تواصل معنا

مجتمع

بين «تهركاوية» بائعي الدلاح و«جشع» لصوص الشواطئ.. ساكنة طنجة وسط «صراع الجبابرة» على احتلال الفضاء العام

مع‭ ‬حلول‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬اصطياف،‭ ‬تتحوَّل‭ ‬شوارع‭ ‬وفضاءات‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة،‭ ‬بطلها‭ ‬الفوضى‭ ‬والترامي‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬على‭ ‬الملك‭ ‬العمومي‭.‬

وبات‭ ‬المواطن‭ ‬الطنجاوي‭ ‬‮«‬المغلوب‭ ‬على‭ ‬أمره‮»‬‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬يوميًّا‭ ‬محاصرًا‭ ‬بين‭ ‬خيارين‭ ‬أحلاهما‭ ‬مرّ؛‭ ‬إما‭ ‬الخضوع‭ ‬لمنطق‭ ‬‮«‬تهركاوية‮»‬‭ ‬بائعي‭ ‬‮«‬الدلاح‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يحتلون‭ ‬الأرصفة‭ ‬والملتقيات‭ ‬الطرقية،‭ ‬أو‭ ‬الاستسلام‭ ‬لجشع‭ ‬‮«‬مافيا‭ ‬المظلات‭ ‬الشمسية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صادرت‭ ‬حق‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بشواطئهم‭ ‬بالمجان‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬تجارة‭ ‬‮«‬الدلاح‮»‬‭ ‬الموسيقية‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬عابر‭ ‬لبيع‭ ‬فاكهة‭ ‬الصيف،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬طنجة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الآهلة‭ ‬بالسكان‭ ‬والهوامش‭ ‬مثل‭ ‬بنديبان‭ ‬وبني‭ ‬مكادة‭ ‬والعوامة،‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬حقيقية‭ ‬لإنتاج‭ ‬الفوضى‭ ‬وإثارة‭ ‬الصخب؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬الشاحنات‭ ‬والعربات‭ ‬المجرورة‭ ‬باحتلال‭ ‬الأرصفة‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتغلق‭ ‬الممرات‭ ‬الطرقية‭ ‬وسط‭ ‬جبال‭ ‬من‭ ‬القشور‭ ‬والنفايات‭ ‬التي‭ ‬تنبعث‭ ‬منها‭ ‬الروائح‭ ‬الكريهة،‭ ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أسلوب‭ ‬‮«‬تهركاوييت‮»‬‭ ‬والبلطجة‭ ‬الشارعية‭ ‬الذي‭ ‬يتعامل‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬الباعة‭ ‬مع‭ ‬المارة‭ ‬وسائقي‭ ‬السيارات،‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬نابٍ‭ ‬ومشاحنات‭ ‬يومية‭ ‬تصادر‭ ‬السكينة‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬عُرف‭ ‬بها‭ ‬المجتمع‭ ‬الطنجاوي‭ ‬المحافظ‭ ‬والمحبّ‭ ‬للهدوء‭.‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الصيفي،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الشريط‭ ‬الساحلي‭ ‬لمدينة‭ ‬البوغاز،‭ ‬من‭ ‬مالاباطا‭ ‬والغندوري‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬شواطئ‭ ‬أشقار‭ ‬وجبيلة،‭ ‬يواجه‭ ‬الطنجاويون‭ ‬جبهة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬شراسة‭ ‬تقودها‭ ‬‮«‬مافيا‭ ‬المظلات‭ ‬الشمسية»؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬شاطئ‭ ‬البحر‭ ‬فضاءً‭ ‬عموميًّا‭ ‬مجانيًّا‭ ‬يكفله‭ ‬القانون،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬إقطاعيات‭ ‬خاصة‭ ‬تفرض‭ ‬فيها‭ ‬مجموعات‭ ‬منظمة‭ ‬إتاوات‭ ‬على‭ ‬الاصطياف،‭ ‬لتجد‭ ‬العائلات‭ ‬نفسها‭ ‬مرغمة‭ ‬على‭ ‬الكراء‭ ‬بأسعار‭ ‬خيالية،‭ ‬ومن‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬مظلته‭ ‬الخاصة‭ ‬يواجه‭ ‬بالتهديد‭ ‬والبلطجة‭ ‬وسط‭ ‬غياب‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬للحزم‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الوصية‭ ‬لتحرير‭ ‬الملك‭ ‬البحري‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الطنجي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬أيهما‭ ‬يُفضّل‭ ‬الطنجاويون؟‮»‬،‭ ‬فإنّ‭ ‬الإجابة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تصدح‭ ‬بها‭ ‬حناجر‭ ‬الساكنة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬هذا‭ ‬ولا‭ ‬ذاك‮»‬،‭ ‬فالطنجاويون،‭ ‬المعروفون‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬بميلهم‭ ‬إلى‭ ‬الوقار‭ ‬والهدوء‭ ‬والنظام،‭ ‬يرفضون‭ ‬جملةً‭ ‬وتفصيلًا‭ ‬هذا‭ ‬التطبيع‭ ‬الممنهج‭ ‬مع‭ ‬الفوضى،‭ ‬ويشعرون‭ ‬بالغربة‭ ‬داخل‭ ‬مدينتهم‭ ‬مستنكرين‭ ‬تسليم‭ ‬الفضاءات‭ ‬لـ«الشناقة‮»‬،‭ ‬لتتوجّه‭ ‬أصابع‭ ‬الاتِّهام‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬سلطات‭ ‬الإدارة‭ ‬الترابية‭ ‬المطالبة‭ ‬بشنّ‭ ‬حملات‭ ‬تطهيريّة‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬صيف‭ ‬‮«‬العروس‮»‬‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيبة‭ ‬للقانون‭.‬

تابعنا على الفيسبوك