مجتمع

بعد جريمة الطفلة ذات الثماني سنوات داخل الحضانة.. من يحاسب الآباء على عنف أبنائهم؟

اهتزّ‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬بطنجة‭ ‬أخيرًا‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬جريمة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬بطلتها‭ ‬طفلة‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬الثامنة‭ ‬من‭ ‬عمرها،‭ ‬أزهقت‭ ‬روح‭ ‬رضيعة‭ ‬داخل‭ ‬حضانة،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬مؤلم‭ ‬لم‭ ‬يألفه‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي،‭ ‬وأعاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬تصاعد‭ ‬موجة‭ ‬العنف‭ ‬بين‭ ‬الأطفال،‭ ‬وانتشار‭ ‬السلوك‭ ‬العدواني‭ ‬داخل‭ ‬المؤسَّسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والأحياء‭ ‬السكنية،‭ ‬وسط‭ ‬صمت‭ ‬الأسر‭ ‬وتراخي‭ ‬القانون‭.‬

الجريمة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رمزًا‭ ‬للبراءة‭ ‬والطفولة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬حادثة‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬مُؤشّر‭ ‬صارخ‭ ‬على‭ ‬خلل‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬القيم،‭ ‬وفي‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬والإعلام‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬النشء،‭ ‬بعدما‭ ‬تحوّل‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للأطفال،‭ ‬ومكوّن‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬سلوكهم‭ ‬التفاعلي‭. ‬من‭ ‬يتابع‭ ‬أخبار‭ ‬المدارس‭ ‬اليوم،‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬مشاهد‭ ‬الشجار‭ ‬واستعمال‭ ‬السلاح‭ ‬الأبيض‭ ‬بين‭ ‬التلاميذ‭ ‬أصبحت‭ ‬أمرًا‭ ‬متكررًا،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الأطفال‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يترددون‭ ‬في‭ ‬حمل‭ ‬سكاكين‭ ‬أو‭ ‬أدوات‭ ‬حادة‭ ‬داخل‭ ‬محيط‭ ‬المدرسة‭.‬

المقاطع‭ ‬المصورة‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تُظهر‭ ‬تلاميذ‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬الزهور‭ ‬وهم‭ ‬يتبادلون‭ ‬اللكمات‭ ‬والشتائم،‭ ‬فيما‭ ‬يشبه‭ ‬حلبة‭ ‬قتال‭ ‬مصغّرة‭ ‬داخل‭ ‬ساحة‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭. ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬استثناء،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬ظاهرة‭ ‬حقيقية‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬آليات‭ ‬صارمة‭ ‬للردع‭ ‬والتأطير‭.‬

ويرى‭ ‬مختصون،‭ ‬أنَّ‭ ‬جذور‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الأسرة‭ ‬المغربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ -‬في‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭- ‬تترك‭ ‬أبناءها‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬ومواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬دون‭ ‬مراقبة‭ ‬أو‭ ‬توجيه‭. ‬الأطفال‭ ‬يقضون‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬أمام‭ ‬الشاشات‭ ‬يشاهدون‭ ‬محتويات‭ ‬تحرض‭ ‬على‭ ‬العنف،‭ ‬وألعابًا‭ ‬إلكترونية‭ ‬تحوّل‭ ‬القتل‭ ‬إلى‭ ‬تسلية،‭ ‬وتجعل‭ ‬الدماء‭ ‬مشهدًا‭ ‬عاديًّا‭ ‬مألوفًا‭.‬

وفي‭ ‬غياب‭ ‬تربية‭ ‬أسرية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والضبط‭ ‬الذاتي،‭ ‬يتحوّل‭ ‬الطفل‭ ‬إلى‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه،‭ ‬يتبنّى‭ ‬لغته‭ ‬وسلوكياته‭ ‬وحتّى‭ ‬طريقته‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬النزاعات‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬أنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬وضيق‭ ‬الوقت،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعفيهم‭ ‬من‭ ‬مسؤولياتهم‭ ‬التربوية‭.. ‬فحين‭ ‬يغيب‭ ‬الاهتمام،‭ ‬ويتحوّل‭ ‬الطفل‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للانحراف‭ ‬والتأثر‭ ‬بالبيئة‭ ‬المحيطة‭.‬

والأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأسر‭ ‬تُكرّس‭ ‬العنف‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬إما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممارسة‭ ‬القسوة‭ ‬على‭ ‬أبنائها،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬مشاهدته‭ ‬يوميا‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭. ‬فينشأ‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬يعتبر‭ ‬فيه‭ ‬الضرب‭ ‬وسيلة‭ ‬مشروعة‭ ‬للحوار،‭ ‬والإهانة‭ ‬طريقة‭ ‬لإثبات‭ ‬الذات‭. ‬وهكذا‭ ‬يتحول‭ ‬المنزل‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬للأمان‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬لتعلّم‭ ‬العنف‭. ‬الاختصاصيون‭ ‬النفسيون‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬سلوك‭ ‬مكتسب‭ ‬وليس‭ ‬فطريًا،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬عدوانيًّا،‭ ‬بل‭ ‬يتعلم‭ ‬العدوان‭ ‬من‭ ‬بيئته‭.‬

الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يُهان‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬ويُقمع‭ ‬رأيه،‭ ‬ويتعرّض‭ ‬للضرب‭ ‬أو‭ ‬الشتم،‭ ‬يتشرب‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بالقوة،‭ ‬وأن‭ ‬الضعف‭ ‬يعني‭ ‬الخضوع‭. ‬وحين‭ ‬يدخل‭ ‬المدرسة‭ ‬أو‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬أقرانه،‭ ‬يُفرغ‭ ‬ما‭ ‬تراكم‭ ‬داخله‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬وإحباط‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬سلوك‭ ‬عدواني‭ ‬تجاه‭ ‬الآخرين‭. ‬إنها‭ ‬دورة‭ ‬متواصلة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬عادة‭ ‬يومية‭.‬

المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬بدورها‭ ‬تتحمَّل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬التربوي‭ ‬كاملا‭.. ‬فالاكتظاظ‭ ‬داخل‭ ‬الفصول،‭ ‬وضعف‭ ‬التكوين‭ ‬النفسي‭ ‬للمؤطرين،‭ ‬وغياب‭ ‬المتابعة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬المدارس،‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬فضاء‭ ‬لتلقين‭ ‬الدروس‭ ‬فقط،‭ ‬لا‭ ‬لتربية‭ ‬القيم‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الإدارات‭ ‬تختار‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬حوادث‭ ‬العنف‭ ‬بين‭ ‬التلاميذ،‭ ‬مخافة‭ ‬التشهير‭ ‬أو‭ ‬المساءلة،‭ ‬مما‭ ‬يكرس‭ ‬ثقافة‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬النفسية‭ ‬والتربوية‭ ‬تفسر‭ ‬الظاهرة،‭ ‬فإن‭ ‬الجانب‭ ‬القانوني‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭. ‬فالقانون‭ ‬المغربي،‭ ‬كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المتتبعين،‭ ‬لا‭ ‬يحمّل‭ ‬الآباء‭ ‬أي‭ ‬مسؤولية‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ارتكاب‭ ‬أبنائهم‭ ‬القاصرين‭ ‬جرائم‭ ‬خطيرة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الإهمال‭ ‬أو‭ ‬غياب‭ ‬المراقبة‭ ‬يكون‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬تشريعات‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬كالصين‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تحميل‭ ‬الآباء‭ ‬مسؤولية‭ ‬قانونية‭ ‬عن‭ ‬أفعال‭ ‬أبنائهم،‭ ‬تصل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬المتابعة‭ ‬القضائية‭ ‬أو‭ ‬الغرامات‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬السجن،‭ ‬باعتبارهم‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬واجبه‭ ‬التربوي‭.‬

