تواصل معنا

مجتمع

معالم غلاء المواد الغذائية بدأت تظهر مع اقتراب الصيف.. هل أصبحت «قُفة» ساكنة طنجة وتطوان في خطر بسبب السياحة؟

الأرقــــــام‭ ‬الرسمية‭ ‬أكـــــدت‭ ‬ارتـفـــاع‭ ‬أسعار‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬واللحـــوم‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬العطلة

للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬يبدو‭ ‬النشاط‭ ‬السياحي‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬مدن‭ ‬شمال‭ ‬المملكة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مدينتي‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان‭ ‬والمناطق‭ ‬المجاورة‭ ‬لهما،‭ ‬نعمة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬خاصةً‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بخِدْمات‭ ‬الفندقة‭ ‬والمطاعم‭ ‬ومختلف‭ ‬الخِدْمات‭.‬

لكنَّ‭ ‬مراقبة‭ ‬مسار‭ ‬الأمور‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإغلاق،‭ ‬الذي‭ ‬فرضته‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬قبل‭ ‬6‭ ‬سنوات،‭ ‬تُؤكّد‭ ‬أنَّ‭ ‬سكان‭ ‬المدينتين‭ ‬يعانون‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬النشاط‭ ‬السياحي‭ ‬صيفًا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب،‭ ‬ما‭ ‬يُهدّد‭ ‬استقرار‭ ‬‮«‬قفة‮»‬‭ ‬المواطنين‭.‬

*طنجة‭.. ‬غلاء‭ ‬متكرر‭ ‬كل‭ ‬سنة

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬سنة،‭ ‬يعود‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬بشأن‭ ‬موجات‭ ‬الغلاء‭ ‬التي‭ ‬تطال‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الموادّ‭ ‬والخِدْمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬أصبحت‭ ‬ترتبط‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬المحلية‭ ‬ببداية‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي،‭ ‬وما‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وتزايد‭ ‬النشاط‭ ‬السياحي‭ ‬والتجاري‭.‬

هذا‭ ‬المسار‭ ‬التصاعدي‭ ‬تثبته‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية،‭ ‬إذ‭ ‬رغم‭ ‬أنَّ‭ ‬المعطيات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط‭ ‬في‭ ‬مذكرتها‭ ‬الأخيرة‭ ‬أظهرت‭ ‬تراجعًا‭ ‬شهريًّا‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬السنوية‭ ‬تكشف‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬على‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية،‭ ‬التي‭ ‬تُشكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬اليومي‭ ‬للأسر‭.‬

وسجَّل‭ ‬الرقم‭ ‬الاستدلالي‭ ‬للأثمان‭ ‬عند‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬0,2%‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أبريل؛‭ ‬مُقارنةً‭ ‬بشهر‭ ‬مارس،‭ ‬فيما‭ ‬بلغ‭ ‬الارتفاع‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي‭ ‬1,8%،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬المنحى‭ ‬التصاعدي‭ ‬للأسعار،‭ ‬ولو‭ ‬بوتيرة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬بعض‭ ‬الفترات‭ ‬السابقة‭.‬

يأتي‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تستعد‭ ‬فيه‭ ‬المدينة‭ ‬لاستقبال‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي،‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬عادة‭ ‬توافد‭ ‬أعدادٍ‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الزوار‭ ‬والسيّاح‭ ‬والمغاربة‭ ‬المقيمين‭ ‬بالخارج،‭ ‬ما‭ ‬يُؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الموادّ‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وقعه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ملحوظًا‭ ‬السنة‭ ‬الماضية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمواد‭ ‬الغذائية‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬المؤشر‭ ‬الشهري‭ ‬للمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬سجل‭ ‬انخفاضًا‭ ‬بنسبة‭ ‬1%‭ ‬خلال‭ ‬أبريل،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عامًا‭ ‬وشاملًا‭ ‬لجميع‭ ‬المنتجات،‭ ‬بل‭ ‬ارتبط‭ ‬أساسًا‭ ‬بانخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬الموادّ،‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة،‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية،‭ ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬أسعار‭ ‬السمك‭ ‬وفواكه‭ ‬البحر‭ ‬بنسبة‭ ‬11,3%‭ ‬مقارنة‭ ‬بشهر‭ ‬مارس،‭ ‬كما‭ ‬انخفضت‭ ‬أسعار‭ ‬الزيوت‭ ‬والدهون‭ ‬بنسبة‭ ‬4,1%،‭ ‬والحليب‭ ‬والجبن‭ ‬والبيض‭ ‬بنسبة‭ ‬3,6%،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬القهوة‭ ‬والشاي‭ ‬والكاكاو‭ ‬بنسبة‭ ‬1,7%‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬قراءة‭ ‬المعطيات‭ ‬السنوية‭ ‬تكشف‭ ‬صورةً‭ ‬مختلفة‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬واصل‭ ‬تسجيل‭ ‬زيادات‭ ‬ملحوظة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضية،‭ ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬السمك‭ ‬وفواكه‭ ‬البحر‭ ‬بنسبة‭ ‬10%،‭ ‬والخضر‭ ‬بنسبة‭ ‬6,9%،‭ ‬والقهوة‭ ‬والشاي‭ ‬والكاكاو‭ ‬بنسبة‭ ‬4,7%،‭ ‬والتبغ‭ ‬بنسبة‭ ‬4%،‭ ‬واللحوم‭ ‬بنسبة‭ ‬3,6%،‭ ‬فيما‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الفواكه‭ ‬بنسبة‭ ‬1%،‭ ‬والخبز‭ ‬والحبوب‭ ‬والمياه‭ ‬المعدنية‭ ‬والمشروبات‭ ‬المنعشة‭ ‬وعصائر‭ ‬الفواكه‭ ‬والخضر‭ ‬بنسبة‭ ‬0,9%‭.‬

