إقتصاد
المملكة تعتمدها في التصدير والأمم المتحدة صنفتها الأولى من حيث جلب الاستثمارات في الصناعة والسياحة واللوجيستيك والخدمات
هكذا تحولت طنجة إلى مصدر رئيسي لجلب العملة الصعبة إلى المغرب
الحديث عن التطوّر الَّذِي تعرفه مدينة طنجة، ليس مجرد كلامٍ دعائيٍّ يهدف إلى تسويق صورة إيجابيّة عن المدينة المغربية الأقرب جغرافيًّا إلى أوروبّا، بل الكلام هنا عن نهضةٍ اقتصاديّةٍ كبيرة تبرز من خلال الأنشطة التجارية المتزايدة، وتحوّل المدينة إلى مدينةٍ تنافسيّةٍ على مستوى الصناعة والخدمات واللوجستيك، الأمر الَّذِي لا تؤكده الأرقامُ الرسميّةُ الوطنيّةُ فقط، بل هناك إجماعٌ دوليٌّ على ذلك، وهو ما يتأكد من خلال العودة إلى تقرير الأمم المتحدة بشأن الاستثمارات في إفريقيا الصادر سنة 2018، الَّذِي صنف المدينة الأولى في جلب الاستثمارات وطنيًّا والثالثة قاريًا.
وحاليًا، أصبح شعار «ثاني أكبر قطب اقتصادي بالمملكة»، عبارةً متجاوزة؛ لأنَّ مدينة طنجة لم تعد فقط المدينة الَّتِي تلي الرباط في الأهمية الاقتصادية، بل هي فعليًا تنافسها على العديد من المستويات، وتتفوق عليها في بعض الأمور، مثل الخِدْمات اللوجيستية المينائية عن طريق المركب المينائي طنجة المتوسط، أو من خلال صناعة السيارات باحتضانها مصنع رونو، وبالتالي أضحت المدينة الَّتِي يتجاوز تعداد سكّانها المليون نسمة، إحدى الأعمدة الرئيسيّة لدخول العملة الصعبة إلى البلاد.
مئات الملايين عبر الميناء
ولا يمكن الحديث عن مساهمة طنجة في الاقتصاد الوطني وجلب العملة الصعبة إلى المملكة، إلا ونحن نستحضر ميناء طنجة المتوسطي، لأنَّ الأمر يتعلق بمركب عملاقٍ استطاع أن يتحوّل في غضون 16 عامًا إلى الشريان الرئيسي للعمليات التجارية بين المغرب وباقي دول العالم، وإلى منصة كبرى للاستثمارات بفضل ثقة العديد من المؤسّسات العملاقة في هَذَا المشروع ورغبتها في الاستفادة من الفرص والامتيازات الكبيرة الَّتِي توفرها.
وإذا ما قلنا إنَّ ميناء طنجة المتوسطي تحوّل إلى مصدر رئيسي للعملة الصعبة؛ فإنَّنا لا نتحدث من فراغ، لأنَّ كل ذلك تُؤكّده الأرقام الرسمية، وآخرها تصريحات المدير العام للسلطة المينائية لهَذَا المركب العملاق، حسن عبقري، الَّذِي قال قبل أسابيع الميناء يُمثّل حاليًا ما يقارب نصف تجارة المملكة مع بقية دول العالم من حيث الحجم والقيمة، كما أتاح تحقيق إعادة التوازن الترابي في شمال المغرب من خلال إنشاء قطبٍ صناعيٍّ واجتماعيٍّ جديدٍ، خلال أقل من 20 عامًا من عمره، مع توفيره أكثر من 100 ألف فرصة عمل والوصول إلى أكثر من 20 مليار يورو من حيث القيمة، خصوصًا في مجال التصدير سنة 2022.
وتحدَّث عبقري أيضًا، في حوار نُشر عبر جريدة «الصحيفة» في عددها لشهر يونيو 2023، عن المنطقة اللوجستية التابعة للمركب المينائي طنجة المتوسط، الَّتِي تُشغّلها شركته الفرعية «ميد هوب»، مُبرزًا أنَّها المنطقة إقبالًا قويًّا من طرف كبار العاملين في مجال اللوجستيك في العالم خلال السنوات القليلة الماضية، وضمن هَؤُلَاءِ الفاعلين نجد DHL- CEVA Logistics- Nippon Express- GEFCO- Dachser- Emirates- DECAHTLON- DB SHENKER- Adidas الَّذِينَ استقرّوا جميعًا في طنجة المتوسط من أجل تشغيل مركز التوزيع الخاص بهم نحو قارات إفريقيا وأوروبّا وأمريكا.
