تواصل معنا

مجتمع

الأطفال التوحديون.. بين القانون والواقع المدرسي

مع‭ ‬انطلاق‭ ‬الموسم‭ ‬الدراسي‭ ‬الجديد،‭ ‬تعود‭ ‬قضيَّة‭ ‬مرافقة‭ ‬الأطفال‭ ‬ذوي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة،‭ ‬وبالخصوص‭ ‬الأطفال‭ ‬التوحّديين،‭ ‬لتطفو‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬العموميَّة‭ ‬والخصوصيَّة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬فبينما‭ ‬يكفل‭ ‬القانون‭ ‬لهم‭ ‬حقّ‭ ‬مرافقة‭ ‬تساعدهم‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬المدرسيَّة،‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬العمليَّة‭ ‬اليوميَّة‭ ‬العديدَ‭ ‬من‭ ‬العراقيل،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬المدرسين‭ ‬أو‭ ‬الإدارات‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬بعض‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور‭.‬

ينصُّ‭ ‬القانون‭ ‬المغربي‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬وضعيَّة‭ ‬إعاقة،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬الأطفال‭ ‬المصابون‭ ‬بالتوحّد،‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬مناسب‭ ‬وميسّر،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬السماح‭ ‬لمرافقيهم‭ ‬أو‭ ‬أساتذتهم‭ ‬المساعدين‭ ‬بدخول‭ ‬القسم‭ ‬ومرافقتهم‭ ‬طوال‭ ‬ساعات‭ ‬الدراسة‭. ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬يأتي‭ ‬استجابة‭ ‬للتوجيهات‭ ‬الدوليَّة‭ ‬والمحليَّة،‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬ضرورة‭ ‬ضمان‭ ‬تعليم‭ ‬شامل‭ ‬ومتكافئ‭ ‬لجميع‭ ‬الأطفال‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬المدرسي‭ ‬اليوم‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬فوارق‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬العموميَّة،‭ ‬يعبر‭ ‬المدرسون‭ ‬عن‭ ‬تضايقهم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬المرافقين‭ ‬داخل‭ ‬الأقسام‭. ‬ويبررون‭ ‬موقفهم‭ ‬بأن‭ ‬تدخل‭ ‬المرافق،‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬غالبًا‭ ‬الأم‭ ‬أو‭ ‬أحيانًا‭ ‬أحد‭ ‬الأقارب،‭ ‬يعطل‭ ‬سير‭ ‬الدروس‭ ‬ويُؤثّر‭ ‬في‭ ‬تركيز‭ ‬باقي‭ ‬التلاميذ‭. ‬

ويشير‭ ‬بعض‭ ‬الأساتذة‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬يجدون‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬دورهم‭ ‬التربوي‭ ‬بحريَّة،‭ ‬بسبب‭ ‬تدخل‭ ‬المرافقين‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬الشرح‭ ‬أو‭ ‬إدارة‭ ‬الصف‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬يؤكد‭ ‬بعض‭ ‬المرافقين‭ ‬أنهم‭ ‬يواجهون‭ ‬صعوبات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬أطفالهم‭ ‬داخل‭ ‬المدرسة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قريبين‭ ‬منهم،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬التوحد‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬دعمًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬وتفهمًا‭ ‬خاصًّا‭ ‬لاحتياجات‭ ‬الطفل‭. ‬

فالكثير‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬احتياجاتهم،‭ ‬أو‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المواقف‭ ‬الجديدة‭ ‬داخل‭ ‬القسم،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وجود‭ ‬المرافق‭ ‬ضروريًّا‭ ‬لضمان‭ ‬استقرارهم‭ ‬النفسي‭ ‬وسلامتهم‭ ‬الجسديَّة‭.‬

وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬تصل‭ ‬المشكلات‭ ‬إلى‭ ‬الإدارة‭ ‬المدرسيَّة‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬محرج‭ ‬بين‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭ ‬وضمان‭ ‬انسيابيَّة‭ ‬العمل‭ ‬التربوي‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬بعض‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭ ‬ظاهرة‭ ‬رفض‭ ‬تسجيل‭ ‬حالات‭ ‬التوحّد‭ ‬لتفادي‭ ‬النزاعات‭ ‬أو‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬نتيجة‭ ‬مرافقة‭ ‬الأطفال‭ ‬داخل‭ ‬القسم‭. ‬هذا‭ ‬التهرب،‭ ‬رغم‭ ‬كونه‭ ‬مخالفًا‭ ‬للقانون،‭ ‬يعكس‭ ‬تخوّف‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬مطالب‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور‭ ‬أو‭ ‬تعقيدات‭ ‬عمليَّة‭ ‬التدريس‭ ‬اليوميَّة‭.‬