وتكتسي‭ ‬هذه‭ ‬الزيادات‭ ‬أهميةً‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الموادّ‭ ‬تدخل‭ ‬ضمن‭ ‬الاستهلاك‭ ‬اليومي‭ ‬للأسر،‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬الذي‭ ‬يرتفع‭ ‬فيه‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬والمشروبات‭ ‬والمنتجات‭ ‬البحرية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬اللحوم‭ ‬والقهوة‭ ‬والشاي‭ ‬والحبوب‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬الأسر‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحدود،‭ ‬التي‭ ‬تخصص‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬مداخيلها‭ ‬لتغطية‭ ‬الحاجيات‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية،‭ ‬وكلها‭ ‬موادّ‭ ‬ذات‭ ‬حضور‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬الغذائية‭ ‬للطنجاويين‭ ‬صيفًا‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التراجع‭ ‬الذي‭ ‬سجلته‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافيًا‭ ‬للتأثير‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الإحساس‭ ‬العام‭ ‬بارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة،‭ ‬فبالرغم‭ ‬من‭ ‬الانخفاض‭ ‬السنوي‭ ‬المُهمّ‭ ‬لأسعار‭ ‬الزيوت‭ ‬والدهون‭ ‬بنسبة‭ ‬21,2%،‭ ‬وتراجع‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬الأخرى‭ ‬بنسب‭ ‬محدودة،‭ ‬فإنّ‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الخضر‭ ‬واللحوم‭ ‬والمنتجات‭ ‬البحرية‭ ‬جعل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المستهلكين‭ ‬يشعرون‭ ‬بأنَّ‭ ‬تكاليف‭ ‬التسوق‭ ‬اليومي،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مرتفعةً‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭.‬

وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬ذروة‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي،‭ ‬حيث‭ ‬تشهد‭ ‬طنجة‭ ‬عادة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬بسبب‭ ‬تضاعف‭ ‬عدد‭ ‬المستهلكين‭ ‬داخل‭ ‬المدينة،‭ ‬فخلال‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭ ‬تتحوّل‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬استقطابًا‭ ‬للزوّار،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المملكة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الجالية‭ ‬المغربية‭ ‬المقيمة‭ ‬بالخارج‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬السياح‭ ‬الأجانب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬ضغطًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭.‬

ويؤكد‭ ‬متتبعون‭ ‬للشأن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أنَّ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬آلية،‭ ‬لكنها‭ ‬ترتبط‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬بقانون‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬فعندما‭ ‬يرتفع‭ ‬الطلب‭ ‬سريعًا‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات،‭ ‬خاصّةً‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬والأسماك‭ ‬واللحوم،‭ ‬تصبح‭ ‬الأسواق‭ ‬أكثر‭ ‬عرضةً‭ ‬للتقلبات‭ ‬السعرية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬تزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬التوزيع‭ ‬أو‭ ‬الإنتاج‭.‬

وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬بعض‭ ‬تكاليف‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنقل،‭ ‬فالمعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬قسم‭ ‬النقل‭ ‬سجل‭ ‬زيادة‭ ‬شهرية‭ ‬بلغت‭ ‬6,1%‭ ‬خلال‭ ‬أبريل،‭ ‬وهي‭ ‬نسبة‭ ‬مهمّة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬تأثيرها‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬تكلفة‭ ‬نقل‭ ‬السلع‭ ‬والمنتجات‭ ‬نحو‭ ‬الأسواق،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المطاعم‭ ‬والفنادق‭ ‬بنسبة‭ ‬0,9%‭ ‬يعكس‭ ‬بدوره‭ ‬بداية‭ ‬التحرُّك‭ ‬الموسمي‭ ‬الذي‭ ‬يسبق‭ ‬فترة‭ ‬الذروة‭ ‬السياحية‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تحافظ‭ ‬فيه‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬جاذبيتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياحية،‭ ‬تجد‭ ‬الأسر‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تحدّي‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬المعيشة‭ ‬اليومية‭ ‬والارتفاع‭ ‬التدريجي‭ ‬للأسعار،‭ ‬فحتى‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬نسب‭ ‬التضخم‭ ‬المسجلة‭ ‬رسميًّا‭ ‬محدودة‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬فإن‭ ‬تأثيرها‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأسر،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬دخلٍ‭ ‬ثابتٍ،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بموادّ‭ ‬استهلاكية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها‭.‬

وتؤكد‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أنَّ‭ ‬ملف‭ ‬الأسعار‭ ‬سيظلُّ‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القضايا‭ ‬المطروحة‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬وبينما‭ ‬تعكس‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬التراجعات‭ ‬الظرفية‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية،‭ ‬فإن‭ ‬الاتِّجاه‭ ‬العام‭ ‬يظهر‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬الأساسية،‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للاستهلاك‭ ‬اليومي‭ ‬للأسر‭ ‬الطنجاوية‭. ‬وبذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬عودة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الغلاء‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬الصيف‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬انطباع‭ ‬اجتماعي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬واقعية‭ ‬تكشف‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬الماضية‭.‬

وبين‭ ‬تحسن‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات‭ ‬وتواصل‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬أخرى،‭ ‬تبقى‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يقيس‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬التحوُّلات‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تستعد‭ ‬كلّ‭ ‬سنة‭ ‬لاستقبال‭ ‬موسم‭ ‬صيفي‭ ‬حافل‭ ‬بالحركة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لكنَّه‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬أيضًا‭ ‬مخاوفَ‭ ‬متجدّدة‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭.‬

*تطوان‭.. ‬ضريبة‭ ‬النشاط‭ ‬السياحي

وتعود‭ ‬قضية‭ ‬غلاء‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬بمدينة‭ ‬تطوان‭ ‬أيضًا،‭ ‬كلما‭ ‬اقترب‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬المنطقة،‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬السنة،‭ ‬حيث‭ ‬تتحوَّل‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬عبور‭ ‬واستقرار‭ ‬لعشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المصطافين‭ ‬والزوّار‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب،‭ ‬ومن‭ ‬الجالية‭ ‬المغربية‭ ‬المقيمة‭ ‬بالخارج‭. ‬

وبينما‭ ‬تستفيد‭ ‬المنطقة‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬من‭ ‬الحركية‭ ‬السياحية،‭ ‬التي‭ ‬تميّز‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف؛‭ ‬نظرًا‭ ‬لارتباطها‭ ‬بعديد‭ ‬من‭ ‬الوجهات‭ ‬السياحية‭ ‬الساحلية،‭ ‬يظلّ‭ ‬هاجس‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الموادّ‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬خاصّةً‭ ‬الغذائية‭ ‬منها،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الانشغالات‭ ‬التي‭ ‬تؤرق‭ ‬الأسر‭ ‬المحلية‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬موسم‭.‬

وتؤكد‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬المديرية‭ ‬الجهوية‭ ‬للمندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط‭ ‬بجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬أنَّ‭ ‬الرقم‭ ‬الاستدلالي‭ ‬للأثمان‭ ‬عند‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بمدينة‭ ‬تطوان‭ ‬سجَّل‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬0,9%‭ ‬مقارنة‭ ‬بشهر‭ ‬مارس،‭ ‬فيما‭ ‬بلغ‭ ‬الارتفاع‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي‭ ‬3%،‭ ‬وهي‭ ‬نسبة‭ ‬تفوق‭ ‬تلك‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الأخرى‭ ‬بالجهة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬التي‭ ‬تطال‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر‭.‬

