تواصل معنا

إقتصاد

الأمطار الغزيرة والعواصف العاتية تقطع الصلة بين موانئ المغرب وإسبانيا.. فهل يكون الربط القاري بين طنجة والأندلس الحل السحري؟

الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬توقفت‭ ‬والعمليات‭ ‬التجارية‭ ‬تضرّرت‭.. ‬والمستقبل‭ ‬لربط‭ ‬سككي‭ ‬تحت‭ ‬سطح‭ ‬البحر

شهد‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬خلال‭ ‬شتاء‭ ‬2026،‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفترات‭ ‬اضطرابًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬بين‭ ‬الضفتين‭ ‬المغربية‭ ‬والإسبانية،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مناخي‭ ‬استثنائي‭ ‬اتَّسم‭ ‬بتوالي‭ ‬المنخفضات‭ ‬الجوية‭ ‬القوية،‭ ‬واستمرار‭ ‬سوء‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية‭ ‬لأسابيع‭ ‬متتالية،‭ ‬مما‭ ‬فرض‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القطيعة‭ ‬بين‭ ‬المتوسط‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬موانئ‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا‭.‬

هذه‭ ‬الاضطرابات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أحداثًا‭ ‬معزولةً‭ ‬أو‭ ‬ظرفيةً،‭ ‬بل‭ ‬شكلت‭ ‬امتدادًا‭ ‬لحالة‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬مناخي‭ ‬شملت‭ ‬شمال‭ ‬المغرب،‭ ‬خاصة‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬وإقليم‭ ‬الأندلس‭ ‬جنوب‭ ‬إسبانيا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬إعصار‭ ‬‮«‬ليوناردو‮»‬‭ ‬الهائج،‭ ‬وهي‭ ‬وضعية‭ ‬ألقت‭ ‬بظلالها‭ ‬الثقيلة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الأشخاص‭ ‬والبضائع‭ ‬وعلى‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬وفرضت‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬الربط‭ ‬القاري‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬خارج‭ ‬النطاق‭ ‬التقليدي‭.‬

حركة‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬شلل

في‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬أعلنت‭ ‬سلطات‭ ‬ميناء‭ ‬خليج‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬مجددًا‭ ‬تعليق‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬بين‭ ‬مينائي‭ ‬طريفة‭ ‬وطنجة،‭ ‬بسبب‭ ‬تدهور‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬القرار‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬المنطقة‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬اضطرابات‭ ‬مناخية‭ ‬متواصلة،‭ ‬تميّزت‭ ‬برياح‭ ‬قوية‭ ‬وعلو‭ ‬في‭ ‬الأمواج،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الرحلات‭ ‬بين‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬وشمال‭ ‬المغرب‭ ‬استمرّت‭ ‬جزئيًّا،‭ ‬فإن‭ ‬ظروف‭ ‬الإبحار‭ ‬الصعبة‭ ‬فرضت‭ ‬قيودًا‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬الحركة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنقل‭ ‬الشاحنات‭.‬

وفي‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء،‭ ‬واصلت‭ ‬هيئة‭ ‬ميناء‭ ‬خليج‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬الشاحنات‭ ‬المتجهة‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬مع‭ ‬السماح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬بالمرور‭ ‬نحو‭ ‬محطات‭ ‬الحاويات،‭ ‬هذا‭ ‬التدبير‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الضغط‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المينائية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراكم‭ ‬آلاف‭ ‬الشاحنات‭ ‬وانتظارها‭ ‬الطويل‭ ‬داخل‭ ‬فضاءات‭ ‬الميناء‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬الداخلية‭. ‬وقد‭ ‬وصف‭ ‬رئيس‭ ‬هيئة‭ ‬الميناء،‭ ‬خيراردو‭ ‬لاندالوثي،‭ ‬الوضع‭ ‬آنذاك‭ ‬بأنه‭ ‬ظروف‭ ‬استثنائية‭ ‬للغاية،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬الطابع‭ ‬غير‭ ‬المألوف‭ ‬لاستمرار‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الجوية‭ ‬وتأثيرها‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬المينائي‭ ‬بالمضيق‭.‬

وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬الاستئناف‭ ‬الجزئي‭ ‬لحركة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬السابق،‭ ‬وحتّى‭ ‬يوم‭ ‬الأحد،‭ ‬صعدت‭ ‬قرابة‭ ‬3000‭ ‬شاحنةٍ‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬السفن‭ ‬المتوجهة‭ ‬إلى‭ ‬طنجة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عددٍ‭ ‬مماثلٍ‭ ‬في‭ ‬الاتِّجاه‭ ‬المعاكس،‭ ‬بينما‭ ‬ولجت‭ ‬نحو‭ ‬2000‭ ‬وحدة‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬الحاويات،‭ ‬وفق‭ ‬معطيات‭ ‬رسمية،‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬تظلّ‭ ‬دون‭ ‬المعدلات‭ ‬العادية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الاختناق‭ ‬اللوجستي‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭.‬

وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬بأيام،‭ ‬تحديدًا‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬كانت‭ ‬سلطات‭ ‬ميناء‭ ‬خليج‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬قد‭ ‬أعلنت‭ ‬تعليق‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬بين‭ ‬الموانئ‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬وطريفة‭ ‬وميناء‭ ‬طنجة‭ – ‬المدينة،‭ ‬بسبب‭ ‬سوء‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬المنخفض‭ ‬الجوي‭ ‬كريستين،‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬منطقة‭ ‬المضيق،‭ ‬وقد‭ ‬أُلغيت‭ ‬جميع‭ ‬الرحلات‭ ‬المبرمجة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬طنجة،‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬استمرّ‭ ‬بالنسبة‭ ‬لميناء‭ ‬طريفة‭ ‬لمدة‭ ‬ثمانية‭ ‬أيام‭ ‬متتالية،‭ ‬نتيجة‭ ‬استمرار‭ ‬سوء‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية‭.‬

في‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬شهد‭ ‬ميناء‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬اضطرابًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬نقل‭ ‬البضائع،‭ ‬حيث‭ ‬ظلّ‭ ‬ولوج‭ ‬الشاحنات‭ ‬مغلقًا‭ ‬بسبب‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الوقوف،‭ ‬ووجد‭ ‬نحو‭ ‬2800‭ ‬شاحنة‭ ‬نفسها‭ ‬متوقفة‭ ‬داخل‭ ‬الميناء،‭ ‬تشغل‭ ‬مواقف‭ ‬السيارات‭ ‬المخصصة‭ ‬والمسار‭ ‬الأيمن‭ ‬للطرق‭ ‬الداخلية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬يعكس‭ ‬هشاشة‭ ‬التدفقات‭ ‬اللوجستية‭ ‬أمام‭ ‬العوامل‭ ‬المناخية،‭ ‬كما‭ ‬أدَّت‭ ‬الرياح‭ ‬القوية‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأمواج‭ ‬إلى‭ ‬شلل‭ ‬نشاط‭ ‬محطات‭ ‬الحاويات،‭ ‬ما‭ ‬ضاعف‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر‭ ‬الاقتصادية‭.‬

هذه‭ ‬التطورات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصلها‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬المناخي‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬ميَّز‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬وجنوب‭ ‬إسبانيا‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬فقد‭ ‬عرفت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬وإقليم‭ ‬الأندلس‭ ‬تساقطات‭ ‬مطرية‭ ‬كثيفة‭ ‬وغير‭ ‬معتادة‭ ‬امتدّت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬شهرين‭ ‬متتاليين،‭ ‬مصحوبة‭ ‬برياح‭ ‬عاتية‭ ‬واضطرابات‭ ‬بحرية‭.‬

وفي‭ ‬طنجة،‭ ‬وصلت‭ ‬التساقطات‭ ‬المطرية‭ ‬المتوقّعة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬2‭ ‬و4‭ ‬فبراير‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬150‭ ‬ميليمترًا،‭ ‬حسب‭ ‬مديرية‭ ‬الأرصاد‭ ‬الجوية،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬سوء‭ ‬الحالة‭ ‬الجوية‭ ‬ويؤكد‭ ‬الطابع‭ ‬الاستثنائي‭ ‬للموسم‭ ‬الشتوي‭ ‬الحالي،‭ ‬وهذه‭ ‬الأمطار‭ ‬الغزيرة،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تعزيز‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬وإنجاح‭ ‬الموسم‭ ‬الفلاحي،‭ ‬فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تعقيد‭ ‬الوضع‭ ‬اللوجستي،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬الموانئ‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الشبكات‭ ‬الطرقية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.‬

وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬مناخية‭ ‬دولية‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬حوض‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬يُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬تأثرًا‭ ‬بالتغيرات‭ ‬المناخية،‭ ‬حيث‭ ‬يتوقع‭ ‬تزايد‭ ‬وتيرة‭ ‬الظواهر‭ ‬الجوية‭ ‬القصوى،‭ ‬من‭ ‬عواصف‭ ‬ورياح‭ ‬قوية‭ ‬وأمطار‭ ‬غزيرة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬شهده‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬خلال‭ ‬شتاء‭ ‬2026،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬استثناء‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬تحوّلات‭ ‬أعمق‭ ‬قد‭ ‬تتكرّر‭ ‬بوتيرة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬تحديات‭ ‬استراتيجية‭ ‬حقيقية‭ ‬أمام‭ ‬أنماط‭ ‬النقل‭ ‬التقليدية‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬العبور‭ ‬البحري‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬يصبح‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬بدائل‭ ‬مستقبلية‭ ‬أكثر‭ ‬صلابةً‭ ‬وأقل‭ ‬تأثرًا‭ ‬بالتقلبات‭ ‬المناخية‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬نظري،‭ ‬ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المينائية‭ ‬وتحسين‭ ‬آليات‭ ‬التنسيق‭ ‬والتدبير،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬المسؤولون‭ ‬المينائيون،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحلول‭ ‬الظرفية‭ ‬تظلّ‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬لمواجهة‭ ‬اختناقات‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬والتكرار‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬القاري‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬نفق‭ ‬تحت‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬أو‭ ‬صيغة‭ ‬تقنية‭ ‬مماثلة،‭ ‬كأحد‭ ‬أكثر‭ ‬البدائل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬قابلية‭ ‬للنقاش‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬خلت،‭ ‬يكتسي‭ ‬اليوم‭ ‬بُعدًا‭ ‬جديدًا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬التحوُّلات‭ ‬المناخية‭ ‬والرهانات‭ ‬اللوجستية‭ ‬المتزايدة‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا‭.‬

فالربط‭ ‬القاري‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُوفّر‭ ‬ممرًا‭ ‬آمنًا‭ ‬ومستقرًّا‭ ‬لنقل‭ ‬الأشخاص‭ ‬والبضائع،‭ ‬غير‭ ‬خاضع‭ ‬لاضطرابات‭ ‬الأمواج‭ ‬والرياح،‭ ‬وقادرا‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬التدفقات‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬الظروف‭ ‬الجوية‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬رافعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى،‭ ‬تُعزّز‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الضفتين،‭ ‬وتدعم‭ ‬مكانة‭ ‬المغرب‭ ‬كمحور‭ ‬لوجستي‭ ‬إفريقي‭ – ‬أوروبي،‭ ‬وتخفف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬الموانئ‭ ‬التي‭ ‬أظهرت‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة‭ ‬محدودية‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الأزمات‭ ‬المناخية‭ ‬المتكرّرة‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬شهده‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬خلال‭ ‬شتاء‭ ‬2026،‭ ‬بما‭ ‬حمله‭ ‬من‭ ‬تعطيل‭ ‬للملاحة‭ ‬وتكدس‭ ‬للشاحنات‭ ‬وخسائر‭ ‬اقتصادية،‭ ‬يمثل‭ ‬إنذارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬بضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬الربط‭ ‬الحالية،‭ ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬التغيّرات‭ ‬المناخية‭ ‬وتزايد‭ ‬حدتها،‭ ‬يصبح‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬حلول‭ ‬بنيوية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬القاري‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬خيارًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬التأجيل‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬ضمان‭ ‬أمن‭ ‬المبادلات‭ ‬بين‭ ‬القارتين‭ ‬واستدامتها‭.‬

مشـروع‭ ‬الربـط‭ ‬القـاري‭ ‬يـعـود‭ ‬إلـى‭ ‬الـــواجـهــة

ولم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬القاري‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا‭ ‬مجرد‭ ‬استعادة‭ ‬لأحد‭ ‬أقدم‭ ‬الأحلام‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط،‭ ‬بل‭ ‬بات،‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بتصور‭ ‬تقني‭ ‬ملموس‭ ‬وجدولة‭ ‬زمنية‭ ‬تُخرج‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬النيّات‭ ‬السياسية‭ ‬والدراسات‭ ‬النظرية‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬التخطيط‭ ‬العملي‭.‬

