مجتمع
ننتصر في الملاعب.. فــمـــتى يـأتـي دور باقي المجالات كالتعليم والصحة والشغل؟
كلما فاز منتخبنا الوطني في مباراة كرة القدم، خرج المغاربة إلى الشوارع يحتفلون، يهتفون، ويرفعون الأعلام، ويتقاسمون فرحة جماعية نابعة من شعب محبّ للحياة، المشهد عبارة عن لوحة فنية مزينة بألوان الفرح تُؤكّد أنَّ هذا الشعب يعشق الانتصارات، ويؤمن بأنَّ النجاح ممكن حين تتوفر الإرادة والتخطيط.
لكن وسط هذه الأفراح المشروعة، يحق لنا أن نطرح سؤالًا مؤلمًا: لماذا نستطيع أن نصل إلى العالمية في كرة القدم، بينما ما زالت آلاف الأسر تصارع يوميًا من أجل موعد طبي، أو مقعد دراسي لائق، وتعليم يضمن لأبنائها مستقبلًا أفضل؟
لقد أثبتت التجربة الرياضية المغربية أنَّ النجاح ليس معجزةً، لم يأتِ مصادفة، ولم ينزل من السماء، بل جاء نتيجة استثمار طويل الأمد، وتخطيط واضح، وبنيات تحتية، وتأطير، وخطة عمل، وأهداف محددة. فهل تختلف قواعد النجاح حين يتعلق الأمر بالصحة والتعليم؟
ففي المستشفيات، ما زال المواطن البسيط يُواجه طوابير الانتظار، ونقص الموارد، وهاجس العلاج الذي أصبح «في كثير من الأحيان» معركةً يوميةً من أجل الكرامة؛ قبل أن يكون معركة من أجل الشفاء. وفي الوقت الذي نحتفل فيه بلياقة لاعبينا ورعايتهم الصحية الدقيقة، يظلّ السؤال قائمًا: ألّا يستحق المواطن العادي القدر نفسه من العناية والاهتمام؟
أما التعليم، فهو الواجهة والمرآة الحقيقية لأيّ مشروع تنموي. فالمنتخب الذي يرفع راية الوطن اليوم هو نفسه نتاج مدارس ومدربين ومؤسسات تكوين آمنت بالمستقبل. غير أنَّ واقع المدرسة العمومية ما زال يكشف عن اختلالات عميقة تجعل كثيرًا من الأسر تفقد الثقة في قدرتها على صناعة الأمل.
كيف يمكن أن نحلم بمغرب قوي ومنافس عالميًا، بينما لا تزال بعض المدارس تفتقر إلى أبسط شروط الجودة؟ وكيف يمكن أن نتحدّث عن التنمية، ونحن نرى شبابًا يحملون الشهادات لكنهم يجدون أبوابَ الشغل موصدةً في وجوههم؟ والآلاف يغامرون بأرواحهم في قوارب الموت إلى مصير مجهول.
فالمغاربة لا يطالبون بالمستحيل، إنّهم يطالبون فقط بأن تنتقل روح الإنجاز، التي نراها في الملاعب إلى المؤسسات. يطالبون بأن يصبحَ النجاح في الصحة والتعليم أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أيّ لقب رياضي أو إنجاز كروي.
لقد علمتنا كرة القدم درسًا بليغًا: حين تتوفّر الرؤية والجرأة والكفاءة، تتحوَّل الأحلام إلى واقع. أمّا حين تغيب المحاسبة وتضيع الأولويات، فإنَّ الهزيمة تصبح قدرًا يوميًّا يدفع ثمنه المواطن البسيط.
نفرح للكرة «ومن حقنا أن نفرح» لكن من حقنا أيضًا أن نحلم بمستشفيات تُداوي بكرامة، ومدارس تُعلّم بجودة، وجامعات تُنتج المعرفة، ومؤسسات تجعل المواطن يشعر أنَّ الوطن ينتصر له كما ينتصر في الملاعب.
فالانتصار الحقيقي ليس ذلك الذي يُسجَّل في شباك الخصم، بل ذلك الذي يُسجَّل في حياة الناس.

بقـلم: سميرة لكلاك


