مجتمع
النقل والدخول المدرسي بطنجة.. .. حـين يتـحوّل الطـريق إلـى عائـق أمـام الـتمـدرس
تلاميذ وطلبة بين اكتظاظ الحافلات وتأخر بطاقات الاشتراك
..والعالم القروي يواجه معضلة المسافة والنقل المدرسي
مع كل دخول مدرسي جديد، تعود إشكالية النقل إلى واجهة انشغالات الأسر والطلبة والتلاميذ بمدينة طنجة وبعدد من الجماعات التابعة لعمالة طنجة-أصيلة. فبينما يفترض أن يشكل الدخول المدرسي محطة للعودة المنتظمة إلى مقاعد الدراسة، يجد جزءٌ من الأسر نفسه أمام أسئلة مرتبطة بكيفية وصول أبنائها إلى المؤسسات التعليمية، وتكلفة التنقل، ومدى توفُّر وسائل نقل منتظمة وآمنة، خصوصًا بالنسبة إلى الذين يقطنون بعيدًا عن المؤسسات التي يتابعون فيها دراستهم.
وتزداد حدّة الإشكال عندما يتعلّق الأمر بالتلاميذ المنحدرين من العالم القروي، حيث تُصبح المسافة وغياب وسائل نقل كافية أو انتظامها عاملًا مؤثرًا في الاستمرار في الدراسة.
الدخول المدرسي للموسم 2026-2027 انطلق وفق رزنامة رسمية حددت استقبال المتعلمين على مراحل، ابتداء من 3 شتنبر، على أن تنطلق الدراسة بشكل فعلي وإلزامي في مختلف الأسلاك والمستويات يوم 7 شتنبر 2026.
لكن خلف هذا الموعد الإداري، يبرز واقعٌ آخر يهم آلاف الأسر: كيف يصل التلميذ أو الطالب إلى مدرسته أو معهده أو جامعته في ظروف ملائمة؟
*أزمة النقل الحضري تعود إلى الواجهة
داخل مدينة طنجة، يُشكّل النقل الحضري الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها عدد كبير من الطلبة والتلاميذ للوصول إلى المؤسسات التعليمية، خاصّةً بالنسبة إلى أبناء الأحياء البعيدة عن وسط المدينة أو عن المؤسسات التي يدرسون بها.
ومع بداية الموسم الدراسي، عاد ملف بطاقات الاشتراك المدرسية إلى الواجهة، حيث أفادت تقارير محلية خلال شتنبر بوجود تأخُّر في إصدار بطاقات الاشتراك وتجديدها الخاصة بالتلاميذ والطلبة لدى شركة النقل الحضري، ما دفع بعض الأسر إلى تحمل مصاريف التنقل اليومية في انتظار تسوية وضعية البطاقات.
وبالنسبة إلى الأسرة التي لديها أكثر من تلميذ، فإنَّ أي تأخر في الاستفادة من التعريفة المدرسية يمكن أن يتحول إلى عبء مالي إضافي، خصوصًا إذا استمرَّ لأسابيع.
ولا يتعلق الأمر فقط بثمن التذكرة، وإنَّما أيضًا بالوقت الذي يستغرقه التنقُّل، وبالازدحام الذي تعرفه بعض الخطوط خلال ساعات الذروة الصباحية وبعد انتهاء الحصص الدراسية. فالساعة التي يقضيها التلميذ في انتظار الحافلة أو داخلها، خصوصًا إذا تكررت يوميًّا، تصبح جزءًا من يومه الدراسي.
*الحافلة.. جزء من اليوم الدراسي
بالنسبة إلى التلميذ، لا يبدأ اليوم الدراسي لحظة دخول المؤسسة التعليمية؛ اليوم يبدأ في المنزل، ثم الطريق، ثم محطة الانتظار، وبعدها وسيلة النقل، قبل الوصول إلى باب المدرسة.
وفي مدينة تعرف توسعًا عمرانيًّا كبيرًا، وتباعدًا بين عدد من الأحياء والمؤسسات التعليمية، أصبح النقل عاملًا أساسيًّا في تنظيم الزمن المدرسي.
