تواصل معنا

ثقافة

الثقافة في طنجة.. هل تصل الفنون إلى الأحياء الشعبية أم تظل حبيسة وسط المدينة؟

تطرح‭ ‬الفوارق‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأنشطة‭ ‬الثقافية‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬تساؤلاتٍ‭ ‬متجدّدةً‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬استفادة‭ ‬سكان‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية‭ ‬والسينمائية‭ ‬والفنون‭ ‬التشكيلية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تمركز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الفضاءات‭ ‬الفنية‭ ‬وسط‭ ‬المدينة،‭ ‬مقابل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تقريب‭ ‬الخِدْمات‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬ذات‭ ‬كثافة‭ ‬سكانية‭ ‬مرتفعة،‭ ‬مثل‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬ومغوغة‭ ‬ومسنانة‭ ‬والعوامة‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تنظيم‭ ‬الدورة‭ ‬الرابعة‭ ‬عشرة‭ ‬للمعرض‭ ‬الجهوي‭ ‬للنشر‭ ‬والكتاب،‭ ‬الممتدة‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬16‭ ‬أكتوبر،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواصل‭ ‬فيه‭ ‬طنجة‭ ‬توسُّعها‭ ‬العمراني‭ ‬والديموغرافي،‭ ‬بما‭ ‬يفرض‭ ‬تحدِّياتٍ‭ ‬جديدةً‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬الثقافية‭ ‬المحلية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بضمان‭ ‬وصول‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمجالية‭ ‬إلى‭ ‬الفنون‭ ‬والمعرفة‭.‬

*مؤسسات‭ ‬ثقافية‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬وأحياء‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬فضاءات‭ ‬للقرب

تضمُّ‭ ‬المناطق‭ ‬المركزية‭ ‬بطنجة‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬أحمد‭ ‬بوكماخ،‭ ‬وسينماتيك‭ ‬طنجة،‭ ‬ومسرح‭ ‬رياض‭ ‬السلطان،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬معاهد‭ ‬ثقافية‭ ‬أجنبية‭ ‬وأروقة‭ ‬للفنون‭ ‬تستقطب‭ ‬جمهورًا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬المدينة‭.‬

لكنَّ‭ ‬تمركز‭ ‬جزءٍ‭ ‬مُهمٍّ‭ ‬من‭ ‬العرض‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الحضري‭ ‬المركزي‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬عن‭ ‬قدرة‭ ‬سكان‭ ‬الأحياء‭ ‬البعيدة‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخِدْمات،‭ ‬خاصّةً‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬تشكل‭ ‬تكاليف‭ ‬التنقل‭ ‬ومحدودية‭ ‬فضاءات‭ ‬القرب‭ ‬عائقًا‭ ‬أمام‭ ‬مشاركتهم‭ ‬في‭ ‬الأنشطة‭ ‬الفنية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يرى‭ ‬القاص‭ ‬والإعلامي‭ ‬محمد‭ ‬سدحي،‭ ‬أنَّ‭ ‬طنجة‭ ‬تعيش‭ ‬‮«‬مفارقة‭ ‬مجالية‭ ‬كبيرة‮»‬،‭ ‬تتمثَّل‭ ‬في‭ ‬تمركز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬البنيات‭ ‬الثقافية،‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬والمسارح‭ ‬وقاعات‭ ‬العرض،‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬وبالقرب‭ ‬من‭ ‬الشريط‭ ‬الساحلي،‭ ‬مقابل‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«عزلة‭ ‬وجفاف‭ ‬ثقافي‮»‬‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬شعبية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬ومغوغة‭ ‬ومسنانة‭.‬

وأوضح‭ ‬سدحي،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الفوارق‭ ‬ترتبط‭ ‬بثلاثة‭ ‬عوائق‭ ‬رئيسية؛‭ ‬أولها‭ ‬بنيوي،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬الفضاءات‭ ‬الثقافية‭ ‬الملائمة‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬الهامشية،‭ ‬وثانيها‭ ‬اقتصادي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وتكاليف‭ ‬التنقل‭ ‬نحو‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭.‬

