ثقافة
الثقافة في طنجة.. هل تصل الفنون إلى الأحياء الشعبية أم تظل حبيسة وسط المدينة؟
تطرح الفوارق في توزيع المؤسسات والأنشطة الثقافية بمدينة طنجة تساؤلاتٍ متجدّدةً عن مدى استفادة سكان الأحياء الشعبية من العروض المسرحية والسينمائية والفنون التشكيلية، في ظل تمركز عدد من أبرز الفضاءات الفنية وسط المدينة، مقابل الحاجة إلى تقريب الخِدْمات الثقافية من مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة، مثل بني مكادة ومغوغة ومسنانة والعوامة.
ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع تنظيم الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للنشر والكتاب، الممتدة إلى غاية 16 أكتوبر، في وقت تواصل فيه طنجة توسُّعها العمراني والديموغرافي، بما يفرض تحدِّياتٍ جديدةً على السياسات الثقافية المحلية، خصوصًا ما يتعلق بضمان وصول مختلف الفئات الاجتماعية والمجالية إلى الفنون والمعرفة.
*مؤسسات ثقافية في المركز وأحياء تبحث عن فضاءات للقرب
تضمُّ المناطق المركزية بطنجة عددًا من أبرز المؤسسات الثقافية والفنية، من بينها المركز الثقافي أحمد بوكماخ، وسينماتيك طنجة، ومسرح رياض السلطان، فضلًا عن معاهد ثقافية أجنبية وأروقة للفنون تستقطب جمهورًا من مختلف أنحاء المدينة.
لكنَّ تمركز جزءٍ مُهمٍّ من العرض الثقافي في المجال الحضري المركزي يثير تساؤلات عن قدرة سكان الأحياء البعيدة على الاستفادة من هذه الخِدْمات، خاصّةً الأطفال والشباب الذين قد تشكل تكاليف التنقل ومحدودية فضاءات القرب عائقًا أمام مشاركتهم في الأنشطة الفنية.
وفي هذا السياق، يرى القاص والإعلامي محمد سدحي، أنَّ طنجة تعيش «مفارقة مجالية كبيرة»، تتمثَّل في تمركز عدد من البنيات الثقافية، من دور السينما والمسارح وقاعات العرض، وسط المدينة وبالقرب من الشريط الساحلي، مقابل ما وصفه بـ«عزلة وجفاف ثقافي» في أحياء شعبية، من بينها بني مكادة ومغوغة ومسنانة.
وأوضح سدحي، أن هذه الفوارق ترتبط بثلاثة عوائق رئيسية؛ أولها بنيوي، يتمثل في نقص الفضاءات الثقافية الملائمة داخل بعض المناطق الهامشية، وثانيها اقتصادي يرتبط بالقدرة الشرائية وتكاليف التنقل نحو وسط المدينة.
أمّا العائق الثالث “بحسب المتحدث” فهو نفسي واجتماعي، ويتجلّى في شعور بعض سكان الأحياء الشعبية بأنَّ عددًا من الفضاءات الثقافية لا يعكس واقعهم أو لا يستجيب لانتظاراتهم، ما قد يحد من إقبالهم عليها.
*الكـــثافة الســـــكانية تـــطـرح ســؤال العدالة الثــقــافية
تكتسي مسألة التوزيع المجالي للمرافق الثقافية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم السكان في بعض مقاطعات طنجة. فقد أظهرت نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أنَّ عدد سكان مقاطعة بني مكادة يقارب 567 ألفَ نسمة، مقابل أكثر من 252 ألف نسمة بمقاطعة الشرف مغوغة.
وتعكس هذه الأرقام حجم الكتلة السكانية التي تعيش في المقاطعتين، وتدفع إلى التساؤل عن مدى تناسب البنيات الثقافية المتاحة مع حاجيات السكان، خصوصا ما يتعلق بالأنشطة الفنية والتربوية الموجهة للأطفال والشباب.