وفي‭ ‬المغرب،‭ ‬يطالب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬الحقوقيين‭ ‬بإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخلل،‭ ‬وبلورة‭ ‬اجتهاد‭ ‬قضائي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬مسؤولية‭ ‬الطفل‭ ‬الجانح‭ ‬وسلوك‭ ‬أسرته‭. ‬فحين‭ ‬يرتكب‭ ‬طفل‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬أو‭ ‬اعتداء‭ ‬خطير،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬الآباء‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬المساءلة،‭ ‬لأنهم،‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى،‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬ذلك‭ ‬السلوك‭ ‬إما‭ ‬بالإهمال‭ ‬وإما‭ ‬بالعنف‭ ‬وإما‭ ‬بعدم‭ ‬المراقبة‭. ‬هؤلاء‭ ‬الحقوقيون‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬تحميل‭ ‬الأبوين‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية،‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬دية‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬إلزام‭ ‬بمتابعة‭ ‬نفسية‭ ‬وسلوكية‭ ‬إجبارية‭ ‬للطفل،‭ ‬سيشكل‭ ‬رادعا‭ ‬حقيقيا‭ ‬ووسيلة‭ ‬لتقويم‭ ‬السلوك‭ ‬داخل‭ ‬الأسر‭.‬

القضية‭ ‬التي‭ ‬أثارتها‭ ‬الطفلة‭ ‬القاتلة‭ ‬كشفت‭ ‬هشاشة‭ ‬المقاربة‭ ‬الحالية،‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بعزل‭ ‬الطفل‭ ‬أو‭ ‬إحالته‭ ‬على‭ ‬مراكز‭ ‬الإصلاح‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬الجذور‭ ‬العائلية‭ ‬للمشكلة‭. ‬فمهما‭ ‬تمت‭ ‬معاقبة‭ ‬القاصر،‭ ‬سيظل‭ ‬الخلل‭ ‬قائما‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬يواصلان‭ ‬نفس‭ ‬نمط‭ ‬السلوك‭ ‬الذي‭ ‬أنجب‭ ‬العنف‭.. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الاتِّجاه‭ ‬نحو‭ ‬إشراك‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬العقوبة،‭ ‬سواء‭ ‬ماديا‭ ‬أو‭ ‬معنويا،‭ ‬يُعد‭ ‬خطوة‭ ‬ضرورية‭ ‬إذا‭ ‬أرادت‭ ‬الدولة‭ ‬فعلا‭ ‬محاربة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬جذورها‭.‬

لكن‭ ‬الظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬القانوني‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬باتت‭ ‬تُفرز‭ ‬أطفالا‭ ‬غاضبين،‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬ضيقة‭ ‬ومناخات‭ ‬أسرية‭ ‬متوترة،‭ ‬محرومين‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬ومن‭ ‬التعبير‭ ‬ومن‭ ‬التواصل‭ ‬الطبيعي‭. ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬العنف‭ ‬وسيلة‭ ‬للتنفيس‭ ‬عن‭ ‬مكبوتاتهم،‭ ‬وفي‭ ‬الهواتف‭ ‬ملاذًا‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬حضن‭ ‬الأسرة‭. ‬فحين‭ ‬يصبح‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي‭ ‬هو‭ ‬المربي‭ ‬الأول،‭ ‬والألعاب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬الإلهام،‭ ‬فلا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬براءة‭ ‬الطفولة‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬لتجريب‭ ‬العنف‭.‬

