سياسة
انتخابات طنجة-أصيلة لم تقل كلمتها الأخيرة.. تحالف اليسار يفتح جبهة الطعون ويطالب بإعادة الاقتراع
من صناديق التصويت إلى ردهات المحكمة الدستورية
نتائج 23 شتنبر تشعل مواجهة سياسية جديدة وأسئلة النزاهة والشرعية الانتخابية تعود إلى الواجهة
لم تكن انتخابات 23 شتنبر بدائرة طنجة-أصيلة نهاية المطاف بالنسبة إلى مختلف الفرقاء السياسيين، بل شكَّلت بداية مرحلة جديدة من المواجهة، انتقلت فيها المنافسة من صناديق الاقتراع إلى المساطر القضائية، وسط جدل متواصل بشأن ظروف إجراء العملية الانتخابية ومدى احترام قواعدها القانونية والتنظيمية.
فبعد الإعلان عن النتائج وتوزيع المقاعد البرلمانية الخمسة للدائرة على الأحزاب الفائزة، لم ينجح المشهد الانتخابي في طي صفحة التنافس الذي طبع الحملة السابقة للاقتراع. وعلى العكس من ذلك، برزت مواقف سياسية رافضة لطريقة تدبير بعض جوانب العملية الانتخابية، وارتفعت مطالب بضرورة التحقيق في الخروقات التي أثيرت عقب التصويت، في وقت اختارت فيه بعض الأطراف الانتقال إلى مرحلة الطعن القانوني في النتائج المعلنة.
وفي مقدمة هذه الأطراف، يبرز تحالف اليسار الذي أعلن عزمه إعداد الطعون اللازمة للمطالبة بإلغاء نتائج دائرة طنجة-أصيلة وإعادة الانتخابات برمتها، معتبرًا أنَّ الاختلالات المثارة تستوجب معالجة تتجاوز حدود الاحتجاج السياسي إلى الاحتكام للمؤسسات القضائية المختصة.
وبهذا الموقف، يفتح التحالف جبهةً جديدة في المشهد السياسي الطنجاوي، عنوانها إعادة فحص نتائج الاقتراع على ضوء المآخذ التي يقول إنها شابت العملية الانتخابية. كما يُعيد إلى الواجهة النقاش عن دور الطعون الانتخابية في حماية نزاهة الاقتراع، وحدود تأثيرها في استقرار النتائج المعلنة، ومدى قدرة القضاء على الحسم في الخلافات التي تبرز بعد الاستحقاقات التشريعية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المساطر القانونية، تجد طنجة نفسها أمام مرحلة من الترقب السياسي، تتداخل فيها حسابات الأحزاب مع مطالب الشفافية والمساءلة، بينما يبقى الحسم النهائي رهينًا بما ستُقدّمه الأطراف من أدلة وحجج، وما ستقرره الجهات المختصة في إطار القانون.
*تحالف اليسار.. من الاعتراض السياسي إلى المواجهة القضائية
اختار تحالف اليسار عدم الاكتفاء بالتعبير عن رفضه للنتائج المعلنة أو الانخراط في النقاش السياسي الذي أعقب الاقتراع، معلنًا تُوجّهه نحو إعداد طعون انتخابية تستهدف نتائج دائرة طنجة-أصيلة. ويعكس هذا الاختيار رغبة في نقل الخلاف من مستوى التصريحات والمواقف الحزبية إلى مستوى المساءلة القانونية، بما يتيح فحص المآخذ المثارة وفق الإجراءات المعمول بها.
وخلال ندوة صحفية نظَّمها التحالف بطنجة، عبّر قياديوه عن موقف يعتبر أن ما أثير بشأن سير العملية الانتخابية يستدعي التوقُّف عنده بجدية، وعدم التعامل معه باعتباره مجرد خلافٍ عابرٍ بين مرشحين متنافسين. ووفق ما نقلته تقارير إعلامية عن الندوة، فإنَّ التحالف يتَّجه إلى المطالبة بإلغاء نتائج الدائرة، وإعادة الاقتراع على المقاعد الخمسة.
ويمنح هذا الموقف الملف أبعادًا تتجاوز الاعتراض على نتيجة مرشح بعينه، إذ يتعلق الأمر بمطلب يرمي إلى إعادة العملية الانتخابية في نطاق الدائرة كاملة. مما يجعل مضمون الطعون المنتظرة، وطبيعة الأدلة التي سيعتمدها التحالف، عاملين حاسمين في تحديد المسار الذي يمكن أن تتّخذه القضية.
كما يضع التحالف أمام اختبار إثباتي وقانوني، يتمثّل في ضرورة توضيح طبيعة الخروقات التي يستند إليها، وتحديد مدى تأثيرها المحتمل في سلامة النتائج، وربط الوقائع المدعى بها بالطلبات التي سيعرضها على القضاء.