فالمعطيات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬دراسة‭ ‬تقنية‭ ‬أنجزتها‭ ‬شركة‭ ‬ألمانية‭ ‬متخصصة‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬بطلب‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسبانية،‭ ‬أعادت‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دولي‭ ‬وإقليمي‭ ‬يتَّسم‭ ‬بتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬اللوجستية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬المناخية،‭ ‬وتعاظم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بنى‭ ‬تحتية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

الدراسة،‭ ‬التي‭ ‬أعدتها‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬هيرنكنيخت‮»‬‭ ‬الألمانية،‭ ‬المعروفة‭ ‬عالميًّا‭ ‬بريادتها‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬آلات‭ ‬حفر‭ ‬الأنفاق‭ ‬الكبرى،‭ ‬خلصت‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬أساسية‭ ‬مفادها‭ ‬بأنَّ‭ ‬إنشاء‭ ‬نفق‭ ‬سككي‭ ‬يربط‭ ‬الضفتين‭ ‬تحت‭ ‬مياه‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬التقنية‭ ‬باستخدام‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬المتاحة‭ ‬حاليا‭.‬

ورغم‭ ‬إقرارها‭ ‬بحجم‭ ‬التحديات،‭ ‬سواء‭ ‬الجيولوجية‭ ‬أو‭ ‬المالية،‭ ‬فإنها‭ ‬اعتبرت‭ ‬أنَّ‭ ‬المشروع‭ ‬بلغ‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬النضج‭ ‬يسمح‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬أكثر‭ ‬تقدمًا،‭ ‬تبدأ‭ ‬بحفر‭ ‬مقطع‭ ‬تجريبي‭ ‬محدود‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬المضيق‭ ‬حساسية،‭ ‬بغرض‭ ‬اختبار‭ ‬طبيعة‭ ‬التربة‭ ‬وسلوكها‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬قبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬الأشغال‭ ‬الكبرى‭. ‬وتكتسي‭ ‬هذه‭ ‬الخلاصة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة؛‭ ‬لكونها‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬فيها‭ ‬نتائج‭ ‬رسمية،‭ ‬مسلمة‭ ‬للحكومة‭ ‬الإسبانية،‭ ‬تؤكد‭ ‬جدوى‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬هندسي‭ ‬خالص،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الطابع‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الرمزي‭ ‬الذي‭ ‬وسم‭ ‬النقاش‭ ‬حوله‭ ‬لعقود‭.‬

وقد‭ ‬سُلمت‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬للحكومة‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬مدريد‭ ‬إلى‭ ‬تكليف‭ ‬شركتها‭ ‬الاستشارية‭ ‬العمومية‭ ‬‮«‬إينيكو‮»‬‭ ‬بتحيين‭ ‬التصميم‭ ‬التقني‭ ‬للنفق،‭ ‬وإنجاز‭ ‬دراسات‭ ‬جيولوجية‭ ‬إضافية‭ ‬أكثر‭ ‬دقةً،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تُقدّم‭ ‬نسخة‭ ‬أولية‭ ‬محدثة‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬سنة‭ ‬2026‭.‬

وبحسب‭ ‬خارطة‭ ‬الطريق‭ ‬المعتمدة،‭ ‬من‭ ‬المرتقب‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬محطةً‭ ‬حاسمةً،‭ ‬إذ‭ ‬يُنتظر‭ ‬أن‭ ‬يُتخذ‭ ‬خلاله‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬النهائي‭ ‬بشأن‭ ‬إطلاق‭ ‬المشروع،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استكمال‭ ‬الدراسات‭ ‬التقنية‭ ‬وتوفر‭ ‬توافق‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬ومدريد‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬طابعًا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬هو‭ ‬اقترانها‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬بسيناريو‭ ‬زمني‭ ‬متكامل،‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬دخول‭ ‬النفق‭ ‬حيز‭ ‬الخدمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المراحل‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬ظلّ‭ ‬فيها‭ ‬المشروع‭ ‬حبيسَ‭ ‬الآفاق‭ ‬المفتوحة‭.‬

