تواصل معنا

سياسة

انتخابات طنجة-أصيلة لم تقل كلمتها الأخيرة.. تحالف اليسار يفتح جبهة الطعون ويطالب بإعادة الاقتراع

من‭ ‬صناديق‭ ‬التصويت‭ ‬إلى‭ ‬ردهات‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية

نتائج‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬تشعل‭ ‬مواجهة‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة‭ ‬وأسئلة‭ ‬النزاهة‭ ‬والشرعية‭ ‬الانتخابية‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة

لم‭ ‬تكن‭ ‬انتخابات‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬بدائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الفرقاء‭ ‬السياسيين،‭ ‬بل‭ ‬شكَّلت‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المواجهة،‭ ‬انتقلت‭ ‬فيها‭ ‬المنافسة‭ ‬من‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬إلى‭ ‬المساطر‭ ‬القضائية،‭ ‬وسط‭ ‬جدل‭ ‬متواصل‭ ‬بشأن‭ ‬ظروف‭ ‬إجراء‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬ومدى‭ ‬احترام‭ ‬قواعدها‭ ‬القانونية‭ ‬والتنظيمية‭.‬

فبعد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬وتوزيع‭ ‬المقاعد‭ ‬البرلمانية‭ ‬الخمسة‭ ‬للدائرة‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬الفائزة،‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬المشهد‭ ‬الانتخابي‭ ‬في‭ ‬طي‭ ‬صفحة‭ ‬التنافس‭ ‬الذي‭ ‬طبع‭ ‬الحملة‭ ‬السابقة‭ ‬للاقتراع‭. ‬وعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬برزت‭ ‬مواقف‭ ‬سياسية‭ ‬رافضة‭ ‬لطريقة‭ ‬تدبير‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وارتفعت‭ ‬مطالب‭ ‬بضرورة‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬الخروقات‭ ‬التي‭ ‬أثيرت‭ ‬عقب‭ ‬التصويت،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬اختارت‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الطعن‭ ‬القانوني‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬المعلنة‭.‬

وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬الأطراف،‭ ‬يبرز‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬عزمه‭ ‬إعداد‭ ‬الطعون‭ ‬اللازمة‭ ‬للمطالبة‭ ‬بإلغاء‭ ‬نتائج‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬وإعادة‭ ‬الانتخابات‭ ‬برمتها،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أنَّ‭ ‬الاختلالات‭ ‬المثارة‭ ‬تستوجب‭ ‬معالجة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الاحتجاج‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬الاحتكام‭ ‬للمؤسسات‭ ‬القضائية‭ ‬المختصة‭.‬

وبهذا‭ ‬الموقف،‭ ‬يفتح‭ ‬التحالف‭ ‬جبهةً‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الطنجاوي،‭ ‬عنوانها‭ ‬إعادة‭ ‬فحص‭ ‬نتائج‭ ‬الاقتراع‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬المآخذ‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬إنها‭ ‬شابت‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭. ‬كما‭ ‬يُعيد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬النقاش‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الطعون‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬نزاهة‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وحدود‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬النتائج‭ ‬المعلنة،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬الخلافات‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬بعد‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬التشريعية‭.‬

وفي‭ ‬انتظار‭ ‬ما‭ ‬ستسفر‭ ‬عنه‭ ‬المساطر‭ ‬القانونية،‭ ‬تجد‭ ‬طنجة‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬الترقب‭ ‬السياسي،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬حسابات‭ ‬الأحزاب‭ ‬مع‭ ‬مطالب‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة،‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬الحسم‭ ‬النهائي‭ ‬رهينًا‭ ‬بما‭ ‬ستُقدّمه‭ ‬الأطراف‭ ‬من‭ ‬أدلة‭ ‬وحجج،‭ ‬وما‭ ‬ستقرره‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القانون‭.‬

*تحالف‭ ‬اليسار‭.. ‬من‭ ‬الاعتراض‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬المواجهة‭ ‬القضائية