ويكتسي‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬لتطوان‭ ‬ودورها‭ ‬المحوري‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬السياحية‭ ‬لشمال‭ ‬المغرب،‭ ‬فالمدينة‭ ‬لا‭ ‬تستقطب‭ ‬الزوّار‭ ‬بفضل‭ ‬مؤهلاتها‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تُشكّل‭ ‬أيضًا‭ ‬البوابة‭ ‬الرئيسية‭ ‬نحو‭ ‬أبرز‭ ‬الوجهات‭ ‬الشاطئية‭ ‬بالمملكة،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬مرتيل‭ ‬والمضيق‭ ‬وكابو‭ ‬نيغرو‭ ‬وواد‭ ‬لو،‭ ‬وهي‭ ‬مناطق‭ ‬تعرف‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬توافدًا‭ ‬كثيفًا‭ ‬للمصطافين،‭ ‬ما‭ ‬يُؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الموادّ‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والخِدْمات‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية،‭ ‬أظهرت‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية‭ ‬ارتفاع‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعارها‭ ‬بنسبة‭ ‬0,1%‭ ‬خلال‭ ‬أبريل،‭ ‬مُقارنةً‭ ‬بالشهر‭ ‬السابق،‭ ‬ورغم‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬تبدو‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الإحصائية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬تفاصيل‭ ‬المؤشر‭ ‬تكشف‭ ‬ارتفاعات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬الأساسية،‭ ‬التي‭ ‬تُشكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬اليومي‭ ‬للأسر‭.‬

فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الفواكه‭ ‬بنسبة‭ ‬12,2%‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬كما‭ ‬زادت‭ ‬أسعار‭ ‬اللحوم‭ ‬بنسبة‭ ‬3,4%،‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬غير‭ ‬المصنّفة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬بنسبة‭ ‬2,8%،‭ ‬فيما‭ ‬سجَّلت‭ ‬المياه‭ ‬المعدنية‭ ‬والمشروبات‭ ‬المنعشة‭ ‬وعصائر‭ ‬الفواكه‭ ‬والخضر‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬1,4%،‭ ‬وتكتسي‭ ‬هذه‭ ‬الزيادات‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة؛‭ ‬لأنَّها‭ ‬تشمل‭ ‬موادَّ‭ ‬يزداد‭ ‬الإقبال‭ ‬عليها‭ ‬عادة‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭ ‬أو‭ ‬الزوار‭.‬

وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬عند‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المقارنة‭ ‬السنوية،‭ ‬حيث‭ ‬سجَّلت‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬2,4%،‭ ‬مُقارنةً‭ ‬بشهر‭ ‬أبريل‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضية،‭ ‬وتظهر‭ ‬البيانات‭ ‬أنَّ‭ ‬الفواكه‭ ‬تصدَّرت‭ ‬قائمة‭ ‬الموادّ‭ ‬الأكثر‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬بلغت‭ ‬13,5%،‭ ‬تليها‭ ‬اللحوم‭ ‬بنسبة‭ ‬13%،‭ ‬ثم‭ ‬الخضر‭ ‬بنسبة‭ ‬8,8%،‭ ‬والأسماك‭ ‬وفواكه‭ ‬البحر‭ ‬بنسبة‭ ‬5,7%،‭ ‬ما‭ ‬يذكر‭ ‬بما‭ ‬عاشته‭ ‬متاجرَ‭ ‬وأسواق‭ ‬المدينة‭ ‬خلال‭ ‬المواسم‭ ‬الماضية‭.‬

وتعني‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬أن‭ ‬غالبية‭ ‬المنتجات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الأسر‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬كلفةً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬الماضية،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أنّها‭ ‬تمثل‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬لأي‭ ‬سلة‭ ‬غذائية‭ ‬منزلية،‭ ‬فالخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬واللحوم‭ ‬والأسماك‭ ‬تُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المواد‭ ‬استهلاكًا‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬المنازل‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬والمقاهي‭ ‬والمنشآت‭ ‬السياحية‭ ‬المنتشرة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الساحل‭ ‬الممتد‭ ‬على‭ ‬الوجهة‭ ‬المتوسطية‭.‬

ويُعدُّ‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الانعكاسات‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬للانتعاش‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الموسمي‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬المنطقة‭. ‬فمع‭ ‬بداية‭ ‬الصيف‭ ‬يرتفع‭ ‬عدد‭ ‬المستهلكين‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬داخل‭ ‬مدينة‭ ‬تطوان،‭ ‬وإنَّما‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬الساحلية‭ ‬بالشمال،‭ ‬وتتحوَّل‭ ‬الأسواق‭ ‬ومحلات‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬تستقبل‭ ‬طلبًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المنتجات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬ضغوط‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والتوزيع‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬وحدها،‭ ‬إذ‭ ‬تكشف‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬عن‭ ‬ارتفاعات‭ ‬مهمّة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬مباشرةً‭ ‬بالنشاط‭ ‬السياحي،‭ ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬النقل‭ ‬بنسبة‭ ‬10,5%‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬مُقارنة‭ ‬بمارس،‭ ‬كما‭ ‬سجلت‭ ‬المطاعم‭ ‬والفنادق‭ ‬زيادة‭ ‬بلغت‭ ‬5,9%،‭ ‬وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬بداية‭ ‬التحركات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاستعداد‭ ‬للموسم‭ ‬الصيفي،‭ ‬حيث‭ ‬يرتفع‭ ‬الطلب‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬على‭ ‬خِدْمات‭ ‬التنقل‭ ‬والإيواء‭ ‬والإطعام‭.‬

ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬مدينة‭ ‬تطوان‭ ‬تشكل‭ ‬نقطة‭ ‬ارتكاز‭ ‬أساسية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للزوّار‭ ‬المتوجهين‭ ‬إلى‭ ‬الشريط‭ ‬الساحلي‭ ‬المتوسطي،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬المصطافين‭ ‬يفضلون‭ ‬الإقامة‭ ‬بالمدينة‭ ‬أو‭ ‬التزوّد‭ ‬منها‭ ‬بمختلف‭ ‬الحاجيات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬قبل‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬الشواطئ‭ ‬المجاورة،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬قربها‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬وشفشاون‭ ‬ونسبيا‭ ‬الحسيمة،‭ ‬يجعلها‭ ‬تستفيد‭ ‬مباشرةً‭ ‬من‭ ‬الحركية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياحية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الانتعاش‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬دائمًا‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬المحلية،‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ارتفاع‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة،‭ ‬فبالنسبة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬أو‭ ‬المتوسط،‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بالأرقام‭ ‬المجردة،‭ ‬وإنَّما‭ ‬بقدرتها‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬وتغطية‭ ‬المصاريف‭ ‬اليومية‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الموادّ‭ ‬سجلت‭ ‬انخفاضات‭ ‬مهمة،‭ ‬مثل‭ ‬الزيوت‭ ‬والدهنيات‭ ‬التي‭ ‬تراجعت‭ ‬أسعارها‭ ‬بنسبة‭ ‬23,6%‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي،‭ ‬والحليب‭ ‬والجبن‭ ‬والبيض‭ ‬بنسبة‭ ‬2,6%،‭ ‬فإنَّ‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬التراجعات‭ ‬ظل‭ ‬محدودًا‭ ‬أمام‭ ‬الارتفاعات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬مسَّت‭ ‬منتجاتٍ‭ ‬واسعةً‭ ‬الاستهلاك‭ ‬مثل‭ ‬اللحوم‭ ‬والخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬والأسماك‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النقل‭ ‬ينعكس‭ ‬بدوره‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬عديدٍ‭ ‬من‭ ‬السلع،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكاليف‭ ‬نقل‭ ‬البضائع‭ ‬أو‭ ‬تنقل‭ ‬المستهلكين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تعتمد‭ ‬اعتمادًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬الساحلية‭ ‬المجاورة‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي‭.‬

وتشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬ملف‭ ‬الأسعار‭ ‬سيظلّ‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقوة‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬فترة‭ ‬الذروة‭ ‬السياحية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬المنطقة‭ ‬عادة‭ ‬خلال‭ ‬شهري‭ ‬يوليوز‭ ‬وغشت،‭ ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬الوافدين‭ ‬على‭ ‬المدن‭ ‬الساحلية‭ ‬المجاورة،‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والخدمات‭ ‬المختلفة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬تجاه‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسعار‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬تطوان‭ ‬في‭ ‬موقعٍ‭ ‬خاصٍّ‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬ميزتين‭ ‬متناقضتين،‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬تستفيد‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يوفرها‭ ‬النشاط‭ ‬السياحي‭ ‬الصيفي،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تُواجه‭ ‬الأسر‭ ‬المحلية‭ ‬تحدِّيات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬وتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬المعطيين،‭ ‬تبقى‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأسعار‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬صيفي‭.‬

وتُؤكّد‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية،‭ ‬أنَّ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الغلاء‭ ‬في‭ ‬تطوان‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالانطباعات‭ ‬أو‭ ‬التصورات‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬يجد‭ ‬أساسه‭ ‬في‭ ‬معطيات‭ ‬ملموسة‭ ‬تظهر‭ ‬ارتفاعَ‭ ‬أسعار‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬الماضية‭.‬

ومع‭ ‬استمرار‭ ‬استعداد‭ ‬المنطقة‭ ‬لاستقبال‭ ‬ملايين‭ ‬الزوار،‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة،‭ ‬يظلّ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬تنشيط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياحي‭ ‬وحماية‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر‭ ‬المحلّيَّة،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التحدِّيات‭ ‬المطروحة‭ ‬أمام‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي‭ ‬الحالي‭.‬

تابعنا على الفيسبوك