فالتحدّي لا يرتبط فقط بعدد المؤسسات الموجودة، بل أيضًا بموقعها الجغرافي، وطاقتها الاستيعابية، وتنوع برامجها، ومدى انتظام أنشطتها وقدرتها على استقطاب فئات لا تتوفر دائمًا على الوسائل اللازمة للتنقل إلى مركز المدينة.
*مشاريع ثقافية خارج المركز.. هل تحقق الأثر المطلوب؟
شهدت بني مكادة خلال السنوات الأخيرة إطلاقَ مبادرات تروم تقريب الثقافة من السكان، من بينها المركز الثقافي العمومي الذي افتتح في يناير 2024، باستثمار تجاوز 40 مليون درهم، ويضمُّ قاعة للعروض ومكتبات وفضاءات للتكوين الفني والموسيقي.
كما تحتضن المنطقة مركز «نجوم البوغاز»، الذي أطلقته مؤسسة «علي زاوا» سنة 2017، بهدف تمكين الشباب من ممارسة الفنون والاستفادة من ورشات في المسرح والموسيقى والرسم.
وتؤشر هذه المشاريع على وجود مبادرات ثقافية خارج المجال المركزي، لكنَّ قياس مدى مساهمتها في تقليص الفوارق المجالية يظل مرتبطًا بتوفر معطيات عن عدد المستفيدين، وانتظام الأنشطة، وحجم الإقبال عليها، ومدى ملاءمة برامجها لاحتياجات السكان.
وفي السياق ذاته، يبرز مشروع المكتبة الوسائطية «اقرأ» بمنطقة الزياتن، الذي رصد له غلاف مالي يقارب 48 مليون درهم، على مساحة تناهز 7500 متر مربع، ويضم فضاءات للمطالعة والوسائط المتعددة وقاعة للأنشطة.
وقد أثار تأخر فتح هذه المنشأة أمام العموم تساؤلات عن تدبير المشاريع الثقافية، والمدة التي تفصل بين إنجاز البنيات وتجهيزها وبين دخولها حيز الاستغلال الفعلي، بما يضمن استفادة السكان من الخدمات التي أنشئت من أجلها.
فنجاعة الاستثمار العمومي في المجال الثقافي لا تقاس بحجم الاعتمادات المالية أو المساحات المبنية وحدها، بل كذلك بقدرة المؤسسات على تقديم خِدْمات منتظمة، واستقطاب الجمهور، وتوفير برامج تستجيب للحاجيات المحلية.
*ثقافة القرب بدلا من التركيز على وسط المدينة
بالنسبة إلى محمد سدحي، فإن معالجة الفوارق الثقافية بطنجة تستدعي مراجعة المقاربة المعتمدة في توزيع المؤسسات والأنشطة الفنية، والانتقال إلى ما يُسمّيه «ثقافة القرب»، بما يجعل الاستفادة من الفنون متاحة لسكان مختلف الأحياء.
ويعتبر المتحدث أن تحقيق «العدالة الثقافية» يقتضي إحداث مراكز ثقافية ودور سينما متعددة الوسائط داخل الأحياء الشعبية، مع ضمان استمرارية أنشطتها ومساهمتها الفعلية في تنشيط الحياة المحلية. كما دعا إلى توجيه دعم مالي للجمعيات المحلية، حتى تتمكن من تنظيم عروض مسرحية ومعارض للفنون التشكيلية وأنشطة مرتبطة بالكتاب داخل المناطق البعيدة عن المركز، بدل حصر جانب كبير من البرمجة الثقافية في المؤسسات التقليدية.
وشدَّد أيضًا على أهمية إشراك المؤسسات التعليمية في هذه المقاربة، من خلال استغلال فضاءات المدارس العمومية خارج أوقات الدراسة لاحتضان نوادٍ فنية وأدبية، بما يتيح للأطفال والشباب فرصا لممارسة الأنشطة الثقافية بالقرب من أماكن إقامتهم.