أمّا‭ ‬العائق‭ ‬الثالث‭ “‬بحسب‭ ‬المتحدث‭” ‬فهو‭ ‬نفسي‭ ‬واجتماعي،‭ ‬ويتجلّى‭ ‬في‭ ‬شعور‭ ‬بعض‭ ‬سكان‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬بأنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الفضاءات‭ ‬الثقافية‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬واقعهم‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يستجيب‭ ‬لانتظاراتهم،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬إقبالهم‭ ‬عليها‭.‬

*الكـــثافة‭ ‬الســـــكانية‭ ‬تـــطـرح‭ ‬ســؤال‭ ‬العدالة‭ ‬الثــقــافية

تكتسي‭ ‬مسألة‭ ‬التوزيع‭ ‬المجالي‭ ‬للمرافق‭ ‬الثقافية‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مقاطعات‭ ‬طنجة‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬نتائج‭ ‬الإحصاء‭ ‬العام‭ ‬للسكان‭ ‬والسكنى‭ ‬لسنة‭ ‬2024‭ ‬أنَّ‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬مقاطعة‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬يقارب‭ ‬567‭ ‬ألفَ‭ ‬نسمة،‭ ‬مقابل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬252‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬بمقاطعة‭ ‬الشرف‭ ‬مغوغة‭.‬

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬حجم‭ ‬الكتلة‭ ‬السكانية‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬المقاطعتين،‭ ‬وتدفع‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬تناسب‭ ‬البنيات‭ ‬الثقافية‭ ‬المتاحة‭ ‬مع‭ ‬حاجيات‭ ‬السكان،‭ ‬خصوصا‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأنشطة‭ ‬الفنية‭ ‬والتربوية‭ ‬الموجهة‭ ‬للأطفال‭ ‬والشباب‭.‬

فالتحدّي‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬المؤسسات‭ ‬الموجودة،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بموقعها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬وطاقتها‭ ‬الاستيعابية،‭ ‬وتنوع‭ ‬برامجها،‭ ‬ومدى‭ ‬انتظام‭ ‬أنشطتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬فئات‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬الوسائل‭ ‬اللازمة‭ ‬للتنقل‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬المدينة‭.‬

*مشاريع‭ ‬ثقافية‭ ‬خارج‭ ‬المركز‭.. ‬هل‭ ‬تحقق‭ ‬الأثر‭ ‬المطلوب؟

شهدت‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إطلاقَ‭ ‬مبادرات‭ ‬تروم‭ ‬تقريب‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬العمومي‭ ‬الذي‭ ‬افتتح‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2024،‭ ‬باستثمار‭ ‬تجاوز‭ ‬40‭ ‬مليون‭ ‬درهم،‭ ‬ويضمُّ‭ ‬قاعة‭ ‬للعروض‭ ‬ومكتبات‭ ‬وفضاءات‭ ‬للتكوين‭ ‬الفني‭ ‬والموسيقي‭.‬

كما‭ ‬تحتضن‭ ‬المنطقة‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬نجوم‭ ‬البوغاز‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬أطلقته‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬علي‭ ‬زاوا‮»‬‭ ‬سنة‭ ‬2017،‭ ‬بهدف‭ ‬تمكين‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬الفنون‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬ورشات‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬والموسيقى‭ ‬والرسم‭.‬