فالتلميذ الذي يقطن في أحد الأحياء الطرفية قد يكون مضطرًا إلى استعمال أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى مؤسسته، بينما قد يواجه الطالب الجامعي رحلةَ أطول، خصوصًا إذا كان يدرس في مؤسسة تقع بعيدًا عن مقر سكنه، ومن ثم، فإنَّ جودة النقل الحضري لا ترتبط فقط بالراحة، وإنما أيضًا بالقدرة على الوصول إلى المؤسسة التعليمية في الوقت المناسب.
*في العالم القروي.. المسافة أكبر
إذا كان النقل الحضري يمثل تحديًّا بالنسبة إلى أبناء مدينة طنجة، فإنَّ الوضع في العالم القروي أكثر تعقيدًا؛ فالمسافات الطويلة بين الدواوير والمؤسسات التعليمية، وصعوبة بعض المسالك، وغياب وسائل النقل المنتظمة في بعض المناطق، كلها عوامل تجعل النقل المدرسي جزءًا من معركة الاستمرار في الدراسة، وهو ملف يبدو أن السلطات المنتخبة بعمالة طنجة-أصيلة تدرك أهميته.
فخلال الدورة العادية لمجلس العمالة في يونيو 2026، كان من بين العروض المدرجة عرض شركة التنمية الإقليمية لتدبير النقل المدرسي «طريق المعرفة» بشأن حصيلة خدمات النقل المدرسي بالعمالة، إلى جانب مناقشة تدخلات المجلس في المجال القروي.
وقبل ذلك، كان المجلس قد صادق في ماي 2026 على اتفاقية شراكة تهدف إلى دعم النقل المدرسي واقتناء ست حافلات موجهة للعالم القروي، في إطار الجهود الرامية إلى دعم التمدرس والحد من الهدر المدرسي.هذه الخطوات تعكس وجود إرادة لتوسيع العرض، لكنَّها في الوقت نفسه تؤكد أن الحاجة إلى النقل المدرسي ما تزال قائمة وأن الملف يحتاج إلى موارد واستثمارات مستمرّة.
*طريق المعرفة.. رهان على النقل المدرسي
أصبح النقل المدرسي بالعالم القروي بعمالة طنجة-أصيلة موضوعًا يحظى باهتمام خاص من مجلس العمالة، خصوصًا بعد إسناد تدبير هذه الخدمة إلى شركة التنمية الإقليمية «طريق المعرفة».
وكان مجلس إدارة الشركة قد ناقش في دجنبر 2025، حصيلة انطلاق تدبير النقل المدرسي خلال الموسم الدراسي 2025-2026، مع تسجيل ارتفاع في عدد المستفيدين، إلى جانب مناقشة حاجيات صيانة الأسطول وتجديده، وكلفة الخدمات، وتوسيع التغطية نحو مناطق نائية، وفي ماي 2026، جاءت المصادقة على اقتناء ست حافلات جديدة لتقوية هذا العرض.
وفي شتنبر، عاد الملف إلى طاولة مجلس العمالة، الذي صادق على مشروع اتفاقية شراكة مع شركة «طريق المعرفة» ومؤسسة طنجة المتوسط للمساهمة في اقتناء حافلتين للنقل المدرسي، بهدف تعزيز العرض ودعم التمدرس.
*لماذا لا تزال المشكلة قائمة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن إضافة الحافلات يمكن أن تحل المشكلة، لكن النقل المدرسي في المجال القروي يرتبط بعدد من العوامل الأخرى.
فعدد الحافلات وحده لا يكفي إذا كانت المسافات طويلة، أو إذا كانت الدواوير متباعدة، أو كانت الطرق والمسالك في وضعية صعبة، أو إذا كان عدد التلاميذ يفوق الطاقة الاستيعابية المتاحة؛ كما أنّ النقل المدرسي يحتاج إلى صيانة مستمرة، وسائقين مؤهلين، وتنظيم دقيق للمسارات والمواعيد، فضلًا عن توفير شروط السلامة.
وهذا ما يجعل النقل المدرسي خدمة مرتبطة مباشرة بجودة التمدرس، وليس مجرد وسيلة للوصول إلى المدرسة.
الأمطار والظروف الجوية تكشف هشاشة بعض المسالك، وتجربة بداية سنة 2026 أظهرت أيضًا أهمية النقل والمسالك في ضمان استمرار الدراسة بالمناطق القروية.
