاميذ أصبحت أمرًا متكررًا، وأن بعض الأطفال لم يعودوا يترددون في حمل سكاكين أو أدوات حادة داخل محيط المدرسة.
المقاطع المصورة التي تنتشر بين الفينة والأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر تلاميذ في عمر الزهور وهم يتبادلون اللكمات والشتائم، فيما يشبه حلبة قتال مصغّرة داخل ساحة المؤسسة التعليمية. هذه الوقائع لم تعد استثناء، بل صارت ظاهرة حقيقية تفرض نفسها، في ظل غياب آليات صارمة للردع والتأطير.
ويرى مختصون، أنَّ جذور هذه الظاهرة تمتد إلى عمق الأسرة المغربية الحديثة، التي باتت -في جزء كبير منها- تترك أبناءها تحت رحمة الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، دون مراقبة أو توجيه. الأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات يشاهدون محتويات تحرض على العنف، وألعابًا إلكترونية تحوّل القتل إلى تسلية، وتجعل الدماء مشهدًا عاديًّا مألوفًا.
وفي غياب تربية أسرية قائمة على الحوار والضبط الذاتي، يتحوّل الطفل إلى نسخة من العالم الافتراضي الذي يعيش فيه، يتبنّى لغته وسلوكياته وحتّى طريقته في حلّ النزاعات.
لا يمكن إنكار أنَّ كثيرًا من الآباء يعيشون تحت ضغط الحياة اليومية وضيق الوقت، لكن ذلك لا يعفيهم من مسؤولياتهم التربوية.. فحين يغيب الاهتمام، ويتحوّل الطفل إلى مجرد رقم في البيت، يصبح أكثر عرضة للانحراف والتأثر بالبيئة المحيطة.
والأسوأ من ذلك أن بعض الأسر تُكرّس العنف بصورة مباشرة، إما من خلال ممارسة القسوة على أبنائها، أو عبر مشاهدته يوميا داخل البيت. فينشأ الطفل في مناخ يعتبر فيه الضرب وسيلة مشروعة للحوار، والإهانة طريقة لإثبات الذات. وهكذا يتحول المنزل من فضاء للأمان إلى مدرسة لتعلّم العنف. الاختصاصيون النفسيون يؤكدون أن العنف سلوك مكتسب وليس فطريًا، وأنَّ الطفل لا يولد عدوانيًّا، بل يتعلم العدوان من بيئته.
الطفل الذي يُهان في البيت، ويُقمع رأيه، ويتعرّض للضرب أو الشتم، يتشرب فكرة أن السيطرة لا تتحقق إلا بالقوة، وأن الضعف يعني الخضوع. وحين يدخل المدرسة أو يتفاعل مع أقرانه، يُفرغ ما تراكم داخله من غضب وإحباط في شكل سلوك عدواني تجاه الآخرين. إنها دورة متواصلة تبدأ من البيت ولا تنتهي إلا حين يتحول العنف إلى عادة يومية.
المؤسسات التعليمية بدورها تتحمَّل جزءًا من المسؤولية، إذ لم تعد قادرة على أداء دورها التربوي كاملا.. فالاكتظاظ داخل الفصول، وضعف التكوين النفسي للمؤطرين، وغياب المتابعة الاجتماعية داخل المدارس، جعلت من المؤسسة التعليمية فضاء لتلقين الدروس فقط، لا لتربية القيم. كما أن بعض الإدارات تختار التستر على حوادث العنف بين التلاميذ، مخافة التشهير أو المساءلة، مما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب منذ الصغر.
وإذا كانت هذه المعطيات النفسية والتربوية تفسر الظاهرة، فإن الجانب القانوني لا يقل أهمية. فالقانون المغربي، كما يلاحظ العديد من المتتبعين، لا يحمّل الآباء أي مسؤولية مباشرة في حالة ارتكاب أبنائهم القاصرين جرائم خطيرة، رغم أن الإهمال أو غياب المراقبة يكون السبب الرئيسي في ذلك.
وفي المقابل، نجد أن تشريعات بعض الدول المتقدمة، كالصين وعدد من الدول الأوروبية، تتجه نحو تحميل الآباء مسؤولية قانونية عن أفعال أبنائهم، تصل في بعض الحالات إلى المتابعة القضائية أو الغرامات المالية أو حتى السجن، باعتبارهم الطرف الذي فشل في أداء واجبه التربوي.
