سياحة
رهان السياحة واستحقاقات المونديال.. غياب تكوينات السلامة الصحية يضع مطاعم ومحلات التغذية في قفص الاتهام
مع الارتفاع التدريجي لدرجات الحرارة واقتراب حلول فصل الصيف، تعود إلى الواجهة من جديد كوابيس «التسممات الغذائية» التي تملأ أقسام المستعجلات في مختلف المدن المغربية. لكنَّ صيف هذا العام، وما سيليه من مواسم، يكتسي طابعًا استثنائيًّا بالنظر إلى التظاهرات الدولية والقارية الكبرى، التي يستعد المغرب لاحتضانها، وعلى رأسها كأس العالم 2030.
استحقاقات تضع الواجهة السياحية للمملكة تحت المجهر، وتطرح تساؤلات ملحة حول مدى جاهزية قطاع المطاعم ومحلات بيع المواد الغذائية لاستقبال ملايين الزوار بشروط صحية آمنة ترقى لتطلعات هذه المواعيد العالمية.
المفارقة الغريبة في التعاطي مع هذا الملف الحساس، هي أن السلطات الوصية، من مجالس جماعية ومصالح حفظ الصحة التابعة لوزارة الداخلية، ومعها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا)، لا تزال تتعامل بمنطق «رجال المطافئ».
إذ لا تتحرك لجان المراقبة عادة إلا بعد وقوع الكارثة وتسجيل حالات تسمم جماعي، لتنطلق حملات حجز اللحوم الفاسدة والموادّ منتهية الصلاحية وإغلاق المحلات.
وفي خضم هذه المقاربة الزجرية، يغيب تمامًا سؤال «التأطير والتكوين المسبق» لفائدة هؤلاء التجار وأصحاب المطاعم والعاملين لديهم.
إن جزءًا كبيرًا من المخالفات الكارثية التي يتم تسجيلها داخل مطابخ الوجبات السريعة أو في مستودعات المواد الغذائية، لا ينبع بالضرورة من نية مبيتة للغش، بل يعود أساسًا إلى الجهل التام بأبسط قواعد السلامة الصحية.
فكيف يعقل أن تُمنح رخص استغلال المحلات والمطاعم دون اشتراط خضوع أصحابها والعاملين بها لدورات تكوينية إجبارية؟ غياب الوعي بشروط التخزين، وطرق احترام «سلسلة التبريد»، وكيفية التعامل مع المواد سريعة التلف كاللحوم ومشتقات الحليب والصلصات، يجعل من بعض المحلات «قنابل موقوتة» تهدد الصحة العامة.
وما يزيد من قتامة المشهد، هو الانتشار المهول للقطاع غير المهيكل وعربات المأكولات الخفيفة التي تحتل الأرصفة والساحات وتفتقر لأدنى شروط النظافة، حيث تُعرض الأطعمة لأشعة الشمس الحارقة ولعوادم السيارات.
هذه الظاهرة، التي تتغاضى عنها بعض المجالس المنتخبة لاعتبارات انتخابية أو اجتماعية صرفة، تُشكّل تحديًّا إضافيا ينسف أي حديث عن الارتقاء بجودة الخِدْمات السياحية والغذائية.
أمام هذا الوضع، بات ضروريًّا وملحًا أن تبرمج السلطات المحلية، بشراكة مع غرف التجارة والصناعة والخدمات وجمعيات حماية المستهلك، ورشات وتكوينات دورية لفائدة المهنيين.
فبدل الاكتفاء بتحصيل الضرائب ورسوم الرخص، يجب استثمار جزءٍ من هذه المداخيل في تأهيل العنصر البشري. يمكن “على سبيل المثال” اعتماد نظام «البطاقة الصحية المهنية» شرطًا أساسيًّا لمزاولة المهنة، يتم تجديدها بناء على اجتياز تكوين مبسط في معايير النظافة والتخزين.
المغرب اليوم يراهن على استقطاب سياحة نوعية وبأعداد غير مسبوقة، وأي حادث تسمم يمس زوار المملكة قد يتحول في عصر منصات التواصل الاجتماعي إلى فضيحة عالمية تضرب في العمق كل المجهودات المبذولة في الترويج للوجهة المغربية.
لذلك، فإن الاستعداد للتظاهرات الدولية لا يقتصر فقط على بناء الملاعب وتشييد الطرق والفنادق، بل يبدأ من صحن السائح والمواطن على حد سواء.
إن تأهيل قطاع التغذية لم يعد ترفًا، بل هو خط دفاع أول عن الصحة العامة والسمعة السياحية للبلاد، مما يستوجب الانتقال الفوري من لغة المراقبة الموسمية إلى مأسسة التكوين والمرافقة المستمرة.