ووفق‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬التقديري،‭ ‬فإنَّ‭ ‬المصادقة‭ ‬الثنائية‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬انطلاق‭ ‬الأشغال‭ ‬الميدانية‭ ‬الأولى‭ ‬سنة‭ ‬2030،‭ ‬وهي‭ ‬السنة‭ ‬التي‭ ‬سيحتضن‭ ‬فيها‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البرتغال،‭ ‬نهائيات‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭. ‬ورغم‭ ‬الطابع‭ ‬الرمزي‭ ‬لهذا‭ ‬التزامن،‭ ‬فإن‭ ‬الأهم‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬فترة‭ ‬الإنجاز‭ ‬الرئيسية‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2035‭ ‬و2040،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬يحتاج،‭ ‬في‭ ‬مجموعه،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الأشغال‭ ‬المتواصلة‭ ‬قبل‭ ‬بلوغ‭ ‬مرحلته‭ ‬النهائية‭.‬

السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬عوض‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية

على‭ ‬المستوى‭ ‬الهندسي،‭ ‬يستند‭ ‬التصميم‭ ‬المقترح‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬نفق‭ ‬المانش‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وبريطانيا،‭ ‬مع‭ ‬تكييفه‭ ‬مع‭ ‬خصوصيات‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬ويتكون‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬نفقين‭ ‬متوازيين‭ ‬مخصصين‭ ‬للسكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬أحدهما‭ ‬لكل‭ ‬اتِّجاه،‭ ‬يربط‭ ‬بينهما‭ ‬نفق‭ ‬ثالث‭ ‬مركزي‭ ‬يُستخدم‭ ‬لأغراض‭ ‬الصيانة‭ ‬والإخلاء‭ ‬الاضطراري‭ ‬وضمان‭ ‬السلامة‭. ‬ويرجح‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬المسار‭ ‬بين‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬بونتا‭ ‬بالوما‮»‬‭ ‬بإقليم‭ ‬قادس‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬جنوب‭ ‬الأندلس،‭ ‬ومنطقة‭ ‬‮«‬كاب‭ ‬مالاباطا‮»‬‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬النفق‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الشبكات‭ ‬اللوجستية‭ ‬الحيوية‭ ‬للبلدين،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬تغيير‭ ‬وجه‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬وجنوب‭ ‬إسبانيا‭ ‬جذريًّا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬ومستدامة‭.‬

ويُقدّر‭ ‬الطول‭ ‬الإجمالي‭ ‬للنفق‭ ‬بنحو‭ ‬42‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬منها‭ ‬نحو‭ ‬28‭ ‬كيلومترًا‭ ‬تحت‭ ‬سطح‭ ‬البحر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قد‭ ‬يتجاوز‭ ‬العمق‭ ‬الأقصى‭ ‬470‭ ‬مترًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬نفق‭ ‬المانش،‭ ‬ولا‭ ‬تضاهيه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العمق‭ ‬سوى‭ ‬بعض‭ ‬الأنفاق‭ ‬السككية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الألب‭.‬

ومن‭ ‬المرتقب‭ ‬ألَّا‭ ‬يتجاوز‭ ‬زمن‭ ‬العبور‭ ‬30‭ ‬دقيقة‭ ‬بالقطار،‭ ‬مع‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المسافرين‭ ‬والبضائع‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬بفضل‭ ‬ارتباطه‭ ‬المباشر‭ ‬بشبكتي‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬ما‭ ‬سيخلق‭ ‬ممرًا‭ ‬قاريًّا‭ ‬فعّالًا‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا‭.‬