فالمطالبة بإعادة الانتخابات “وإن كانت تعبيرًا عن موقف سياسي واضح” لا تعني أن هذا المآل أصبح محسومًا. إذ يبقى القرار النهائي من اختصاص القضاء، الذي ينظر في الحجج والوثائق ومدى استيفاء الطعون للشروط القانونية، قبل ترتيب الآثار التي يسمح بها القانون.
*خمسة مقاعد… ونتائج تفتح باب المواجهة
أسفرت النتائج المعلنة لانتخابات 23 شتنبر بدائرة طنجة-أصيلة عن فوز خمسة أحزاب بمقاعد برلمانية، بواقع مقعد لكل من حزب العدالة والتنمية، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الحركة الشعبية، وحزب الاستقلال، وحزب التجمع الوطني للأحرار.
لكن الإعلان عن هذه النتائج لم ينهِ النقاش السياسي بشأن العملية الانتخابية، خصوصًا بعد ظهور اعتراضات على بعض جوانب تدبيرها. وباتت النتائج، التي كان يفترض أن تُشكّل أساسًا لمرحلة جديدة من التنافس البرلماني، موضوع نقاش يرتبط بمدى سلامة الإجراءات التي أفضت إليها.
وتكمن أهمية هذا الجدل في طبيعة دائرة طنجة-أصيلة باعتبارها إحدى الدوائر ذات الثقل السياسي والانتخابي؛ حيث تتقاطع رهانات التمثيل البرلماني مع حسابات الأحزاب بشأن مواقعها داخل المدينة ومحيطها. ولذلك، فإن أي نزاع بشأن صحة النتائج لن يظل محصورًا في الحسابات الانتخابية المباشرة، بل يمتدّ إلى صورة المؤسسات المنتخبة ومستوى الثقة في العملية الديمقراطية.
وفي هذا السياق، يصبح التمييز ضروريًّا بين الاعتراض السياسي على النتائج، وهو جزء من التنافس الحزبي، وبين الطعن القانوني الذي يستوجب تقديم حجج محددة وإثباتات قابلة للفحص. فالخلاف بشأن النتائج لا يكفي وحده لإبطالها، كما أن إعلانها لا يحول دون مراجعتها إذا ثبت، وفق المساطر القانونية، وجود أسباب تستوجب ذلك.
*هل تتسع دائرة الطعون؟
إلى جانب تحرك تحالف اليسار، برزت مؤشرات على احتمال دخول أطراف سياسية أخرى إلى مسار الطعون الانتخابية. فقد تناولت تقارير صحفية استعداد حزب العدالة والتنمية لدراسة إمكانية الطعن في المقعد الذي فاز به حزب الأصالة والمعاصرة، مما يفتح الباب أمام احتمال تعدد الملفات القضائية المرتبطة بنتائج الدائرة.
كما أنَّ التمييز يظل ضروريًّا بين إعلان النية في الطعن، والشروع في جمع الوثائق والمعطيات، وبين الإيداع الرسمي للطعن لدى الجهة المختصة. فهذه مراحل مختلفة من الناحية القانونية، ولا يمكن اعتبار كلّ موقف معلن بمنزلة دعوى انتخابية أصبحت معروضة على القضاء.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول احتمال اتِّساع دائرة الطعون يعكس استمرار التوتر السياسي الذي أعقب الانتخابات، ويشير إلى أن بعض الأحزاب لا تعتبر أن إعلان النتائج كافٍ لإنهاء الخلاف بشأن العملية الانتخابية.
وقد يُسهم تعدد الطعون “إذا تأكد” في توسيع دائرة النقاش بشأن سلامة الاقتراع، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع المقاعد أصبحت مهددة أو أن مآل الملفات سيكون واحدًا. فلكل طعن وقائعه ومآخذه وطلباته، ويخضع لتقييم مستقل وفق ما يتضمنه من أدلة.
*المحكمة الدستورية.. الكلمة الأخيرة للقضاء
مع انتقال الخلاف إلى المسار القضائي، تتجه الأنظار إلى المحكمة الدستورية باعتبارها الجهة المختصة بالبت في صحة انتخاب أعضاء مجلس النواب. ووَفْقًا للقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، فإنَّ الطعون الانتخابية تخضع لآجال وإجراءات محددة، ويترتب على فحصها اتِّخاذ القرار المناسب بناء على الحجج المقدمة ومدى تأثير المآخذ المثارة على صحة الانتخاب.
ومن بين القرارات التي تدخل ضمن صلاحيات المحكمة، بحسب الحالة وما يتيحه القانون، إلغاء الانتخاب المطعون فيه أو تصحيح النتائج الحسابية، أو رفض الطعن عندما لا تثبت المآخذ المقدمة تأثيرًا في النتيجة.