فخلال فبراير الماضي، عُلّقت الدراسة في عدد من المناطق بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة بسبب الظروف الجوية، قبل استئنافها حضوريًّا في عمالة طنجة-أصيلة. وكانت المديرية الإقليمية قد شددت، خصوصًا بالنسبة للمؤسسات الموجودة بالعالم القروي، على تفعيل لجان اليقظة والتنسيق مع السلطات المحلية لضمان سلامة التلاميذ والأطر التربوية والإدارية.
هذه الواقعة تعطي فكرة عن ارتباط النقل المدرسي أيضًا بالظروف الطبيعية، خصوصًا في المناطق التي تكون فيها المسالك أكثر عرضة للتأثر بالأمطار أو الفيضانات.
*النقل والهدر المدرسي..علاقة مباشرة
عندما يصبح الوصول إلى المدرسة صعبًا، فإن خطر الانقطاع عن الدراسة يرتفع، خصوصًا في صفوف التلاميذ الذين يقطنون بعيدًا عن المؤسسات التعليمية.
ولهذا السبب، ظل النقل المدرسي القروي واحدًا من الأدوات التي يتم الاعتماد عليها لمحاربة الهدر المدرسي. وتشير مؤسسة طنجة المتوسط، في تقاريرها بشأن برامجها الاجتماعية، إلى دعمها لبرامج النقل المدرسي في المناطق القروية منذ سنوات، باعتبار نقص وسائل النقل أحد العوامل المرتبطة بالهدر المدرسي. كما أعلنت المؤسسة عن برامج لفائدة تلاميذ بالمناطق القروية.
وهذا يعني أن قضية النقل لم تعد مجرد ملف خدماتي، بل أصبحت مرتبطة مباشرةً بالحق في التعليم وتكافؤ الفرص بين التلميذ الذي يعيش داخل المجال الحضري والتلميذ الذي يقطن في دوار بعيد.
*بين المدينة والقرية.. معضلة واحدة بأوجه مختلفة
في طنجة، المشكلة تأخذ شكل الاكتظاظ وتأخر بطاقات الاشتراك وارتفاع كلفة التنقل بالنسبة إلى بعض الأسر. وفي العالم القروي، تأخذ المشكلة شكل المسافة، وعدد الحافلات، وحالة الطرق، وتوقيت الرحلات، وبعد المؤسسات التعليمية عن الدواوير.
لكن النتيجة المحتملة واحدة: وقت أطول للوصول إلى المدرسة، وكلفة أكبر على الأسرة، وضغط إضافي على التلميذ. ومن هنا، فإن معالجة النقل المدرسي تحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين النقل الحضري والنقل القروي، وتأخذ في الاعتبار التطور الديمغرافي والعمراني الذي تعرفه طنجة.
*هل يكفي إضافة الحافلات؟
السؤال المطروح اليوم ليس فقط: كم حافلة تمت إضافتها؟ بل أيضًا: هل تغطي هذه الحافلات المناطق التي تحتاج إليها فعلًا؟ وهل تتناسب الطاقة الاستيعابية مع عدد التلاميذ؟ وهل توجد مسارات واضحة ومنتظمة؟ وهل تصل الحافلات في الأوقات المناسبة؟ وهل تتمُّ مراقبة شروط السلامة والصيانة؟
وبالنسبة للنقل الحضري، تبرز أسئلة أخرى بشأن عدد الحافلات المخصصة للخطوط ذات الكثافة الطلابية، ومدى انتظام الرحلات، وآليات إصدار بطاقات الاشتراك وتجديدها قبل بداية الموسم الدراسي، حتى لا تتحوّل الإجراءات الإدارية إلى عائق أمام الأسر.
*الأسر تدفع الثمن
في نهاية المطاف، تبقى الأسرة هي الطرف الذي يتحمّل جزءًا كبيرًا من كلفة أي اختلال في النقل. فإذا تعذر على التلميذ استعمال الاشتراك المدرسي، تلجأ الأسرة إلى دفع ثمن التنقل اليومي.
وإذا لم تتوفر وسيلة نقل مدرسي قروية، قد تضطر الأسرة إلى البحث عن وسيلة بديلة، أو تحمل نفقات إضافية، أو في بعض الحالات إعادة النظر في قدرة الابن أو الابنة على الاستمرار في الدراسة بعيدًا عن الدوار.
ولهذا فإن النقاش بشأن النقل المدرسي يجب أن يضع الأسرة في قلب المعادلة، خصوصًا الأسر ذات الدخل المحدود.