وأبرز المتحدّث نفسه، أنّه في سنة 2022، استقرت ما يقرب من 1200 شركة هناك، وهي قيد التشغيل حاليًا، ما رفع حجم الاستثمارات إلى 133 مليار درهم، أي نحو 13 مليار يورو، موضحًا أنَّ الشركات متعدّدة الجنسيات المنصّة الصناعية بفضل خصائص من حيث بنيتها التحتية، وَفْقًا للمعايير الدولية، ومزاياها التنافسية وقربها من الأسواق المستهدفة، ما يجعل من الممكن تعزيز قدرتها التنافسية وتصدير منتجاتها إلى الأسواق العالمية، وفي سنة 2022.
ويمكن التعرَّف على مساهمة ميناء طنجة المتوسط في الاقتصاد الوطني بالعودة إلى النتائج المالية السنوية الصادرة عن سلطاته، والخاصة بنهاية سنة 2022، إذ حقَّق المركب المينائي أرباحًا تناهز 100 مليون يورو، خلال العام الماضي، حيث انتقلت الأرباح من 713 مليون درهم عام 2021 إلى 960 مليون درهم العام الماضي، بزيادة قدرها 35 في المئة، أما رقم معاملات الميناء فسجلت 3،1 مليار درهم، بزيادة قدرها 11 في المائة، مُقارنةً بسنة 2021، حين كان الرقم في حدود 2،7 مليار درهم.
وأوضحت معطيات السنة المالية السابقة، الصادرة في بداية شهر مارس 2023، أنَّ الحجم المعالج من لدن ميناء طنجة المتوسط وصل إلى نحو 197 مليون طن، بزيادة 6 في المئة على أساس سنوي، تشمل 7،59 مليون حاوية، و459 ألف شاحنة للنقل الدولي، و478 ألف سيارة جديدة، تم تصديرها، ووَفْق ما ورد في بيان النتائج المالية أن سنة 2022 اتسمت بنمو في جميع المؤشرات المينائية، ليحتفظ المركب المينائي بالصدارة على المستويّين المتوسطيّ والإفريقيّ، ويُعزّز مكانته كمنصةٍ مرجعيةٍ للصادرات والواردات الوطنيّة.
والأرقام الَّتِي يُحققها المركب المينائي مرتبطة أساسًا بأنشطته التجارية، خصوصًا عمليات الاستيراد والتصدير، ففي سنة 2022 وحدها استطاع معالجة 7،59 مليون حاوية، أمَّا شاحنات النقل الدولي العابر للقارات المتخصّصة في تصدير واستيراد البضائع، فمرت 459 ألف منها عبر هَذِهِ البوابة المينائية، كما أنّه أصبح المنصةَ الرئيسيّةَ لتصدير السيارات وخصوصًا منها سيارات رونو، الَّتِي يتم تصنيعها في طنجة، إذ تمّ العام الماضي تصدير 478 سيارة، وهي كلّها عمليات تتمُّ بواسطة العملة الصعبة.
صناعة السيارات تنافس الفوسفاط
لم تعد صناعة السيَّارات بالمغرب مجرد صناعة ناشئة تبحث لنفسها عن موطئ قدم بين الصناعات الأخرى، بل إنَّ المجهودات الَّتِي بُذلت منذ الستينيّات، الَّتِي عرفت زخمًا كبيرًا في بداية الألفينات مع وصول الملك محمد السادس إلى العرش، حوّلت المغرب إلى بلد يمتلك أهمّ منظومة لهَذِهِ الصناعة في القارة الإفريقية والعالم العربي، وتحوّلت السيَّارات الَّتِي تُصدر نحو الخارج، إلى مصدر رئيسي لجلب العملة الصعبة إلى المملكة، الأمر الَّذِي تُؤكّده سنويًا أرقام مكتب الصرف.
وفي ظلّ النمو المستمرّ لهَذِهِ المنظومة، يبرز مصنع «رونو» طنجة، الَّذِي يُعدُّ اللاعب الأبرز في مجال صناعة السيَّارات في المغرب، بفضل تصنيعه للعديد من طرازات علامات داسيا المطلوبة للسوق المحلية وأيضًا للسوق الأوروبيّة، الَّتِي أصبح تجد لها مكانًا أكبر في إفريقيا وآسيا أيضًا، على غرار داسيا لوغان وسانديرو ولودجي وداستر، مع نسبة إدماج تقترب من 65 في المئة، أي أن ثُلثي السيارة مصنعة تمامًا بأي مغربية، مع طموح مُعلن للوصول إلى 80 في المئة مستقبلًا.