الطفلة‭ ‬ذات‭ ‬الثماني‭ ‬سنوات‭ ‬التي‭ ‬ارتكبت‭ ‬جريمة‭ ‬القتل‭ ‬ليست‭ ‬وحشا‭ ‬صغيرا‭ ‬كما‭ ‬حاول‭ ‬البعض‭ ‬تصويرها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ضحية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جانية‭. ‬ضحية‭ ‬أسرة‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تنتبه‭ ‬لما‭ ‬تشاهده‭ ‬على‭ ‬الهاتف،‭ ‬ولم‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬البراءة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُلوث‭ ‬بمقطع‭ ‬واحد‭ ‬على‭ “‬تيك‭ ‬توك‭” ‬أو‭ ‬لعبة‭ ‬إلكترونية‭ ‬عنيفة‭. ‬وضحية‭ ‬مجتمع‭ ‬يبرر‭ ‬العنف‭ ‬ويغذيه،‭ ‬وقانون‭ ‬لم‭ ‬يواكب‭ ‬بعد‭ ‬التحولات‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحضانة‭ ‬ليس‭ ‬حادثا‭ ‬عرضيا،‭ ‬بل‭ ‬ناقوس‭ ‬خطر‭ ‬يدقّ‭ ‬بقوة‭. ‬فحين‭ ‬تصل‭ ‬العدوانية‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الطفولة،‭ ‬فإننا‭ ‬أمام‭ ‬جيل‭ ‬مهدد‭ ‬بفقدان‭ ‬الإحساس‭ ‬بالآخر،‭ ‬وباختلال‭ ‬المفاهيم‭ ‬بين‭ ‬الخطأ‭ ‬والجريمة‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تتدارك‭ ‬الدولة‭ -‬ومعها‭ ‬الأسر‭ ‬والمدارس‭- ‬هذا‭ ‬الانحدار،‭ ‬فسنجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬أكثر‭ ‬قتامة،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الطفل‭ ‬القاتل‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬عابر‭ ‬في‭ ‬نشرة‭ ‬المساء‭.‬

لقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لأن‭ ‬يتحرك‭ ‬المشرّع‭ ‬المغربي‭ ‬نحو‭ ‬تبنّي‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة‭ ‬تُحمّل‭ ‬الآباء‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬القانونية‭ ‬والتربوية‭ ‬في‭ ‬أفعال‭ ‬أبنائهم‭. ‬ليس‭ ‬بهدف‭ ‬العقاب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الوعي‭ ‬الأسري‭ ‬وإجبار‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬سلوك‭ ‬أبنائها‭ ‬ومراقبة‭ ‬ما‭ ‬يتعرضون‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬مؤثرات‭ ‬رقمية‭ ‬وإعلامية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬لإلزام‭ ‬الأسر‭ ‬بعرض‭ ‬أبنائها‭ ‬على‭ ‬مختصين‭ ‬نفسيين‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬السلوك‭ ‬العدواني،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭.‬

إن‭ ‬الطفولة‭ ‬المغربية‭ ‬اليوم‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬خطير‭ ‬بين‭ ‬عالم‭ ‬افتراضي‭ ‬متخم‭ ‬بالعنف،‭ ‬وواقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬متوتر‭ ‬يغيب‭ ‬فيه‭ ‬الحوار‭ ‬والاحتواء‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬القانون‭ ‬لم‭ ‬يُحمّل‭ ‬بعد‭ ‬الآباء‭ ‬مسؤولية‭ ‬صريحة،‭ ‬فإن‭ ‬الضمير‭ ‬الجماعي‭ ‬بدأ‭ ‬يُطالب‭ ‬بذلك،‭ ‬لأن‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الجريمة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬التربية‭ ‬التي‭ ‬تزرع‭ ‬بذرتها‭.‬

ففي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬حين‭ ‬يقتل‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬الثامنة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬زميلته‭ ‬داخل‭ ‬حضانة،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭: ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬حدث؟‮»‬‭ ‬بل‭: ‬‮«‬من‭ ‬الذي‭ ‬علّمه‭ ‬أن‭ ‬يقتل؟‮»‬‭ ‬والجواب،‭ ‬مهما‭ ‬حاولنا‭ ‬تجنبه،‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬قبل‭ ‬المدرسة،‭ ‬وفي‭ ‬سلوك‭ ‬الآباء‭ ‬قبل‭ ‬هواتف‭ ‬الأبناء‭.‬

Exit mobile version