وتؤشر‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مبادرات‭ ‬ثقافية‭ ‬خارج‭ ‬المجال‭ ‬المركزي،‭ ‬لكنَّ‭ ‬قياس‭ ‬مدى‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بتوفر‭ ‬معطيات‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬المستفيدين،‭ ‬وانتظام‭ ‬الأنشطة،‭ ‬وحجم‭ ‬الإقبال‭ ‬عليها،‭ ‬ومدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬برامجها‭ ‬لاحتياجات‭ ‬السكان‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬يبرز‭ ‬مشروع‭ ‬المكتبة‭ ‬الوسائطية‭ ‬‮«‬اقرأ‮»‬‭ ‬بمنطقة‭ ‬الزياتن،‭ ‬الذي‭ ‬رصد‭ ‬له‭ ‬غلاف‭ ‬مالي‭ ‬يقارب‭ ‬48‭ ‬مليون‭ ‬درهم،‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬تناهز‭ ‬7500‭ ‬متر‭ ‬مربع،‭ ‬ويضم‭ ‬فضاءات‭ ‬للمطالعة‭ ‬والوسائط‭ ‬المتعددة‭ ‬وقاعة‭ ‬للأنشطة‭.‬

وقد‭ ‬أثار‭ ‬تأخر‭ ‬فتح‭ ‬هذه‭ ‬المنشأة‭ ‬أمام‭ ‬العموم‭ ‬تساؤلات‭ ‬عن‭ ‬تدبير‭ ‬المشاريع‭ ‬الثقافية،‭ ‬والمدة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬إنجاز‭ ‬البنيات‭ ‬وتجهيزها‭ ‬وبين‭ ‬دخولها‭ ‬حيز‭ ‬الاستغلال‭ ‬الفعلي،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استفادة‭ ‬السكان‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬أنشئت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭.‬

فنجاعة‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بحجم‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬المساحات‭ ‬المبنية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬بقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬خِدْمات‭ ‬منتظمة،‭ ‬واستقطاب‭ ‬الجمهور،‭ ‬وتوفير‭ ‬برامج‭ ‬تستجيب‭ ‬للحاجيات‭ ‬المحلية‭.‬

*ثقافة‭ ‬القرب‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬وسط‭ ‬المدينة

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬محمد‭ ‬سدحي،‭ ‬فإن‭ ‬معالجة‭ ‬الفوارق‭ ‬الثقافية‭ ‬بطنجة‭ ‬تستدعي‭ ‬مراجعة‭ ‬المقاربة‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأنشطة‭ ‬الفنية،‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُسمّيه‭ ‬‮«‬ثقافة‭ ‬القرب‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬متاحة‭ ‬لسكان‭ ‬مختلف‭ ‬الأحياء‭.‬

ويعتبر‭ ‬المتحدث‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬‮«‬العدالة‭ ‬الثقافية‮»‬‭ ‬يقتضي‭ ‬إحداث‭ ‬مراكز‭ ‬ثقافية‭ ‬ودور‭ ‬سينما‭ ‬متعددة‭ ‬الوسائط‭ ‬داخل‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬أنشطتها‭ ‬ومساهمتها‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الحياة‭ ‬المحلية‭. ‬كما‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬للجمعيات‭ ‬المحلية،‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬عروض‭ ‬مسرحية‭ ‬ومعارض‭ ‬للفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬وأنشطة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالكتاب‭ ‬داخل‭ ‬المناطق‭ ‬البعيدة‭ ‬عن‭ ‬المركز،‭ ‬بدل‭ ‬حصر‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬البرمجة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التقليدية‭.‬

وشدَّد‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬إشراك‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استغلال‭ ‬فضاءات‭ ‬المدارس‭ ‬العمومية‭ ‬خارج‭ ‬أوقات‭ ‬الدراسة‭ ‬لاحتضان‭ ‬نوادٍ‭ ‬فنية‭ ‬وأدبية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬للأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬فرصا‭ ‬لممارسة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الثقافية‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬إقامتهم‭.‬

وتفتح‭ ‬هذه‭ ‬المقترحات‭ ‬النقاش‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والجمعيات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الفضاءات‭ ‬والأنشطة،‭ ‬تراعي‭ ‬التفاوتات‭ ‬بين‭ ‬المقاطعات‭ ‬وتستجيب‭ ‬للتحولات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬المدينة‭.‬

*من‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الأنشطة

لا‭ ‬يتوقف‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬الثقافية‭ ‬على‭ ‬تشييد‭ ‬مرافق‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬يتطلَّب‭ ‬أيضًا‭ ‬توفير‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والتمويل‭ ‬اللازمين،‭ ‬ووضع‭ ‬برامج‭ ‬سنوية‭ ‬واضحة،‭ ‬وضمان‭ ‬تنوع‭ ‬الأنشطة‭ ‬واستمراريتها‭.‬

ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬دور‭ ‬الجمعيات‭ ‬المحلية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشارك‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬التظاهرات‭ ‬الثقافية،‭ ‬عبر‭ ‬تنظيم‭ ‬عروض‭ ‬متنقلة‭ ‬وورشات‭ ‬فنية‭ ‬ولقاءات‭ ‬أدبية‭ ‬داخل‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تظلُّ‭ ‬الحاجة‭ ‬قائمة‭ ‬إلى‭ ‬جرد‭ ‬محين‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬بطنجة،‭ ‬يحدد‭ ‬توزيعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬وطاقتها‭ ‬الاستيعابية‭ ‬وطبيعة‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬معطيات‭ ‬عن‭ ‬أعداد‭ ‬المستفيدين‭ ‬ومستوى‭ ‬الإقبال،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتقييم‭ ‬الفوارق‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مؤشرات‭ ‬ميدانية‭ ‬دقيقة‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬توفر‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬المناطق‭ ‬الأكثر‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬مرافق‭ ‬جديدة،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬الأحياء‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬نقصًا‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬الثقافي،‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بتقييم‭ ‬السياسات‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬المشاريع‭ ‬المنجزة‭.‬

*الحـــق‭ ‬فـي‭ ‬الثقـــافـــة‭ ‬يتـجــــاوز‭ ‬المـهرجانــــات‭ ‬والمـعــارض

بين‭ ‬المعارض‭ ‬والمهرجانات‭ ‬والتظاهرات‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬الحضور‭ ‬الثقافي‭ ‬لطنجة،‭ ‬يظل‭ ‬التحدي‭ ‬الأساسي‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بمدى‭ ‬وصول‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬إلى‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬البعيدة‭ ‬عن‭ ‬المركز،‭ ‬وبقدرة‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬متكافئة‭ ‬للتعلم‭ ‬والإبداع‭ ‬والمشاركة‭ ‬الثقافية‭.‬

ويعيد‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬الأولويات‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الثقافية‭ ‬المحلية‭: ‬هل‭ ‬ينبغي‭ ‬مواصلة‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكبرى‭ ‬والتظاهرات‭ ‬الواسعة،‭ ‬أم‭ ‬تعزيز‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الفضاءات‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬حضورًا‭ ‬يوميًّا‭ ‬للثقافة‭ ‬داخل‭ ‬الأحياء؟

فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬الشعبية،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬التنقل‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬لحضور‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي‭ ‬أو‭ ‬زيارة‭ ‬معرض‭ ‬فني،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬توفر‭ ‬فضاءات‭ ‬دائمة‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬القراءة‭ ‬والتعلم‭ ‬وممارسة‭ ‬الفنون‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬داخل‭ ‬أحيائهم‭.‬

وفي‭ ‬مدينة‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬يصبح‭ ‬الرهان‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬التظاهرات‭ ‬الموسمية؛‭ ‬إذ‭ ‬يتعلق‭ ‬ببناء‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا،‭ ‬تجعل‭ ‬القرب‭ ‬والاستمرارية‭ ‬والمشاركة‭ ‬المجتمعية‭ ‬معايير‭ ‬أساسية‭ ‬لتقييم‭ ‬أثر‭ ‬المشاريع‭ ‬والمبادرات‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬أمام‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الثقافية‭ ‬القائمة‭ ‬والمبرمجة‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬ملموسة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬المقاطعات،‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬الفنون‭ ‬امتيازًا‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بالموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬أو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنقل،‭ ‬بل‭ ‬حقًا‭ ‬متاحًا‭ ‬لجميع‭ ‬سكان‭ ‬طنجة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك