تواصل معنا

مجتمع

دعارة «الطروطوار» تغزو شوارع عاصمة البوغاز.. مَن يتحمل المسؤولية؟

لم‭ ‬تعد‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬دعارة‭ ‬الرصيف‮»‬‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬شعبيًّا‭ ‬بـ«دعارة‭ ‬الطروطوار‮»‬‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬مجرد‭ ‬سلوك‭ ‬معزول‭ ‬يثير‭ ‬حفيظة‭ ‬المارة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬الليل،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬‮«‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬مقلقٍ‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بقوّة‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الحضري‭ ‬لعاصمة‭ ‬البوغاز‭.‬

ففي‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬طفرةً‭ ‬اقتصاديةً‭ ‬وعمرانيةً‭ ‬مهمّةً،‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تُسائل‭ ‬مباشرةً‭ ‬الفاعل‭ ‬التنموي،‭ ‬والأمني،‭ ‬والاجتماعي‭ ‬محليًّا،‭ ‬وسط‭ ‬تساؤلات‭ ‬يطرحها‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الطنجاوي‭ ‬بشأن‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تتحمَّل‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬التفاقم‭ ‬الذي‭ ‬يُسيئ‭ ‬لسمعة‭ ‬المدينة‭ ‬وصورتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬بوابة‭ ‬للمملكة،‭ ‬وفي‭ ‬جولة‭ ‬ليلية‭ ‬لجريدة‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬‭ ‬ببعض‭ ‬النقط‭ ‬والشوارع‭ ‬الرئيسية‭ ‬بالمدينة،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬بوسط‭ ‬المدينة‭ ‬والمناطق‭ ‬المحاذية‭ ‬للكورنيش‭ ‬وبعض‭ ‬الأحياء‭ ‬المحورية،‭ ‬يتَّضح‭ ‬حجم‭ ‬الاستفحال‭ ‬بشكل‭ ‬صادم؛‭ ‬فتيات‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر،‭ ‬يتوزّعن‭ ‬على‭ ‬أرصفة‭ ‬شوارع‭ ‬معروفة‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الظلام،‭ ‬يترصدن‭ ‬زبائن‭ ‬العابرين‭ ‬بسياراتهم‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬فضاءات‭ ‬منزوية‭ ‬أو‭ ‬معروفة‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬بنشاطها‭ ‬الليلي،‭ ‬بل‭ ‬زحفت‭ ‬الظاهرة‭ ‬نحو‭ ‬محيط‭ ‬أحياء‭ ‬سكنية‭ ‬وعائلية،‭ ‬مما‭ ‬فجّر‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬تذمر‭ ‬الساكنة‭ ‬التي‭ ‬ضاقت‭ ‬ذرعًا‭ ‬بالفوضى،‭ ‬والكلام‭ ‬النابي،‭ ‬والشجارات‭ ‬الليلية‭ ‬التي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تنتهي‭ ‬بمشادات‭ ‬صاخبة‭ ‬وتبادل‭ ‬اللكمات‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الوسيطات‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الزبائن‭ ‬المخمورين،‭ ‬مما‭ ‬يقض‭ ‬مضجع‭ ‬الأسر‭ ‬ويضرب‭ ‬سكينة‭ ‬الأحياء‭ ‬في‭ ‬مقتل‭.‬

تفكيك‭ ‬خيوط‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬تشابك‭ ‬مُعقّد‭ ‬للمسؤوليات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلقاؤه‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬دون‭ ‬أخرى؛‭ ‬إذ‭ ‬يجمع‭ ‬متتبعون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بالمدينة‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬الارتفاع‭ ‬المهول‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة،‭ ‬وتزايد‭ ‬الهجرة‭ ‬الوافدة‭ ‬على‭ ‬طنجة‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬شغل،‭ ‬بموازاة‭ ‬مع‭ ‬اتِّساع‭ ‬رقعة‭ ‬الهشاشة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬بعض‭ ‬الفئات،‭ ‬يُشكّل‭ ‬‮«‬المغذي‭ ‬الأول‮»‬‭ ‬للاستقطاب‭ ‬نحو‭ ‬الرصيف،‭ ‬فغياب‭ ‬بدائل‭ ‬اقتصادية‭ ‬حقيقية‭ ‬ومواكبة‭ ‬اجتماعية‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الطروطوار‮»‬‭ ‬الملاذ‭ ‬الأخير‭ ‬لشرائح‭ ‬سحقتها‭ ‬الحاجة‭ ‬والفقر‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ورغم‭ ‬الحملات‭ ‬التطهيرية‭ ‬والتمشيطية‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬مصالح‭ ‬ولاية‭ ‬أمن‭ ‬طنجة‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬التي‭ ‬تسفر‭ ‬عن‭ ‬توقيف‭ ‬مئات‭ ‬المبحوث‭ ‬عنهن‭ ‬أو‭ ‬المتلبسات‭ ‬بالتحريض‭ ‬على‭ ‬الفساد،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الفعاليات‭ ‬المدنية‭ ‬والساكنة‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬تظل‭ ‬‮«‬موسمية‮»‬‭ ‬ومحدودة‭ ‬الأثر،‭ ‬حيث‭ ‬تعود‭ ‬الممارسات‭ ‬إلى‭ ‬سابق‭ ‬عهدها‭ ‬بمجرد‭ ‬مغادرة‭ ‬الدوريات‭ ‬الأمنية،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬علامات‭ ‬استفهام‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬نجاعة‭ ‬المقاربة‭ ‬الزجرية‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬استراتيجية‭ ‬موازية‭ ‬لتجفيف‭ ‬المنبع‭ ‬وإغلاق‭ ‬الأوكار‭ ‬والشقق‭ ‬المفروشة،‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬كخلفية‭ ‬لهذا‭ ‬النشاط‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬عزل‭ ‬الظاهرة‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬التفكك‭ ‬الأسري،‭ ‬وارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬الهدر‭ ‬المدرسي‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬فالشارع‭ ‬الطنجاوي‭ ‬بات‭ ‬يبتلع‭ ‬القاصرات‭ ‬والشابات‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬تأطير‭ ‬مؤسساتي‭ ‬يحصنهنّ‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬شبكات‭ ‬الاتّجار‭ ‬بالبشر‭ ‬والدعارة‭ ‬المقنعة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يرى‭ ‬فاعلون‭ ‬حقوقيون‭ ‬بجمعيات‭ ‬تعنى‭ ‬بحماية‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬صعبة‭ ‬بطنجة،‭ ‬أن‭ ‬تحميل‭ ‬المسؤولية‭ ‬لجهةٍ‭ ‬واحدةٍ‭ ‬هو‭ ‬تسطيح‭ ‬للمشكل،‭ ‬مُؤكّدين‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬أمام‭ ‬منظومة‭ ‬تدبيرية‭ ‬تحتاج‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة،‭ ‬فالقانون‭ ‬الجنائي‭ ‬ببنوده‭ ‬الحالية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬رادعًا‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لشبكات‭ ‬الوساطة‭ ‬والـ«قوادين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يستغلون‭ ‬حاجة‭ ‬الفتيات،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‭ ‬بالمدينة‭ ‬غائبة‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬الدعم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أو‭ ‬خلق‭ ‬مراكز‭ ‬للاستماع‭ ‬والتوجيه،‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬برامج‭ ‬حقيقية‭ ‬لإدماج‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬السائرة‭ ‬نحو‭ ‬الضياع،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الظاهرة‭ ‬واجهة‭ ‬لأزمة‭ ‬تدبير‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬محلي‭ ‬واضح‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬تفاقم‭ ‬‮«‬دعارة‭ ‬الطروطوار‮»‬‭ ‬بطنجة‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬المتسارع،‭ ‬لا‭ ‬يمس‭ ‬فقط‭ ‬بجمالية‭ ‬المدينة‭ ‬وساكنتها،‭ ‬بل‭ ‬ينذر‭ ‬بتحوّل‭ ‬بعض‭ ‬الشوارع‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬للجريمة‭ ‬والسرقة‭ ‬واعتراض‭ ‬السبيل‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬المخدرات،‭ ‬والوضع‭ ‬اليوم‭ ‬يستدعي‭ ‬تنسيقًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬وعاجلًا‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية،‭ ‬والمصالح‭ ‬الأمنية،‭ ‬والمجالس‭ ‬المنتخبة،‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬لصياغة‭ ‬مخطط‭ ‬استعجالي‭ ‬يزاوج‭ ‬بين‭ ‬الصرامة‭ ‬الأمنية‭ ‬الصارمة‭ ‬ضد‭ ‬شبكات‭ ‬الوساطة،‭ ‬والمقاربة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الإدماجية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ضحايا‭ ‬الرصيف‭. ‬فهل‭ ‬تتحرّك‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬بطنجة‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لحرمة‭ ‬الشارع‭ ‬العام،‭ ‬أم‭ ‬سيبقى‭ ‬‮«‬الطروطوار‮»‬‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬السيطرة‭ ‬والرقابة؟

تابعنا على الفيسبوك