وأصبحت السيَّارات المُصنعة في طنجة مصدرًا رئيسيًّا للعملة الصعبة، الأمر الَّذِي تُؤكّده الأرقام الصادرة عن الشركة نفسها، ففي يناير الماضي أعلنت أنها خلال سنة 2022 تمكنت من إنتاج 350 ألف سيارة، تمّ تصدير 86 في المئة منها إلى 71 بلدًا، حيث تجاوزت المؤسّسة ما أُنتج من سيَّارات عبر مصنعيها بطنجة والدار البيضاء في سنة 2021 بأكثر من 90 ألف سيّارة، حيث كان الإنتاج المسجل حينها هو 254 ألف سيارة فقط، وتمّ تصدير منها نسبة 84 بالمئة منها.
وحسب أرقام الشركة الخاصة بسنة 2022، دائمًا، فإنّ مصنع رونو طنجة، الَّذِي يُشغل 6244 شخصًا، أنتج وحده 255.494 سيارة، أي بمعدل زيادة بلغ 11 في المئة، مُقارنةً بسنة 2021، في حين حقَّق مصنع رونو بالدار البيضاء «صوماكا» رقمًا قياسيًّا جديدًا في الإنتاج، الَّذِي بلغ 94.524 سيارة، أي بزيادة نسبتها 20 في المئة، مُقارنةً بسنة 2021.
ولفهم انعكاس ذلك على مداخل المملكة، وجبت العودة إلى الأرقام الرسمية، الَّتِي تُؤكّد أن مداخيل قطاع السيَّارات في المغرب أضحت تناطح صادرات الفوسفاط، الثروة الطبيعية الأكبر في المملكة، وهكذا فقد أفاد مكتب الصرف، في فبراير الماضي، بأن مبيعات قطاع السيَّارات بلغت 111،28 مليار درهم، أي نحو 11 مليار أورو، برسم سنة 2022، بارتفاع بنسبة 33 في المئة، مُقارنةً بسنة 2021.
وأبرز المكتب، أنَّ قطاع السيَّارات احتل المرتبة الثانية كأفضل قطاع تصدير برسم سنة 2022 بعد قطاع الفوسفاط ومشتقاته، حيث بلغت مبيعات هَذَا الأخير أزيد من 115،48 مليار درهم خلال سنة 2022، أي بارتفاع بنسبة 43،9 في المئة، مُقارنةً بسنة 2021، في حين سجلت صادرات المنتجات الفلاحية ومنتجات الصناعة الغذائية زيادة بنسبة 16،2 في المئة، لتبلغ 81،2 مليار درهم، أما مبيعات النسيج والجلد فارتفعت بنسبة 20،7 في المئة، لتستقر في حدود 43،9 مليار درهم السنة الماضية.
ومن المتوقع، أن تستمرَّ قيمة العملة الصعبة، الَّتِي تصل إلى المغرب بفضل صناعة السيَّارات في النمو سنة 2023، ففي نهاية شهر يونيو الماضي، أفاد مكتب الصرف، بأنّ مبيعات قطاع السيَّارات بلغت نحو 57،84 مليار درهم، عند متم شهر ماي المنصرم، بارتفاع نسبته 39،9 في المئة، مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية.
وأوضح المكتب، في وثيقة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، أنَّ هَذَا التطور يعزى إلى ارتفاع المبيعات في كلّ فروع القطاع، بما في ذلك فروع التصنيع الَّتِي ارتفعت بزائد 35،9 في المائة، وتوصيل الأسلاك الكهربائية، الَّتِي ارتفعت بزائد 46،3 في المئة، والجزء الداخلي للسيَّارات والمقاعد الَّتِي ارتفعت بزائد 31،9 في المئة.
وتحظى مساهمة مصنع طنجة في هَذِهِ المنظمة باعتراف حكومي صريح، إذ حسب وزارة الصناعة والتجارة، لعب مصنع طنجة دورًا محفزًا في التحول الَّذِي تعرفه صناعة السيارات المغربية، بتصنيع 2.360.000 سيارة منذ بدء تشغيله في عام 2012، وقد مكن من تحقيق بروز قويّ للمنظومة الصناعية للسيَّارات الَّتِي لا تزال في نمو متواصل.
