مجتمع
طنجة تنزف بسبب الدراجات النارية.. والشباب في المقابر!
تشهد مدينة طنجة –في الآونة الأخيرة– ارتفاعًا مقلقًا في عدد الوفيات بين صفوف الشباب بسبب حوادث مرتبطة بالدراجات الناريَّة، آخرها وفاة تلميذ في مستوى الباكالوريا، في حادثة مأساويَّة أعادت إلى الواجهة النقاش حول العشوائيَّة التي تطبع هذا القطاع، سواء على مستوى انتشار الدراجات غير المرخصة أو غياب إجراءات حازمة تنظم استعمالها.
هذه المأساة لم تكن الأولى من نوعها، بل تندرج ضمن سلسلة من الحوادث الداميَّة التي تحصد أرواح العشرات سنويًّا، لتتحول الدراجات الناريَّة من وسيلة نقل بديلة إلى كابوس يومي يخيف الأسر الطنجاويَّة.
في الأحياء الشعبيَّة –كما في شوارع المدينة الكبرى– تحولت هذه الدراجات إلى مشهد يومي مألوف. عشرات الشباب، بعضهم قاصرون، يجوبون الشوارع بسرعة مفرطة، دون خوذات واقيَّة، في خرق سافر لقوانين السير، وكأنهم في سباق مفتوح. النتيجة تكون في الغالب حوادث قاتلة، تخلف مآسي أسريَّة يصعب تحملها. ورغم حجم الكارثة، فإن المجتمع المدني ما زال يتعامل مع الظاهرة بفتور لافت، حيث تغيب إلى اليوم أي مبادرة جماعيَّة من قبيل تأسيس جمعيَّة لعائلات ضحايا الدراجات الناريَّة، تكون مهمتها الدفاع عن حقوق الضحايا والتحسيس بخطورة الاستعمال العشوائي لهذه المركبات.
العديد من المتتبّعين يرون أن تأسيس إطار مدني بهذا الشكل أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لتقديم الدعم النفسي والقانوني لعائلات الضحايا، ولكن أيضا للضغط على الجهات المسؤولة من أجل فرض احترام القانون وإطلاق حملات جادة للردع والتحسيس.
ففي تجارب دوليَّة عديدة، لعبت جمعيات أسر ضحايا حوادث السير أدوارًا محوريَّة في تغيير السياسات العموميَّة وتبني إجراءات أكثر صرامة، وهو ما تحتاج إليه طنجة اليوم أمام نزيف الأرواح المتواصل.
منتخبون محليون، أكَّدوا للجريدة، أنَّ ما يجري في شوارع المدينة أصبح “حالة طوارئ غير معلنة”، حيث لم يعد ممكنًا غضّ الطرف عن الفوضى التي تحكم هذا القطاع.
وأشار بعضهم إلى أن حوادث الدراجات الناريَّة باتت تستنزف قدرات المستشفيات ومصالح الأمن، في حين تظلُّ الإجراءات الزجريَّة متقطعة وغير منتظمة، ما يفرغها من أي أثر رادع.
وأوضحوا أن المطلوب ليس فقط تكثيف المراقبة، بل اعتماد استراتيجيَّة شاملة تتضمَّن تشديد الرقابة على بيع هذه الدراجات، وضبط عمليَّة ترخيصها، وإلزام أصحابها بالخوذات وتجهيزات السلامة.
غير أن المسؤوليَّة لا تقع على المصالح الأمنيَّة وحدها. فحسب خبراء في السلامة الطرقيَّة، فإن الأسرة بدورها تتحمَّل قسطا من المسؤوليَّة حين تغض الطرف عن أبنائها القاصرين وهم يمتطون دراجات سريعة دون أي وعي بالمخاطر.
كما أن المؤسسات التعليميَّة مطالبة بتأدية دور أكبر في التوعيَّة، من خلال إدماج ثقافة السلامة الطرقيَّة في البرامج الدراسيَّة، وتنظيم حملات دوريَّة للتلاميذ، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من الضحايا هم من الفئات المتمدرسة.
وفي حديث مع الجريدة، شدَّد بعض المنتخبين، على أن الكارثة الحقيقيَّة تكمن في انتشار دبابات صغيرة معدلة محليًّا أو مهربة من الخارج، لا تستجيب لأي معايير للسلامة، وتتحول إلى “قنابل متحركة” في يد شباب متهورين.
هذه الدراجات، التي تباع بأسعار منخفضة في الأسواق، تجذب المراهقين بشكل خاص، لتضعهم في مواجهة مباشرة مع الموت في طرقات لا ترحم. وأكدوا أن غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين، من جماعة حضريَّة وأمن ووزارة النقل والجمارك، يجعل الظاهرة تكبر بلا رادع حقيقي.
ولعلّ ما يزيد من خطورة الوضع هو غياب أي مبادرة مدنيَّة تؤطر النقاش وتضع الملف في الواجهة. فباستثناء بعض الحملات المحدودة التي تقوم بها مصالح الأمن بين الفينة والأخرى، لا يظهر أثر للجمعيات التي من المفترض أن ترفع صوتها في مثل هذه القضايا. بل إنَّ عددًا من الأسر التي فقدت أبناءها تجد نفسها وحيدة في مواجهة المأساة، دون دعم منظم أو إطار يتبنى مطالبها. هذا الفراغ المدني يفتح الباب أمام مزيد من الاستهتار، ويجعل الضحايا مجرد أرقام في سجلات الحوادث.
من جهة أخرى، يرى حقوقيّون، أنَّ الوقت قد حان لتفكير جدي في فرض إجراءات استثنائيَّة تشبه حالة الطوارئ، يتم خلالها شن حملات واسعة النطاق تستهدف حجز الدراجات غير المرخصة، وتشديد العقوبات على المخالفين، وإطلاق برامج تحسيسيَّة مكثفة تشمل وسائل الإعلام والمدارس والفضاءات العموميَّة. هذه الإجراءات، وإن بدت صارمة، فقد تكون الحل الوحيد لإعادة الأمور إلى نصابها وإنقاذ الأرواح، خصوصًا أن الأرقام المعلنة عن ضحايا حوادث السير بالمغرب تشير إلى أن الدراجات الناريَّة تُمثّل نسبة مرتفعة من الوفيات والإصابات الخطيرة.
أما المواطنون، فيرون أن المصالح الأمنيَّة لم تعد تملك ترف الانتظار. ففي شهادات استقتها الجريدة من بعض سكان الأحياء، أعربوا عن استيائهم من مشاهد السرعة الجنونيَّة التي تحولت إلى كابوس يومي يهدد أطفالهم عند عبور الشارع.
بعضهم اعتبر أن غياب الردع شجع على المزيد من التهور، حتى صار بعض الشباب يتباهون بالقيام بحركات خطيرة وسط الشوارع، في غياب تام للرقابة. آخرون طالبوا بحملات دائمة لا تقتصر على المناسبات، معتبرين أن حياة الناس أثمن من أن تُترك رهينة للفوضى.
وبين مطالب الأسر المنكوبة ودعوات المنتخبين وخبراء السلامة، يظل المشهد العام في طنجة مثقلًا بالفواجع، فيما يبدو أن غياب رؤية متكاملة هو ما يجعل الأزمة تتفاقم.
فالمدينة التي تطمح إلى تأدية دور اقتصادي وسياحي ريادي على المستوى الوطني، تجد نفسها اليوم عاجزة عن تنظيم قطاع بسيط كالدراجات الناريَّة، رغم أن فوضاه تُهدّد يوميا صورة المدينة وأمن ساكنتها.


