تواصل معنا

مجتمع

حركة بلا امتداد.. لماذا فشلت الفعاليات النسوية بطنجة في فرض ذاتها؟

تستمرّ‭ ‬الحركة‭ ‬النسوية‭ ‬والمبادرات‭ ‬المدافعة‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬الدوران‭ ‬داخل‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة،‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬التحوُّل‭ ‬إلى‭ ‬قوّةٍ‭ ‬ضاغطة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬المحلي،‭ ‬ورغم‭ ‬تراكم‭ ‬التجارب‭ ‬وتعدد‭ ‬الجمعيات،‭ ‬يرى‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬بعروس‭ ‬الشمال‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الفعاليات‭ ‬فشلت‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‮»‬‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬ذاتها‭ ‬واستقطاب‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي،‭ ‬لتظلّ‭ ‬نضالاتها‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬مغلقة‭ ‬وبيانات‭ ‬موسمية‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬أثرها‭ ‬جدران‭ ‬القاعات‭ ‬المكيفة‭.‬

ويعود‭ ‬جزءٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التعثُّر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الخطاب‭ ‬المعتمد‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أغلبية‭ ‬الفاعليات‭ ‬النسوية‭ ‬بالمدينة؛‭ ‬وهو‭ ‬خطاب‭ ‬يصفه‭ ‬مهتمون‭ ‬بـ«النخبوي‮»‬‭ ‬والمستورد‭ ‬‮«‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬جافة‭ ‬وتوصيات‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬تقارير‭ ‬دولية،‭ ‬دون‭ ‬ملامسة‭ ‬النبض‭ ‬الحقيقي‭ ‬لنساء‭ ‬الأحياء‭ ‬الهامشية‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬بطنجة‭.‬

إنّ‭ ‬الفجوة‭ ‬الحاصلة‭ ‬بين‭ ‬الأجندة‭ ‬النسوية‭ ‬الشائعة‭ ‬والمعاناة‭ ‬اليومية‭ ‬لنساء‭ ‬يعملن‭ ‬لساعات‭ ‬طوال‭ ‬في‭ ‬معامل‭ ‬النسيج،‭ ‬أو‭ ‬يواجهن‭ ‬ظروفًا‭ ‬معيشية‭ ‬وصحية‭ ‬قاسية‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬بني‭ ‬مكادة‮»‬‭ ‬و«العوامة‮»‬،‭ ‬جعلت‭ ‬الحركة‭ ‬النسوية‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬تُغرّد‭ ‬خارج‭ ‬السرب،‭ ‬ومقطوعة‭ ‬الصلة‭ ‬بالواقع‭ ‬المحلي‭ ‬الملموس‭.‬

ولم‭ ‬تسلم‭ ‬الجمعيات‭ ‬والفعاليات‭ ‬النسوية‭ ‬بعروس‭ ‬الشمال‭ ‬من‭ ‬الآفات‭ ‬التي‭ ‬أنهكت‭ ‬العمل‭ ‬الجمعوي‭ ‬بالمغرب‭ ‬عموما،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الصراعات‭ ‬الفردية‭ ‬على‭ ‬القيادة،‭ ‬وتحول‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬دكاكين‭ ‬موسمية‭ ‬ترتبط‭ ‬وتيرة‭ ‬نشاطها‭ ‬بمدى‭ ‬توفر‭ ‬الدعم‭ ‬والتمويل‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المانحة‭ ‬أو‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‭.‬

وتتحول‭ ‬الأنشطة‭ ‬النسوية‭ ‬‮«‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬احتفاليات‭ ‬بروتوكولية‭ ‬تتزامن‭ ‬مع‭ ‬‮«‬8‭ ‬مارس‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬لمناهضة‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‮»‬،‭ ‬لتعود‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬البيات‭ ‬الشتوي‭ ‬التنظيمي‭.‬

هذا‭ ‬الارتهان‭ ‬لأجندات‭ ‬التمويل‭ ‬غيب‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى،‭ ‬وجعل‭ ‬العمل‭ ‬النسوي‭ ‬بالمدينة‭ ‬يفتقد‭ ‬للاستقلالية‭ ‬والامتداد‭ ‬الجماهيري،‭ ‬حيث‭ ‬يطغى‭ ‬الطابع‭ ‬المناسباتي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬البناء‭ ‬التنظيمي‭ ‬والتأطير‭ ‬الميداني‭ ‬المستمر‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬الذاتية،‭ ‬تصطدم‭ ‬الفعاليات‭ ‬النسوية‭ ‬بطنجة‭ ‬ببنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬تتّسم‭ ‬بالتحفُّظ،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الخطاب‭ ‬النسوي‭ ‬يواجه‭ ‬بنوعٍ‭ ‬من‭ ‬التوجّس‭ ‬والرفض‭ ‬الشعبي‭.‬

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬التحدّي‭ ‬البنيوي،‭ ‬عجزت‭ ‬الجمعيات‭ ‬عن‭ ‬إبداع‭ ‬أدوات‭ ‬تواصلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬هذه‭ ‬العوائق‭ ‬الثقافية‭ ‬دون‭ ‬استفزاز‭ ‬أو‭ ‬قطيعة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬التنسيق‭ ‬والتحالف‭ ‬الدائم‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المكونات‭ ‬النسوية‭ ‬بالمدينة‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تشتيت‭ ‬الجهود؛‭ ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬جبهة‭ ‬مدنية‭ ‬موحدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الترافع‭ ‬أمام‭ ‬المجالس‭ ‬الجماعية‭ ‬والجهات‭ ‬التنفيذية‭ ‬لمراعاة‭ ‬مقاربة‭ ‬النوع‭ ‬في‭ ‬البرامج‭ ‬التنموية،‭ ‬آثرت‭ ‬معظم‭ ‬الجمعيات‭ ‬الاشتغال‭ ‬بشكل‭ ‬فردي‭ ‬ومعزول‭.‬

إن‭ ‬فرض‭ ‬الذات‭ ‬وتغيير‭ ‬واقع‭ ‬المرأة‭ ‬بطنجة‭ ‬لا‭ ‬يتأتيان‭ ‬عبر‭ ‬تنظيم‭ ‬الندوات‭ ‬الدورية‭ ‬وإطلاق‭ ‬الشعارات‭ ‬البراقة،‭ ‬بل‭ ‬يتطلبان‭ ‬مراجعة‭ ‬ذاتية‭ ‬شجاعة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬العاملة‭ ‬والبسيطة‭ ‬جوهر‭ ‬العمل‭ ‬الميداني،‭ ‬وتستبدل‭ ‬‮«‬الاستعراض‭ ‬النخبوي‮»‬‭ ‬بالنضال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الملتزم‭ ‬والقريب‭ ‬من‭ ‬هموم‭ ‬المواطنات‭.‬

تابعنا على الفيسبوك