السياح والجالية.. نقطة قوة لطنجة
وعند الحديث عن مساهمة طنجة في جلب العملة الصعبة إلى المغرب، لا بُدّ من الحديث عن مصادر أخرى، أصبحت تمثل فارقًا في الاقتصاد الوطني، على غرار مداخل السياحة، إذ تُعدُّ المدينة، المطلة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، من بين أكثر المدن استقطابًا للسيَّاح على المستوى الوطنيّ، وإلى جانب ذلك لا بُدّ من استحضار مساهمات المدينة باعتبارها بوابةً للعابرين من وإلى المغرب عبر ميناء طنجة المتوسطي وميناء طنجة المدينة، ثُمّ عبر مطار ابن بطوطة الدولي، هَذَا دون نسيان أنَّ المدينة هي المعبر الرئيس للجالية المغربية المقيمة في الخارج إحدى المصادر الرئيسية للعملة الصعبة.
وفي 6 يوليوز الجاري قدّمت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، عرضًا أمام المجلس الحكومي برئاسة عزيز أخنوش رئيس الحكومة، بعنوان «السياحة.. المنجزات المحققة وخارطة الطريق 2023 – 2026»، حيث كشفت أنَّ قطاع السياحة في المغرب يشهد دينامية جد إيجابيّة، الَّتِي تعكسها الإنجازات المسجلة منذ 2022، مبرزةً أنَّ عدد السيَّاح الوافدين، خلال سنة 2022 بلغ 11 مليون سائح، أي ما يُعادل استرجاع السيَّاح بنسبة 84 في المئة، مُقارنةً مع سنة 2019 ما قبل الأزمة، بفضل التدابير الاستباقية، الَّتِي اتّخذها المغرب، مضيفة أن هَذِهِ الانتعاشة مكنت من تحصيل مداخيل سياحية قياسية بالعملة الصعبة، ناهزت 94 مليار درهم، مسجلةً ارتفاعًا بنسبة 19 في المئة، مُقارنةً مع 2019.
وللتعرّف أكثر على مدى مساهمة مدينة طنجة في ذلك، سنعود إلى معطيات مرصد السياحة الَّذِي أفاد، في أبريل الماضي أن إجمالي عدد ليالي المبيت بالمؤسّسات السياحيّة المصنفة بالمدينة، عند متم فبراير 2023، سجل ارتفاعًا بلغ 245 في المئة، مُقارنةً بالفترة ذاتها من سنة 2022، مبرزًا أنَّ مدينة الصويرة حقَّقت أعلى معدل استرداد، مُقارنةً بشهر يناير وفبراير من سنة 2019، حيث بلغ نسبة 114 في المئة، تليها طنجة الَّتِي حلّت ثانية رفقة الرباط ومراكش بنسبة 113 في المئة لكل منها، علمًا أنَّ مداخيل السفر بالعملة الصعبة والمدرة من النشاط السياحي لغير المقيمين بالمغرب، بلغت خلال الفترة الممتدة من يناير إلى فبراير 2023، ما مجموعه 16 مليار درهم مقابل 10،6 مليار درهم برسم سنة 2019، أي بارتفاع بنسبة زائد 51 في المئة.
وإذا كانت ثنائية مراكش وأكادير ما زالت تتصدّر المدن المستقطبة للسيَّاح الأجانب على المستوى الوطني، باستقطابهما تواليًا 30 و16 في المئة من إجمالي السيَّاح، وَفْق أرقام السنة المرجعية 2019، الَّتِي شهدت استقطاب المملكة لـ13 مليون سائح، فإنَّ طنجة تحتلّ الرتبة الرابعة بنسبة 5 في المئة، بعد الدار البيضاء بـ8 في المئة وقبل فاس بـ4 في المئة.
لكنّ الشيءَ الَّذِي لا تستطيع أي مدينة مغربية أخرى منافسة طنجة فيه هو استقطاب أفراد الجالية المغربية المقيمة في الخارج، فالمُغتربون المغاربة أصبحوا يشكّلون العمود الفقري للعملة الصعبة بالمملكة، إذ وَفْق معطيات مكتب الصرف الصادرة مع متم سنة 2022 فقد جرى تحويل ما مجموعه 109،1 مليار درهم إلى المملكة من طرف أفراد الجالية، خلال سنة واحدة، وهو ثلث قيمة الرصيد الحالي للمغرب.
وللإشارة، فإنَّ أفراد الجالية يجلبون الأموال معهم على شكل «كاش» خلال فترة الصيف أيضًا، علمًا أنَّ ميناء طنجة المتوسطي، استقبل وحده العام الماضي خلال عملية «مرحبا» مليونًا و350 ألف شخص، وَفْق أرقام السلطات المينائية، من أصل أكثر من 3 ملايين شخص وصلوا المغرب خلال فترة الصيف، لكن لا توجد أرقام رسميّة حول إنفاق أفراد الجالية خلال فترة الصيف.