اختار‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار‭ ‬عدم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬رفضه‭ ‬للنتائج‭ ‬المعلنة‭ ‬أو‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬أعقب‭ ‬الاقتراع،‭ ‬معلنًا‭ ‬تُوجّهه‭ ‬نحو‭ ‬إعداد‭ ‬طعون‭ ‬انتخابية‭ ‬تستهدف‭ ‬نتائج‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الخلاف‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬التصريحات‭ ‬والمواقف‭ ‬الحزبية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬المساءلة‭ ‬القانونية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬فحص‭ ‬المآخذ‭ ‬المثارة‭ ‬وفق‭ ‬الإجراءات‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭.‬

وخلال‭ ‬ندوة‭ ‬صحفية‭ ‬نظَّمها‭ ‬التحالف‭ ‬بطنجة،‭ ‬عبّر‭ ‬قياديوه‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أثير‭ ‬بشأن‭ ‬سير‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬يستدعي‭ ‬التوقُّف‭ ‬عنده‭ ‬بجدية،‭ ‬وعدم‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬خلافٍ‭ ‬عابرٍ‭ ‬بين‭ ‬مرشحين‭ ‬متنافسين‭. ‬ووفق‭ ‬ما‭ ‬نقلته‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬عن‭ ‬الندوة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬التحالف‭ ‬يتَّجه‭ ‬إلى‭ ‬المطالبة‭ ‬بإلغاء‭ ‬نتائج‭ ‬الدائرة،‭ ‬وإعادة‭ ‬الاقتراع‭ ‬على‭ ‬المقاعد‭ ‬الخمسة‭.‬

ويمنح‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الملف‭ ‬أبعادًا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاعتراض‭ ‬على‭ ‬نتيجة‭ ‬مرشح‭ ‬بعينه،‭ ‬إذ‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمطلب‭ ‬يرمي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الدائرة‭ ‬كاملة‭. ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬مضمون‭ ‬الطعون‭ ‬المنتظرة،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الأدلة‭ ‬التي‭ ‬سيعتمدها‭ ‬التحالف،‭ ‬عاملين‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتّخذه‭ ‬القضية‭.‬

كما‭ ‬يضع‭ ‬التحالف‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬إثباتي‭ ‬وقانوني،‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬توضيح‭ ‬طبيعة‭ ‬الخروقات‭ ‬التي‭ ‬يستند‭ ‬إليها،‭ ‬وتحديد‭ ‬مدى‭ ‬تأثيرها‭ ‬المحتمل‭ ‬في‭ ‬سلامة‭ ‬النتائج،‭ ‬وربط‭ ‬الوقائع‭ ‬المدعى‭ ‬بها‭ ‬بالطلبات‭ ‬التي‭ ‬سيعرضها‭ ‬على‭ ‬القضاء‭.‬

فالمطالبة‭ ‬بإعادة‭ ‬الانتخابات‭ “‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬سياسي‭ ‬واضح‭” ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المآل‭ ‬أصبح‭ ‬محسومًا‭. ‬إذ‭ ‬يبقى‭ ‬القرار‭ ‬النهائي‭ ‬من‭ ‬اختصاص‭ ‬القضاء،‭ ‬الذي‭ ‬ينظر‭ ‬في‭ ‬الحجج‭ ‬والوثائق‭ ‬ومدى‭ ‬استيفاء‭ ‬الطعون‭ ‬للشروط‭ ‬القانونية،‭ ‬قبل‭ ‬ترتيب‭ ‬الآثار‭ ‬التي‭ ‬يسمح‭ ‬بها‭ ‬القانون‭.‬

*خمسة‭ ‬مقاعد‭… ‬ونتائج‭ ‬تفتح‭ ‬باب‭ ‬المواجهة

أسفرت‭ ‬النتائج‭ ‬المعلنة‭ ‬لانتخابات‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬بدائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬عن‭ ‬فوز‭ ‬خمسة‭ ‬أحزاب‭ ‬بمقاعد‭ ‬برلمانية،‭ ‬بواقع‭ ‬مقعد‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية،‭ ‬وحزب‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬وحزب‭ ‬الحركة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وحزب‭ ‬الاستقلال،‭ ‬وحزب‭ ‬التجمع‭ ‬الوطني‭ ‬للأحرار‭.‬