التجربة‭ ‬اليوميَّة‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬التكوين‭ ‬المتخصّص‭ ‬للأساتذة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأطفال‭ ‬ذوي‭ ‬التوحد‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬التوتر‭. ‬فبعض‭ ‬المدرسين‭ ‬يفتقرون‭ ‬للمعرفة‭ ‬بكيفيَّة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬تصرفات‭ ‬الأطفال‭ ‬أو‭ ‬فهم‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬مما‭ ‬يجعلهم‭ ‬يشعرون‭ ‬أن‭ ‬المرافق‭ ‬يُمثّل‭ “‬تدخلًا‭” ‬في‭ ‬عملهم،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬المرافق‭ ‬أن‭ ‬عمله‭ ‬ضروري‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬التعليميَّة‭ ‬والاجتماعيَّة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬المسؤولين‭ ‬والسلطات‭ ‬المحليَّة‭ ‬والجهويَّة،‭ ‬الذين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يضطلعوا‭ ‬بمهمة‭ ‬حماية‭ ‬حق‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬ملائمة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬ضغوط‭ ‬أو‭ ‬تمييز‭. ‬ويشير‭ ‬خبراء‭ ‬في‭ ‬التربيَّة‭ ‬الخاصة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬اعتماد‭ ‬برامج‭ ‬توعيَّة‭ ‬وتكوين‭ ‬مستمر‭ ‬للأساتذة‭ ‬بخصوص‭ ‬كيفيَّة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأطفال‭ ‬ذوي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة،‭ ‬بما‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬الاحتكاك‭ ‬اليومي‭ ‬بين‭ ‬المدرسين‭ ‬والمرافقين‭ ‬ويضمن‭ ‬بيئة‭ ‬تعليميَّة‭ ‬متوازنة‭ ‬للجميع‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الحلول‭ ‬المقترحة،‭ ‬تشجيع‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭ ‬للأساتذة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التربيَّة‭ ‬الخاصة،‭ ‬توفير‭ ‬مرافقين‭ ‬مدربين‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التوحّد‭ ‬داخل‭ ‬القسم،‭ ‬وإنشاء‭ ‬لجان‭ ‬متابعة‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭ ‬تضم‭ ‬ممثلين‭ ‬عــــــــــــــــــــن‭ ‬الإدارة،‭ ‬الأســاتذة،‭ ‬وأولــياء‭ ‬الأمـــــور‭ ‬لضــــمان‭ ‬تـــــوازن‭ ‬الحــــقوق‭ ‬والواجبـــات‭. ‬كــــــما‭ ‬أن‭ ‬تــــبـــــــني‭ ‬برامج‭ ‬مرنة‭ ‬تسمح‭ ‬بتنســـــيق‭ ‬حضــــــور‭ ‬المرافقــــين‭ ‬وتحـــديد‭ ‬أدوارهم‭ ‬بدقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬مـــــن‭ ‬الاحتـــــكاكات‭ ‬وتحســــين‭ ‬تجــــربة‭ ‬التعلّم‭ ‬للطفل‭.‬

ولا‭ ‬تقتــــــــصــــــر‭ ‬المشــــكلات‭ ‬على‭ ‬المدارس‭ ‬العموميَّة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخصوصيَّة‭ ‬التي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬الأطفال‭ ‬ذوي‭ ‬التوحد‭ ‬عبئًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التدريس‭ ‬والتنظيم،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬التسجيل‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬شروط‭ ‬تعجيزيَّة‭. ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬التزام‭ ‬هذه‭ ‬المؤسَّسات‭ ‬بمبادئ‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الشامل‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬التلاميذ‭.‬

الحالات‭ ‬الواقعيَّة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬التوحدي،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تلقّى‭ ‬دعمًا‭ ‬مناسبًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المرافقة‭ ‬المتخصصة‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬الأساتذة‭ ‬والمرافقين،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُحقّق‭ ‬تقدمًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدراسي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬لكن‭ ‬غياب‭ ‬التنسيق‭ ‬والتفاهم‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسيَّة،‭ ‬إذ‭ ‬يعاني‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬والقلق،‭ ‬وقد‭ ‬ينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬تحصيله‭ ‬الدراسي‭ ‬وانخراطه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬داخل‭ ‬المدرسة‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬تبقى‭ ‬المسألة‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬سياسيَّة‭ ‬واضحة‭ ‬لضمان‭ ‬احترام‭ ‬القانون،‭ ‬وتوفير‭ ‬التكوين‭ ‬والدعم‭ ‬اللازم‭ ‬للأساتذة‭ ‬والمرافقين،‭ ‬وضمان‭ ‬حق‭ ‬الأطفال‭ ‬ذوي‭ ‬التوحد‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬مدرسيَّة‭ ‬تُراعي‭ ‬خصوصياتهم‭. ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يُعاني‭ ‬اضطراب‭ ‬التوحّد‭ ‬ليس‭ ‬مسؤولًا‭ ‬عن‭ ‬الصعوبات‭ ‬التنظيميَّة‭ ‬أو‭ ‬التربويَّة،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬محميًّا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تمييز‭ ‬أو‭ ‬تضييق،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬أو‭ ‬الإدارة‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬المجتمع‭ ‬المحيط‭.‬

إن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬تتطلَّب‭ ‬تضافر‭ ‬جهود‭ ‬الجميع‭: ‬أساتذة،‭ ‬وإدارات،‭ ‬وأولياء‭ ‬الأمور،‭ ‬ومسؤولين‭ ‬جهويين‭ ‬ومركزين،‭ ‬لضمان‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬حقًّا‭ ‬فعليًّا‭ ‬للجميع،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تجاوزات‭ ‬أو‭ ‬تهميش‭.‬

وفي‭ ‬غياب‭ ‬ذلك،‭ ‬سيظلّ‭ ‬الأطفال‭ ‬التوحديون‭ ‬ضحايا‭ ‬ازدواجـــيَّة‭ ‬القـــــانون،‭ ‬بين‭ ‬نصـــــوص‭ ‬تحــــميهم‭ ‬وواقع‭ ‬مدرســــي‭ ‬يعقـــــد‭ ‬حيــــــاتهم‭ ‬اليوميَّة‭ ‬ويجـــعل‭ ‬مرافــقيهم‭ ‬محورَ‭ ‬جدلٍ‭ ‬مُستمرّ،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مستقبلهم‭ ‬التعليمي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

تابعنا على الفيسبوك