ويُمثّل‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬السككي‭ ‬خلاصة‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬البدائل‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬التخلي‭ ‬عنها‭ ‬تباعا‭. ‬ففي‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة،‭ ‬طُرح‭ ‬مشروع‭ ‬إنشاء‭ ‬جسر‭ ‬معلق‭ ‬فوق‭ ‬المضيق،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬عمق‭ ‬المياه،‭ ‬وشدة‭ ‬التيارات‭ ‬البحرية،‭ ‬والنشاط‭ ‬الزلزالي،‭ ‬وقوة‭ ‬الرياح،‭ ‬عوامل‭ ‬جعلت‭ ‬الفكرة‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬التقنية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬التخلّي‭ ‬لاحقًا‭ ‬عن‭ ‬مقترح‭ ‬نفق‭ ‬مختلط‭ ‬مخصص‭ ‬للقطارات‭ ‬والسيارات‭ ‬معًا؛‭ ‬بسبب‭ ‬التعقيدات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتهوية‭ ‬والسلامة‭ ‬وتدبير‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ،‭ ‬ليتم‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬سككي‭ ‬خالص‭ ‬يُعد‭ ‬أكثر‭ ‬أمانًا‭ ‬ونجاعةً‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التقدم،‭ ‬تظل‭ ‬التحدّيات‭ ‬الجيولوجية‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الإكراهات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المشروع،‭ ‬فمضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬يُعد‭ ‬منطقة‭ ‬نشطة‭ ‬تكتونيا،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬قناة‭ ‬المانش‭ ‬التي‭ ‬تتميّز‭ ‬باستقرار‭ ‬جيولوجي‭ ‬نسبي،‭ ‬وتُعدُّ‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬عتبة‭ ‬كامارينال‮»‬‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬تعقيدًا؛‭ ‬نظرا‭ ‬لقوة‭ ‬تبادل‭ ‬المياه‭ ‬بين‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬والبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التغير‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬التربة‭ ‬على‭ ‬مسافات‭ ‬قصيرة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬حلولَ‭ ‬حفر‭ ‬دقيقة‭ ‬ومكلفة‭.‬

وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬الصعوبات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الكلفة‭ ‬المالية‭ ‬للمشروع،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الجزء‭ ‬الإسباني‭ ‬وحده‭ ‬قد‭ ‬يتطلب‭ ‬استثمارًا‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬8,5‭ ‬و9‭ ‬مليارات‭ ‬يورو،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُتوقع‭ ‬ألَّا‭ ‬تقل‭ ‬التكلفة‭ ‬الإجمالية،‭ ‬بعد‭ ‬احتساب‭ ‬الشطر‭ ‬المغربي‭ ‬ونفقات‭ ‬الربط‭ ‬السككي‭ ‬والتكاليف‭ ‬غير‭ ‬المباشرة،‭ ‬عن‭ ‬15‭ ‬مليار‭ ‬يورو،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬يفوق‭ ‬الكلفة‭ ‬النهائية‭ ‬لنفق‭ ‬المانش،‭ ‬وبذلك،‭ ‬يُطرح‭ ‬التمويل‭ ‬كأحد‭ ‬أعقد‭ ‬التحدّيات‭.‬

ويُذكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أنَّ‭ ‬الشركة‭ ‬الإسبانية‭ ‬المكلفة‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬بالملف،‭ ‬SECEGSA،‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬سنة‭ ‬1980‭ ‬خصيصا‭ ‬لتتبع‭ ‬المشروع،‭ ‬أنفقت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬53‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬على‭ ‬الدراسات‭ ‬التقنية‭ ‬خلال‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬ورش‭ ‬فعلي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬هو‭ ‬تلاقي‭ ‬المعطيات‭ ‬التقنية‭ ‬مع‭ ‬سياق‭ ‬سياسي‭ ‬مواتٍ،‭ ‬يتَّسم‭ ‬بتقارب‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬ومدريد،‭ ‬خاصّةً‭ ‬منذ‭ ‬إعلان‭ ‬إسبانيا‭ ‬دعمها‭ ‬مقترحَ‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مصالحهما‭ ‬المشتركة‭ ‬وفي‭ ‬واجهتها‭ ‬التنظيم‭ ‬المشترك‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬لكأس‭ ‬العالم‭ ‬2030‭. ‬وقد‭ ‬تعزز‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬الإيجابي‭ ‬بصدور‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رقم‭ ‬2797‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬الذي‭ ‬رحبت‭ ‬به‭ ‬مدريد‭ ‬رسميا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تُرجم‭ ‬سياسيًّا‭ ‬في‭ ‬الإعلان‭ ‬الختامي‭ ‬للاجتماع‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬بين‭ ‬حكومتي‭ ‬البلدين‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التقاطع‭ ‬بين‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬والتقدّم‭ ‬التقني‭ ‬والحاجة‭ ‬اللوجستية‭ ‬الملحة،‭ ‬يبدو‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬القاري،‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬مؤجلة‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬استراتيجي‭ ‬قابل‭ ‬للتحقّق،‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬علاقات‭ ‬العبور‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا‭.‬

تابعنا على الفيسبوك