لكن‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬لم‭ ‬ينهِ‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬بشأن‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬اعتراضات‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬تدبيرها‭. ‬وباتت‭ ‬النتائج،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تُشكّل‭ ‬أساسًا‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬البرلماني،‭ ‬موضوع‭ ‬نقاش‭ ‬يرتبط‭ ‬بمدى‭ ‬سلامة‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إليها‭.‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحدى‭ ‬الدوائر‭ ‬ذات‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬والانتخابي؛‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬رهانات‭ ‬التمثيل‭ ‬البرلماني‭ ‬مع‭ ‬حسابات‭ ‬الأحزاب‭ ‬بشأن‭ ‬مواقعها‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬ومحيطها‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬نزاع‭ ‬بشأن‭ ‬صحة‭ ‬النتائج‭ ‬لن‭ ‬يظل‭ ‬محصورًا‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬الانتخابية‭ ‬المباشرة،‭ ‬بل‭ ‬يمتدّ‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬ومستوى‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬التمييز‭ ‬ضروريًّا‭ ‬بين‭ ‬الاعتراض‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬النتائج،‭ ‬وهو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬الحزبي،‭ ‬وبين‭ ‬الطعن‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬يستوجب‭ ‬تقديم‭ ‬حجج‭ ‬محددة‭ ‬وإثباتات‭ ‬قابلة‭ ‬للفحص‭. ‬فالخلاف‭ ‬بشأن‭ ‬النتائج‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لإبطالها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إعلانها‭ ‬لا‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬مراجعتها‭ ‬إذا‭ ‬ثبت،‭ ‬وفق‭ ‬المساطر‭ ‬القانونية،‭ ‬وجود‭ ‬أسباب‭ ‬تستوجب‭ ‬ذلك‭.‬

*هل‭ ‬تتسع‭ ‬دائرة‭ ‬الطعون؟

إلى‭ ‬جانب‭ ‬تحرك‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار،‭ ‬برزت‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬دخول‭ ‬أطراف‭ ‬سياسية‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الطعون‭ ‬الانتخابية‭. ‬فقد‭ ‬تناولت‭ ‬تقارير‭ ‬صحفية‭ ‬استعداد‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬لدراسة‭ ‬إمكانية‭ ‬الطعن‭ ‬في‭ ‬المقعد‭ ‬الذي‭ ‬فاز‭ ‬به‭ ‬حزب‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬مما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬تعدد‭ ‬الملفات‭ ‬القضائية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بنتائج‭ ‬الدائرة‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬التمييز‭ ‬يظل‭ ‬ضروريًّا‭ ‬بين‭ ‬إعلان‭ ‬النية‭ ‬في‭ ‬الطعن،‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬الوثائق‭ ‬والمعطيات،‭ ‬وبين‭ ‬الإيداع‭ ‬الرسمي‭ ‬للطعن‭ ‬لدى‭ ‬الجهة‭ ‬المختصة‭. ‬فهذه‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬كلّ‭ ‬موقف‭ ‬معلن‭ ‬بمنزلة‭ ‬دعوى‭ ‬انتخابية‭ ‬أصبحت‭ ‬معروضة‭ ‬على‭ ‬القضاء‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬تداول‭ ‬احتمال‭ ‬اتِّساع‭ ‬دائرة‭ ‬الطعون‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬التوتر‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬أعقب‭ ‬الانتخابات،‭ ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬لا‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج‭ ‬كافٍ‭ ‬لإنهاء‭ ‬الخلاف‭ ‬بشأن‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭.‬

