تواصل معنا

مجتمع

التفاهة لم تعد مصادفة.. بل أصبحت صناعة تدر الأموال وتسرق عقول المراهقين

لسنا‭ ‬أمام‭ ‬ظاهرة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬كلّ‭ ‬يوم‭. ‬فأصبحت‭ ‬الشهرة‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬الإبداع‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬المجتمع،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬الجدل‭ ‬وصناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الهابط‭. ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للترفيه،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬يُؤثّر‭ ‬في‭ ‬أفكار‭ ‬المراهقين،‭ ‬ويغير‭ ‬نظرتهم‭ ‬إلى‭ ‬النجاح‭ ‬والقدوة‭.‬

لقد‭ ‬غيرت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬طريقة‭ ‬تواصل‭ ‬الناس،‭ ‬وفتحت‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬آرائهم‭ ‬وإبراز‭ ‬مواهبهم،‭ ‬وهذا‭ ‬أمرٌ‭ ‬إيجابيٌّ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكاره‭. ‬لكن،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬استغل‭ ‬البعض‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬لنشر‭ ‬محتوى‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬أي‭ ‬قيمة،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الإثارة،‭ ‬واستعراض‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة،‭ ‬وافتعال‭ ‬المشكلات،‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬المشاهدات‭ ‬والمتابعين‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭ ‬يحقق‭ ‬أرباحًا‭ ‬كبيرة،‭ ‬فتحولت‭ ‬التفاهة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تصرفات‭ ‬فردية‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬تدر‭ ‬الأموال‭.‬

المؤلم‭ ‬ليس‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى،‭ ‬بل‭ ‬حجم‭ ‬الإقبال‭ ‬عليه‭. ‬فالمراهق،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬بناء‭ ‬شخصيته،‭ ‬يبحث‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬يقتدي‭ ‬به‭. ‬وعندما‭ ‬يرى‭ ‬أنّ‭ ‬الشهرة‭ ‬والثروة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحققا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الضجيج،‭ ‬قد‭ ‬يقتنع‭ ‬بأن‭ ‬الدراسة‭ ‬والاجتهاد‭ ‬والعمل‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬النجاح‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬لأننا‭ ‬لا‭ ‬نخسر‭ ‬دقائق‭ ‬يقضيها‭ ‬أبناؤنا‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬نخسر‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تربوا‭ ‬عليها‭.‬

ومن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬شبابًا‭ ‬يحفظون‭ ‬أسماء‭ ‬صنّاع‭ ‬المحتوى،‭ ‬ويتابعون‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬أسماء‭ ‬العلماء‭ ‬والمفكرين‭ ‬والمبدعين‭ ‬الذين‭ ‬قدَّموا‭ ‬إنجازات‭ ‬حقيقية‭ ‬للمجتمع‭. ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬ليس‭ ‬مسؤولية‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬واقع‭ ‬إعلامي‭ ‬ورقمي‭ ‬أصبح‭ ‬يمنح‭ ‬الأضواء‭ ‬لمن‭ ‬يثير‭ ‬الجدل‭ ‬أكثر‭ ‬ممن‭ ‬يصنع‭ ‬الإنجاز‭.‬

الهاتف‭ ‬الذي‭ ‬نحمله‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للتواصل،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مدرسة‭ ‬مفتوحة‭. ‬فيه‭ ‬من‭ ‬يقدم‭ ‬محتوى‭ ‬مفيدًا‭ ‬ينشر‭ ‬المعرفة‭ ‬ويطور‭ ‬المهارات،‭ ‬وفيه‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬يبيع‭ ‬الوهم‭ ‬ويحول‭ ‬التفاهة‭ ‬إلى‭ ‬حلم‭ ‬يسعى‭ ‬إليه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭. ‬لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬يشاهد‭ ‬أبناؤنا؟‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭: ‬من‭ ‬الذي‭ ‬يُربي‭ ‬أبناءنا‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي؟

