آخر الأخبار
زحف الإسمنت المسلح يلتهم عروس الشمال.. غابات الرميلات وكاب سبارتيل والتراث المعماري في مرمى التهديد
تعيش مدينة طنجة على وقع تحوُّلات عمرانية متسارعة، تجاوزت حدود التوسُّع الحضري الطبيعي لتتحوّل إلى زحف إسمنتي نهم بات يُهدّد بتشوية الرصيد البيئي والتاريخي لعروس الشمال. وبينما كانت عاصمة البوغاز تتنفّس على وقع مناظرها الخلابة وتناغم طرازها المعماري الفريد، أضحت كتل الإسمنت المسلح تمتدّ بلا هوادة لتُجهز على ما تبقّى من المساحات الخضراء والمعالم الأثرية التي شكّلت هويتها لقرون.
لم تعد المناطق الغابوية المحيطة بالمدينة بمعزل عن أطماع المنعشين العقاريين؛ إذ تُواجه رئة طنجة الأولى، المتمثلة في غابة الرميلات وتخوم كاب سبارتيل، هجمةً بيئيةً غير مسبوقة. أصبحت مشاهد اقتطاع أجزاء من الغطاء الغابوي لبناء مجمعات سكنية وإقامات فاخرة حديث الشارع الطنجاوي اليومي، وسط تساؤلات حارقة يطرحها المجتمع المدني عن جدوى مخططات التهيئة ومدى التزامها بحماية النظام البيئي المحلي.
ويرى نشطاء بيئيون أنَّ هذا الانتهاك المتواصل لا يهدد فقط التنوع البيولوجي والأشجار المعمرة، بل يُغيّر المناخ الميكروي للمدينة، ويقضي على المساحات الترفيهية الطبيعية المتبقية لساكنتها وزوارها، مما يُهدّد بتجريد طنجة من طابعها البيئي الفريد.
وعلى جبهة أخرى، لا يقل التهديد المعماري خطورة عن نظيره البيئي؛ فالأحياء التاريخية “وعلى رأسها القصبة والمدينة القديمة” تعاني قسوةَ مواد البناء الحديثة التي تشوه النمط العمراني التقليدي. بدلًا من الاعتماد على تقنيات الترميم الأثرية الصارمة والمحافظة على اللمسات المعمارية المغربية والأندلسية الأصيلة، يلاحظ انتشار البناء بالإسمنت المسلح، ما يتسبَّب في طمس معالم الهُوية التاريخية للمدينة.
إن فقدان الهوية المعمارية ليس مجرد قضية جمالية، بل هو ضربة موجعة للذاكرة الجماعية وللرصيد السياحي والثقافي لطنجة، التي استمدّت سحرها عبر التاريخ من التمازج الفريد بين البحر والغابة والعمارة الأصيلة.
أمام هذا الوضع القائم، تتصاعد الأصوات المطالبة بسنّ إجراءات ردعية صارمة لوقف استنزاف المجال الغابوي وحماية التراث العمراني.
ويشدد الجمعويون على ضرورة تفعيل دور لجان المراقبة والتصدّي لمخالفات التعمير، مع إقرار دفاتر تحملات دقيقة تشترط الحفاظ على الطابع التاريخي والبيئي للمدينة.
ويبقى السؤال المطروح في الشارع الطنجاوي اليوم: هل تتحرّك الجهات الوصية بصرامة قبل أن يحسم الإسمنت المسلح المعركة بالكامل، وتفقد عروس الشمال أبهى جلباب بيئي وتاريخي ارتدته عبر العصور؟