وقد‭ ‬يُسهم‭ ‬تعدد‭ ‬الطعون‭ “‬إذا‭ ‬تأكد‭” ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬سلامة‭ ‬الاقتراع،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬المقاعد‭ ‬أصبحت‭ ‬مهددة‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬مآل‭ ‬الملفات‭ ‬سيكون‭ ‬واحدًا‭. ‬فلكل‭ ‬طعن‭ ‬وقائعه‭ ‬ومآخذه‭ ‬وطلباته،‭ ‬ويخضع‭ ‬لتقييم‭ ‬مستقل‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يتضمنه‭ ‬من‭ ‬أدلة‭.‬

*المحكمة‭ ‬الدستورية‭.. ‬الكلمة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للقضاء

مع‭ ‬انتقال‭ ‬الخلاف‭ ‬إلى‭ ‬المسار‭ ‬القضائي،‭ ‬تتجه‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬باعتبارها‭ ‬الجهة‭ ‬المختصة‭ ‬بالبت‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬انتخاب‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭. ‬ووَفْقًا‭ ‬للقانون‭ ‬التنظيمي‭ ‬المتعلق‭ ‬بالمحكمة‭ ‬الدستورية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الطعون‭ ‬الانتخابية‭ ‬تخضع‭ ‬لآجال‭ ‬وإجراءات‭ ‬محددة،‭ ‬ويترتب‭ ‬على‭ ‬فحصها‭ ‬اتِّخاذ‭ ‬القرار‭ ‬المناسب‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬الحجج‭ ‬المقدمة‭ ‬ومدى‭ ‬تأثير‭ ‬المآخذ‭ ‬المثارة‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬الانتخاب‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬ضمن‭ ‬صلاحيات‭ ‬المحكمة،‭ ‬بحسب‭ ‬الحالة‭ ‬وما‭ ‬يتيحه‭ ‬القانون،‭ ‬إلغاء‭ ‬الانتخاب‭ ‬المطعون‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬تصحيح‭ ‬النتائج‭ ‬الحسابية،‭ ‬أو‭ ‬رفض‭ ‬الطعن‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تثبت‭ ‬المآخذ‭ ‬المقدمة‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭.‬

ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬تحسمها‭ ‬التصريحات‭ ‬الصحفية‭ ‬أو‭ ‬المواقف‭ ‬الحزبية،‭ ‬وإنَّما‭ ‬مضمون‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬ستعرض‭ ‬على‭ ‬القضاء‭. ‬فكل‭ ‬طرف‭ ‬مطالب‭ ‬بتقديم‭ ‬ما‭ ‬يسند‭ ‬ادِّعاءاته،‭ ‬فيما‭ ‬تظل‭ ‬الجهة‭ ‬القضائية‭ ‬المختصة‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تقييم‭ ‬الأدلة‭ ‬والبت‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭.‬

أما‭ ‬مطلب‭ ‬إعادة‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬الدائرة‭ ‬كاملة،‭ ‬فيتطلّب‭ ‬توضيح‭ ‬الأساس‭ ‬القانوني‭ ‬والوقائع‭ ‬التي‭ ‬تبرر‭ ‬هذا‭ ‬النطاق‭ ‬من‭ ‬الإلغاء،‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الطعن‭ ‬في‭ ‬انتخاب‭ ‬مرشحٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬أو‭ ‬الاعتراض‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬حسابية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمقعد‭ ‬محدد‭. ‬

*الشارع‭ ‬الطنجاوي‭ ‬ينتظر‭ ‬أجوبة‭ ‬واضحة

لم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬انتخابات‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬المتنافسة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭ ‬داخل‭ ‬طنجة،‭ ‬حيث‭ ‬تتباين‭ ‬المواقف‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬خطورة‭ ‬الاختلالات‭ ‬المثارة،‭ ‬والجهة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تحسم‭ ‬في‭ ‬الوقائع،‭ ‬والآثار‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تترتب‭ ‬عليها‭.‬

وبين‭ ‬من‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬انتظار‭ ‬نتائج‭ ‬التحقيقات‭ ‬والقرارات‭ ‬القضائية،‭ ‬ومن‭ ‬يطالب‭ ‬بمحاسبة‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬تثبت‭ ‬مسؤوليته‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مخالفة،‭ ‬يبرز‭ ‬مطلب‭ ‬مشترك‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬توضيح‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬وقع،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬الاتِّهامات‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬التساؤلات‭ ‬المطروحة‭.‬