وفي المغرب، يطالب عدد من الفاعلين الحقوقيين بإعادة النظر في هذا الخلل، وبلورة اجتهاد قضائي يربط بين مسؤولية الطفل الجانح وسلوك أسرته. فحين يرتكب طفل جريمة قتل أو اعتداء خطير، لا يمكن أن يظل الآباء بمنأى عن المساءلة، لأنهم، بطريقة أو بأخرى، أسهموا في تكوين ذلك السلوك إما بالإهمال وإما بالعنف وإما بعدم المراقبة. هؤلاء الحقوقيون يرون أن تحميل الأبوين جزءًا من المسؤولية، ولو في شكل دية مالية أو إلزام بمتابعة نفسية وسلوكية إجبارية للطفل، سيشكل رادعا حقيقيا ووسيلة لتقويم السلوك داخل الأسر.
القضية التي أثارتها الطفلة القاتلة كشفت هشاشة المقاربة الحالية، التي تكتفي بعزل الطفل أو إحالته على مراكز الإصلاح دون معالجة الجذور العائلية للمشكلة. فمهما تمت معاقبة القاصر، سيظل الخلل قائما ما دام الأب والأم يواصلان نفس نمط السلوك الذي أنجب العنف.. لذلك فإن الاتِّجاه نحو إشراك الأسرة في العقوبة، سواء ماديا أو معنويا، يُعد خطوة ضرورية إذا أرادت الدولة فعلا محاربة هذه الظاهرة من جذورها.
لكن الظاهرة لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى منظومة اجتماعية واقتصادية باتت تُفرز أطفالا غاضبين، يعيشون في بيوت ضيقة ومناخات أسرية متوترة، محرومين من اللعب ومن التعبير ومن التواصل الطبيعي. هؤلاء الأطفال يجدون في العنف وسيلة للتنفيس عن مكبوتاتهم، وفي الهواتف ملاذًا بديلًا عن حضن الأسرة. فحين يصبح الهاتف الذكي هو المربي الأول، والألعاب الإلكترونية هي مصدر الإلهام، فلا غرابة أن تتحول براءة الطفولة إلى حلبة لتجريب العنف.
الطفلة ذات الثماني سنوات التي ارتكبت جريمة القتل ليست وحشا صغيرا كما حاول البعض تصويرها، بل هي ضحية قبل أن تكون جانية. ضحية أسرة ربما لم تنتبه لما تشاهده على الهاتف، ولم تدرك أن البراءة يمكن أن تُلوث بمقطع واحد على “تيك توك” أو لعبة إلكترونية عنيفة. وضحية مجتمع يبرر العنف ويغذيه، وقانون لم يواكب بعد التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الجيل الجديد.
إن ما وقع في تلك الحضانة ليس حادثا عرضيا، بل ناقوس خطر يدقّ بقوة. فحين تصل العدوانية إلى هذا الحد في سن الطفولة، فإننا أمام جيل مهدد بفقدان الإحساس بالآخر، وباختلال المفاهيم بين الخطأ والجريمة. وإذا لم تتدارك الدولة -ومعها الأسر والمدارس- هذا الانحدار، فسنجد أنفسنا بعد سنوات أمام واقع أكثر قتامة، حيث يصبح الطفل القاتل مجرد خبر عابر في نشرة المساء.
لقد آن الأوان لأن يتحرك المشرّع المغربي نحو تبنّي رؤية جديدة تُحمّل الآباء جزءًا من المسؤولية القانونية والتربوية في أفعال أبنائهم. ليس بهدف العقاب فقط، بل من أجل إعادة بناء الوعي الأسري وإجبار الأسر على مواكبة سلوك أبنائها ومراقبة ما يتعرضون له من مؤثرات رقمية وإعلامية. كما أن من الضروري التفكير في آليات لإلزام الأسر بعرض أبنائها على مختصين نفسيين في حالات السلوك العدواني، قبل أن يتحول الأمر إلى مأساة.
إن الطفولة المغربية اليوم تقف على مفترق طرق خطير بين عالم افتراضي متخم بالعنف، وواقع اجتماعي متوتر يغيب فيه الحوار والاحتواء. وإذا كان القانون لم يُحمّل بعد الآباء مسؤولية صريحة، فإن الضمير الجماعي بدأ يُطالب بذلك، لأن حماية الطفل لا تكون فقط من الجريمة، بل من التربية التي تزرع بذرتها.
ففي نهاية المطاف، حين يقتل طفل في الثامنة من عمره زميلته داخل حضانة، فإن السؤال لا يجب أن يكون: «ما الذي حدث؟» بل: «من الذي علّمه أن يقتل؟» والجواب، مهما حاولنا تجنبه، يوجد في البيت قبل المدرسة، وفي سلوك الآباء قبل هواتف الأبناء.