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نُحمّل‭ ‬المسؤولية‭ ‬لصناع‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى‭ ‬وحدهم‭. ‬فالأسرة‭ ‬مطالبة‭ ‬بالحوار‭ ‬والتوجيه،‭ ‬والمدرسة‭ ‬مطالبة‭ ‬بغرس‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬والإعلام‭ ‬مطالب‭ ‬بإعطاء‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬للنماذج‭ ‬الناجحة،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الجمهور‭ ‬يتحمل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية،‭ ‬لأنَّ‭ ‬كل‭ ‬مشاهدة‭ ‬أو‭ ‬مشاركة‭ ‬أو‭ ‬إعجاب‭ ‬قد‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬محتوى‭ ‬مفيد،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬‮«‬نجم‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬للمجتمع‭ ‬سوى‭ ‬الفراغ‭.‬

لسنا‭ ‬ضد‭ ‬الترفيه؛‭ ‬فالترفيه‭ ‬حاجة‭ ‬إنسانية،‭ ‬ولسنا‭ ‬ضد‭ ‬النجاح‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬بل‭ ‬نشجع‭ ‬كلَّ‭ ‬محتوى‭ ‬يحترم‭ ‬عقل‭ ‬المتلقي‭ ‬ويضيف‭ ‬إليه‭ ‬شيئًا‭ ‬جديدًا‭. ‬لكننا‭ ‬ضد‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬المحتوى‭ ‬الهابط‭ ‬وسيلة‭ ‬للربح،‭ ‬وأن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬الشهرة‭ ‬إلى‭ ‬مكافأة‭ ‬على‭ ‬الابتذال‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تقديرًا‭ ‬للإبداع‭ ‬والعمل‭ ‬الجاد‭.‬

إن‭ ‬الأمم‭ ‬لا‭ ‬تنهض‭ ‬بالضجيج،‭ ‬وإنما‭ ‬تنهض‭ ‬بالفكر‭ ‬والعلم‭ ‬والعمل‭. ‬وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬مستقبلًا‭ ‬أفضل‭ ‬لأبنائنا،‭ ‬فعلينا‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للقدوة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وأن‭ ‬نعلم‭ ‬أبناءنا‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬ليس‭ ‬بعدد‭ ‬المتابعين،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يتركه‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬نافع‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭.‬

وقبل‭ ‬أن‭ ‬نضغط‭ ‬على‭ ‬زرّ‭ ‬‮«‬إعجاب‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬مشاركة‮»‬،‭ ‬لنسأل‭ ‬أنفسنا‭: ‬أي‭ ‬مستقبل‭ ‬نصنعه‭ ‬لأبنائنا؟‭ ‬فكل‭ ‬مشاهدة‭ ‬لمحتوى‭ ‬هابط‭ ‬قد‭ ‬تمنحه‭ ‬انتشارًا‭ ‬أكبر،‭ ‬وكل‭ ‬دعم‭ ‬لمحتوى‭ ‬مفيد‭ ‬قد‭ ‬يصنع‭ ‬قدوة‭ ‬حقيقية‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬التفاهة،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يستغرب‭ ‬إذا‭ ‬تراجع‭ ‬فيه‭ ‬العلم،‭ ‬وغابت‭ ‬فيه‭ ‬القدوات،‭ ‬واختلطت‭ ‬فيه‭ ‬معايير‭ ‬النجاح‭.‬

إن‭ ‬معركتنا‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مع‭ ‬الهواتف‭ ‬ولا‭ ‬مع‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬كيفية‭ ‬استخدامها‭. ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬نجعلها‭ ‬جسورًا‭ ‬نحو‭ ‬المعرفة،‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬نتركها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصانع‭ ‬تنتج‭ ‬جيلًا‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الشهرة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الأخلاق،‭ ‬وأن‭ ‬الضجيج‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الإنجاز‭. ‬وعندها،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الخسارة‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الإنترنت‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬مجتمع‭ ‬بأكمله‭.‬

بقـلم‭: ‬سميرة‭ ‬لكلاك

تابعنا على الفيسبوك