فالثقة‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بهُوية‭ ‬الفائزين،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬بمدى‭ ‬وضوح‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬النتائج،‭ ‬وقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬أجوبة‭ ‬مقنعة‭ ‬بشأن‭ ‬أيّ‭ ‬اختلالات‭ ‬يثبت‭ ‬وقوعها‭. ‬وكلما‭ ‬تأخَّر‭ ‬توضيح‭ ‬الوقائع،‭ ‬اتَّسع‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬التأويلات‭ ‬والتجاذبات‭ ‬السياسية،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يُؤثّر‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الاحتكام‭ ‬إلـــــى‭ ‬القــــــضاء‭ ‬يتـــــــــــــيــــــــــــــح‭ ‬وضــــــــــــع‭ ‬الخــــــلاف‭ ‬ضمــــن‭ ‬إطـــــــار‭ ‬مؤسساتي،‭ ‬يسمح‭ ‬بفـــــحــــص‭ ‬الادعـــــــــــــــــــاءات‭ ‬وتحديد‭ ‬المسؤوليات‭ ‬عند‭ ‬الاقتضاء،‭ ‬مع‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬وقرينة‭ ‬البراءة‭.‬

*معركة‭ ‬تتجاوز‭ ‬المقاعد‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭ ‬السياسية

تكشف‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الانتخابات‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬حسم‭ ‬الخلاف‭ ‬بشأن‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد‭ ‬برلمانية،‭ ‬بل‭ ‬يرتبط‭ ‬أيضًا‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأحزاب‭ ‬على‭ ‬تدبير‭ ‬النزاعات‭ ‬الانتخابية‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭.‬

فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار،‭ ‬يُمثّل‭ ‬الطعن‭ ‬المرتقب‭ ‬وسيلة‭ ‬للمطالبة‭ ‬بمراجعة‭ ‬النتائج‭ ‬وترتيب‭ ‬الآثار‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬يعدُّها‭ ‬ضرورية‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأحزاب‭ ‬الفائزة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أي‭ ‬طعن‭ ‬يظل‭ ‬مسطرة‭ ‬ينبغي‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القانون،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة‭ ‬بشأن‭ ‬مآلها‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تفضي‭ ‬التحقيقات‭ ‬والمساطر‭ ‬القضائية‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬واضحة،‭ ‬وأن‭ ‬تتم‭ ‬معالجة‭ ‬أي‭ ‬مخالفات‭ ‬تثبت‭ ‬وفق‭ ‬القانون،‭ ‬بما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الناخبين‭ ‬ويُعزّز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬تبقى‭ ‬الانتخابات‭ ‬وسيلة‭ ‬لتجسيد‭ ‬إرادة‭ ‬الناخبين،‭ ‬ولا‭ ‬تستمد‭ ‬قوتها‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تنظمها،‭ ‬ومن‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬النزاعات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُثار‭ ‬بشأنها‭.‬

وبين‭ ‬تحرك‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار،‭ ‬واحتمال‭ ‬دخول‭ ‬أطراف‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الطعون،‭ ‬وانتظار‭ ‬القرارات‭ ‬القضائية،‭ ‬تظلُّ‭ ‬انتخابات‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬بدائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭. ‬فصل‭ ‬لن‭ ‬يحسمه‭ ‬حجم‭ ‬الجدل‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬ستثبته‭ ‬الوثائق‭ ‬وما‭ ‬ستُقرّره‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭.‬

في‭ ‬طنجة،‭ ‬انتهى‭ ‬الاقتراع،‭ ‬لكن‭ ‬الجدل‭ ‬بشأن‭ ‬نتائجه‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة؛‭ ‬مرحلة‭ ‬عنوانها‭ ‬الطعون،‭ ‬ورهانها‭ ‬نزاهة‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وكلمتها‭ ‬الأخيرة‭ ‬للقضاء‭.‬

تابعنا على الفيسبوك