تواصل معنا

مجتمع

طنجة بين المدينة التقليدية والحديثة: كيف أعادت المشاريع الكبرى تشكيل الطبقة الوسطى ومسارات الــهجــرة الداخلية؟

لم‭ ‬تعد‭ ‬طنجة‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬الهادئة،‭ ‬التي‭ ‬تستيقظ‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬البحر‭ ‬والأسواق‭ ‬القديمة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬إلى‭ ‬ورشٍ‭ ‬مفتوحٍ‭ ‬لمشاريع‭ ‬كبرى‭ ‬غيّرت‭ ‬ملامحها‭ ‬العمرانيَّة‭ ‬والاقتصاديَّة،‭ ‬وخلخلت‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬بنيتها‭ ‬الاجتماعية‭. ‬بين‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية،‭ ‬والتوسُّع‭ ‬العمراني‭ ‬المتسارع،‭ ‬تجد‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬عالقة‭ ‬بين‭ ‬ذاكرة‭ ‬تقليدية‭ ‬وواقع‭ ‬ميتروبول‭ ‬حديث،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الطموحات‭ ‬مع‭ ‬التفاوتات‭ ‬الاجتماعيَّة‭.‬

*مشاريع‭ ‬كبرى‭.. ‬وتحوّلات‭ ‬عميقة

شكّل‭ ‬إطلاق‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المدينة‭. ‬فقد‭ ‬جلبت‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة،‭ ‬وخلقت‭ ‬آلاف‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬قطبًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬وقاريًّا‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬المتسارع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬محايدًا‭ ‬اجتماعيًّا،‭ ‬إذ‭ ‬أعاد‭ ‬توزيع‭ ‬الأدوار‭ ‬والفرص‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الطنجاوي،‭ ‬وطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جديدة‭ ‬حول‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬والتوازن‭ ‬المجالي‭.‬

*الطبقة‭ ‬الوسطى‭: ‬توسّع‭ ‬هشّ‭ ‬أم‭ ‬استقرار‭ ‬مفقود؟

استفادت‭ ‬فئات‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬من‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجديدة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬والخِدْمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭. ‬وظائف‭ ‬جديدة،‭ ‬دخل‭ ‬قار‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬وأنماط‭ ‬استهلاك‭ ‬حديثة‭ ‬بدأت‭ ‬تطفو‭ ‬على‭ ‬السطح‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬واجهت‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬ضغوطًا‭ ‬متزايدة،‭ ‬أبرزها‭ ‬الارتفاع‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة،‭ ‬خاصة‭ ‬السكن‭ ‬والنقل‭.‬

يقول‭ ‬موظف‭ ‬بإحدى‭ ‬الشركات‭ ‬الصناعية،‭ ‬فضّل‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭: ‬‮«‬العمل‭ ‬متوفر،‭ ‬لكن‭ ‬الاستقرار‭ ‬صعب‭. ‬الأجور‭ ‬لا‭ ‬تواكب‭ ‬غلاء‭ ‬المعيشة،‭ ‬والسكن‭ ‬أصبح‭ ‬عبئًا‭ ‬حقيقيًا‮»‬‭.‬

هكذا،‭ ‬وجدت‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬رماديّة‭: ‬لا‭ ‬هي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الادّخار‭ ‬وبناء‭ ‬أمان‭ ‬اجتماعي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬محمية‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬الهشاشة‭.‬

*الهجرة‭ ‬الداخلية‭: ‬طنجة‭ ‬كمدينة‭ ‬جذب

تزامن‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬موجة‭ ‬هجرة‭ ‬داخلية‭ ‬قوية‭. ‬آلاف‭ ‬الأسر‭ ‬والأفراد‭ ‬شدُّوا‭ ‬الرحال‭ ‬نحو‭ ‬طنجة‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬وتحسين‭ ‬شروط‭ ‬العيش‭. ‬هذا‭ ‬التدفُّق‭ ‬السكاني‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للمدينة،‭ ‬لكنَّه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬زاد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والخِدْمات‭ ‬العموميّة‭.‬

أحياء‭ ‬جديدة‭ ‬نمت‭ ‬بسرعة،‭ ‬بعضها‭ ‬يفتقرُ‭ ‬للتجهيزات‭ ‬الأساسية،‭ ‬بينما‭ ‬توسّعت‭ ‬هوامش‭ ‬المدينة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متوازن‭. ‬ويؤكد‭ ‬فاعل‭ ‬جمعوي‭ ‬محلي‭: ‬‮«‬طنجة‭ ‬تكبر‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وهذا‭ ‬يخلق‭ ‬فجوات‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والهامش‮»‬‭.‬

*بين‭ ‬الاندماج‭ ‬والتهميش

الهجرة‭ ‬الداخلية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬دائمًا‭ ‬قصة‭ ‬اندماج‭ ‬ناجحة‭. ‬فبينما‭ ‬تمكن‭ ‬بعض‭ ‬الوافدين‭ ‬من‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬ظل‭ ‬آخرون‭ ‬عالقين‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬هشة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مهيكلة،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬حدّة‭ ‬الفوارق‭ ‬الاجتماعية‭. ‬كما‭ ‬أثّر‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬المدينة،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬توترات‭ ‬خفية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمنافسة‭ ‬على‭ ‬الشغل‭ ‬والسكن‭ ‬والخِدْمات‭.‬

*أي‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬لطنجة؟

تطرح‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬سؤالًا‭ ‬جوهريًّا‭ ‬حول‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭ ‬المعتمد‭: ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬لتحقيق‭ ‬التنمية؟‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمر‭ ‬يتطلَّب‭ ‬رؤية‭ ‬اجتماعيَّة‭ ‬موازية‭ ‬تضع‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية؟

بين‭ ‬مدينة‭ ‬تحلم‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬ميتروبولًا‭ ‬عالميًّا،‭ ‬وسكان‭ ‬يسعون‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬عيش‭ ‬كريم،‭ ‬تبقى‭ ‬طنجة‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭. ‬نجاحها‭ ‬الحقيقي‭ ‬لن‭ ‬يُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬موانيها‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬مصانعها،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬اجتماعي‭ ‬يضمن‭ ‬العدالة‭ ‬والاندماج‭ ‬لكلّ‭ ‬من‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬موطنًا‭ ‬أو‭ ‬حلمًا‭.‬

تابعنا على الفيسبوك