وتفتح هذه المقترحات النقاش عن دور الجماعات الترابية والمؤسسات الثقافية والجمعيات المحلية في بناء شبكة متكاملة من الفضاءات والأنشطة، تراعي التفاوتات بين المقاطعات وتستجيب للتحولات الديموغرافية التي تعرفها المدينة.
*من بناء المؤسسات إلى ضمان استمرارية الأنشطة
لا يتوقف تقليص الفوارق الثقافية على تشييد مرافق جديدة، بل يتطلَّب أيضًا توفير الموارد البشرية والتمويل اللازمين، ووضع برامج سنوية واضحة، وضمان تنوع الأنشطة واستمراريتها.
ويبرز في هذا الإطار دور الجمعيات المحلية والمؤسسات التعليمية في الوصول إلى الفئات التي لا تشارك عادة في التظاهرات الثقافية، عبر تنظيم عروض متنقلة وورشات فنية ولقاءات أدبية داخل الأحياء السكنية.
وفي المقابل، تظلُّ الحاجة قائمة إلى جرد محين للمؤسسات الثقافية بطنجة، يحدد توزيعها الجغرافي وطاقتها الاستيعابية وطبيعة الخدمات التي تقدمها، إلى جانب معطيات عن أعداد المستفيدين ومستوى الإقبال، بما يسمح بتقييم الفوارق على أساس مؤشرات ميدانية دقيقة.
ومن شأن توفر هذه المعطيات أن يساعد على تحديد المناطق الأكثر حاجة إلى مرافق جديدة، وتوجيه الموارد نحو الأحياء التي تعاني نقصًا في العرض الثقافي، بدل الاكتفاء بتقييم السياسات انطلاقًا من عدد المشاريع المنجزة.
*الحـــق فـي الثقـــافـــة يتـجــــاوز المـهرجانــــات والمـعــارض
بين المعارض والمهرجانات والتظاهرات الفنية التي تعزز الحضور الثقافي لطنجة، يظل التحدي الأساسي مرتبطًا بمدى وصول هذه الأنشطة إلى سكان المناطق البعيدة عن المركز، وبقدرة الأطفال والشباب على الاستفادة من فرص متكافئة للتعلم والإبداع والمشاركة الثقافية.
ويعيد هذا النقاش طرح سؤال الأولويات في السياسات الثقافية المحلية: هل ينبغي مواصلة التركيز على المؤسسات الكبرى والتظاهرات الواسعة، أم تعزيز شبكة من الفضاءات القريبة من السكان، بما يضمن حضورًا يوميًّا للثقافة داخل الأحياء؟
فبالنسبة إلى سكان المناطق الشعبية، لا يقتصر الحق في الثقافة على إمكانية التنقل إلى وسط المدينة لحضور عرض مسرحي أو زيارة معرض فني، بل يشمل أيضًا توفر فضاءات دائمة تتيح لهم القراءة والتعلم وممارسة الفنون والمشاركة في الحياة الثقافية داخل أحيائهم.
وفي مدينة يتجاوز عدد سكانها 1.2 مليون نسمة، يصبح الرهان أكبر من تنظيم التظاهرات الموسمية؛ إذ يتعلق ببناء سياسة ثقافية أكثر توازنًا، تجعل القرب والاستمرارية والمشاركة المجتمعية معايير أساسية لتقييم أثر المشاريع والمبادرات.
ويبقى السؤال المطروح أمام الفاعلين المحليين هو مدى القدرة على تحويل الاستثمارات الثقافية القائمة والمبرمجة إلى خدمات ملموسة تصل إلى مختلف المقاطعات، حتّى لا تظل الفنون امتيازًا مرتبطًا بالموقع الجغرافي أو القدرة على التنقل، بل حقًا متاحًا لجميع سكان طنجة.