ويعني ذلك أن المعركة المقبلة لن تحسمها التصريحات الصحفية أو المواقف الحزبية، وإنَّما مضمون الملفات التي ستعرض على القضاء. فكل طرف مطالب بتقديم ما يسند ادِّعاءاته، فيما تظل الجهة القضائية المختصة مسؤولة عن تقييم الأدلة والبت في النزاع وفق القانون.
أما مطلب إعادة الانتخابات في الدائرة كاملة، فيتطلّب توضيح الأساس القانوني والوقائع التي تبرر هذا النطاق من الإلغاء، وهي مسألة تختلف عن الطعن في انتخاب مرشحٍ واحدٍ أو الاعتراض على عملية حسابية مرتبطة بمقعد محدد.
*الشارع الطنجاوي ينتظر أجوبة واضحة
لم يعد النقاش بشأن انتخابات 23 شتنبر مقتصرًا على الأحزاب المتنافسة، بل أصبح جزءًا من النقاش العام داخل طنجة، حيث تتباين المواقف بشأن مدى خطورة الاختلالات المثارة، والجهة التي ينبغي أن تحسم في الوقائع، والآثار التي قد تترتب عليها.
وبين من يدعو إلى انتظار نتائج التحقيقات والقرارات القضائية، ومن يطالب بمحاسبة كلّ من تثبت مسؤوليته عن أي مخالفة، يبرز مطلب مشترك يتمثل في ضرورة توضيح حقيقة ما وقع، بعيدًا عن المبالغة في الاتِّهامات أو التقليل من أهمية التساؤلات المطروحة.
فالثقة في العملية الانتخابية لا ترتبط فقط بهُوية الفائزين، بل كذلك بمدى وضوح الإجراءات التي أفضت إلى النتائج، وقدرة المؤسسات على تقديم أجوبة مقنعة بشأن أيّ اختلالات يثبت وقوعها. وكلما تأخَّر توضيح الوقائع، اتَّسع المجال أمام التأويلات والتجاذبات السياسية، بما قد يُؤثّر في صورة المؤسسات المنتخبة.
وفي المقابل، فإنَّ الاحتكام إلـــــى القــــــضاء يتـــــــــــــيــــــــــــــح وضــــــــــــع الخــــــلاف ضمــــن إطـــــــار مؤسساتي، يسمح بفـــــحــــص الادعـــــــــــــــــــاءات وتحديد المسؤوليات عند الاقتضاء، مع احترام حقوق جميع الأطراف وقرينة البراءة.
*معركة تتجاوز المقاعد إلى الثقة السياسية
تكشف التطورات التي أعقبت الانتخابات عن أن الرهان في طنجة لا يقتصر على حسم الخلاف بشأن خمسة مقاعد برلمانية، بل يرتبط أيضًا بمدى قدرة المؤسسات والأحزاب على تدبير النزاعات الانتخابية وفق قواعد واضحة.
فبالنسبة إلى تحالف اليسار، يُمثّل الطعن المرتقب وسيلة للمطالبة بمراجعة النتائج وترتيب الآثار القانونية التي يعدُّها ضرورية. وبالنسبة إلى الأحزاب الفائزة، فإنَّ أي طعن يظل مسطرة ينبغي التعامل معها في إطار القانون، بعيدًا عن الأحكام المسبقة بشأن مآلها.
أما بالنسبة إلى المواطنين، فإنَّ الأهم هو أن تفضي التحقيقات والمساطر القضائية إلى نتائج واضحة، وأن تتم معالجة أي مخالفات تثبت وفق القانون، بما يحافظ على حقوق الناخبين ويُعزّز الثقة في المؤسسات.
وفي نهاية المطاف، تبقى الانتخابات وسيلة لتجسيد إرادة الناخبين، ولا تستمد قوتها من إعلان النتائج وحده، بل من احترام القواعد التي تنظمها، ومن قدرة المؤسسات على معالجة النزاعات التي قد تُثار بشأنها.
وبين تحرك تحالف اليسار، واحتمال دخول أطراف أخرى إلى مسار الطعون، وانتظار القرارات القضائية، تظلُّ انتخابات 23 شتنبر بدائرة طنجة-أصيلة مفتوحة على فصل جديد. فصل لن يحسمه حجم الجدل السياسي، بل ما ستثبته الوثائق وما ستُقرّره الجهات المختصة.
في طنجة، انتهى الاقتراع، لكن الجدل بشأن نتائجه دخل مرحلة جديدة؛ مرحلة عنوانها الطعون، ورهانها نزاهة العملية الانتخابية، وكلمتها الأخيرة للقضاء.


