مجتمع
بين مفارقة النمو وغلاء المعيشة.. لماذا يعجز شباب الجهات عن إيجاد السكن والشغل؟
في الوقت الذي تنتشئ فيه التقارير الحكومية بلغة الأرقام الصمّاء، مشيدةً بتفوق الاستثمارات وتصاعد مؤشرات النمو، تصطدم الفئات الشابة في مختلف جهات المملكة بواقع مر يسوده التهميش وفرامل ارتفاع أسعار العقار الحارقة. مفارقة صارخة وضعتنا تحت مجهرها اليوم: كيف تتحوَّل دينامية الاقتصاد إلى «سراب» لا يرى الشباب المحلي منه سوى تعميق الأزمة وضيق آفاق العيش الكريم؟
لم تعد معضلة الحصول على سكن رئيسي مجرد تعثُّر في سوق العرض والطلب، بل تحوَّلت إلى أزمة بنيوية يغذيها منطق الجشع والمضاربة المالية في الأوعية العقارية الاستراتيجية. أثقال القروض البنكية ورسوم الكراء المرتفعة أصبحت تأكل الأخضر واليابس من مدخول أسر الطبقة المتوسطة والشباب المقبلين على تأسيس أسر جديدة.
وفي هذا الصدد، تشير مصادر مطلعة لـ«لاديبيش» إلى أنَّ برامج الدعم السكني الجديدة “على أهميتها النظرية” لم تتصدَّ تصديًّا حاسمًا لجشع المنعشين العقاريين وتضاعف أسعار الأراضي المُعدّة للبناء، مما جعل الشقة في أطراف المدن حلمًا صعب المنال يُكبل القدرة الشرائية للشباب طوال عقود.
وعلى مستوى أسواق الشغل، يسود حنق عارم بين صفوف الشباب المعطل بمختلف أقاليم المملكة، الذين يتابعون عن قرب تدشين ورش بنيوية ومشاريع استثمارية ضخمة دون أن ينالوا منها سوى «الغبار». ففي غياب آليات واضحة لتوطين الوظائف، تظل العمالة المحلية مجرد رقم ثانوي يُستعان به في الأعمال الشاقة والمؤقتة، بينما تُحتكر مناصب القرار والوظائف القارة ذات القيمة المضافة لصالح الوافدين من خارج المنطقة.
ويرى يونس المودن، فاعل جمعوي، في حديثه لـ«لاديبيش»، أن «ما يحدث هو تكريس للعدمية التنموية؛ فالمشاريع الاستثمارية تُقام على أراضي الساكنة وتستغل بنيتها التحتية، لكن حين يأتي دور التشغيل، يُفاجأ ابن المنطقة باستبعاده تحت ذريعة نقص الخبرة، في غياب تام لأي دور حقيقي لمراكز التكوين المهني في إعداد الكفاءات المحلية لمواكبة هذه الطفرة».
بين الأرقام الوردية والواقع الميداني.. أيـــــن الخـــــلل؟
إن هذا الشرخ الملموس بين خطاب «النمو والازدهار» والمعاناة اليومية للشباب يُسقط ورقة التوت عن الفجوة العميقة في إدارة التنمية المجالية.
فالجهوية المتقدّمة باتت مطالبة اليوم بالانتقال من مجرد خطابات وشعارات إلى فرض دفاتر تحملات صارمة على المنعشين والمستثمرين، تُكفل بموجبها نسبة أولوية ملزمة لتشغيل أبناء المنطقة، وتوفير سكن اقتصادي بمعايير إنسانية وأسعار معقولة.
إنَّ الاستمرار في تجاهل هذه التناقضات هو بمنزلة إذكاء لفتيل الإحباط واليأس وسط الطاقات الشبابية، التي أصبحت مخيرة بين قوارب الهجرة السرية أو الانكفاء تحت وطأة البطالة. والكرة الآن في ملعب القائمين على تدبير الشأن العام للقطع مع سياسة «تبرير الفشل» وتوجيه قطار التنمية نحو المواطن أوّلًا وأخيرًا.


