تواصل معنا

آخر الأخبار

«الحولي بمليون».. حين يتم امتصاص دم سكان طنجة بحجة أنهم يعيشون في مدينة «غنية»

المدينة‭ ‬تعاني‭ ‬غلاءً‭ ‬فاحشًا‭ ‬لا‭ ‬يواكب‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭.. ‬وعيد‭ ‬الأضحى‭ ‬يفضح‭ ‬استهدافها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬الربح‭ ‬السهل

لم‭ ‬يعد‭ ‬الغلاء‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬مجرد‭ ‬موجة‭ ‬ظرفية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمواسم‭ ‬أو‭ ‬بالأزمات‭ ‬العابرة،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّل‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬إلى‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬داخل‭ ‬مدينة‭ ‬تعيش‭ ‬مفارقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬لافتة،‭ ‬فبينما‭ ‬تُقدَّم‭ ‬المدينة‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬قصص‭ ‬النجاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬يجد‭ ‬جزءٌ‭ ‬واسعٌ‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تكاليف‭ ‬معيشة‭ ‬تزداد‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬سنة‭ ‬تلو‭ ‬أخرى،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يواكب‭ ‬ذلك‭ ‬تحسّن‭ ‬ملموس‭ ‬مماثل‭ ‬في‭ ‬الدخل‭ ‬أو‭ ‬يواكب‭ ‬الغلاء‭ ‬المتزايد،‭ ‬وهكذا،‭ ‬أصبحت‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تسوق‭ ‬باعتبارها‭ ‬واجهة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياحية‭ ‬حديثة،‭ ‬فضاء‭ ‬تتعمّق‭ ‬داخله‭ ‬الفوارق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وضغوط‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬على‭ ‬الطبقات‭ ‬المتوسّطة‭ ‬والشعبية‭.‬

ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬بوضوح‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬حيث‭ ‬تتحوَّل‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬الاختلالات‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬السوق‭ ‬المحلي،‭ ‬من‭ ‬المضاربة‭ ‬وهيمنة‭ ‬الوسطاء‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬المراقبة‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يفوق‭ ‬المنطق‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للسكان،‭ ‬فطنجة‭ ‬التي‭ ‬تتصدَّر‭ ‬مؤشرات‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬وليس‭ ‬المغرب‭ ‬فقط،‭ ‬تُسجّل‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬عملية‭ ‬تدمير‭ ‬خطيرة‭ ‬للقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬الكبرى،‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬مهما‭ ‬بدا‭ ‬ضخمًا‭ ‬في‭ ‬الأرقام،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحسُّنًا‭ ‬فعليًّا‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬عيش‭ ‬المواطنين‭.‬

*سيناريو‭ ‬الغلاء‭ ‬يتفاقم‭ ‬في‭ ‬طنجة

تشهد‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬سنوات‮»‬‭ ‬موجة‭ ‬غلاء‭ ‬متواصلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬مُعيّن،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تمسّ‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬من‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات‭ ‬والكراء‭ ‬إلى‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والمطاعم‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي‭ ‬التي‭ ‬تحوَّلت‭ ‬‮«‬بدورها‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬تعكس‭ ‬فيه‭ ‬المدينة‭ ‬صورتها‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أغلى‭ ‬مدن‭ ‬المغرب،‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬لافتًا،‭ ‬وسط‭ ‬استياء‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬مجاراة‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الأثمان‭.‬

ويعتبر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬أنَّ‭ ‬أسعار‭ ‬المواشي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬أصبحت‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لفئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬خاصّة‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬والطبقات‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬تُشكّل‭ ‬جزءًّا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬التركيبة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمدينة،‭ ‬فرغم‭ ‬الصورة‭ ‬النمطيّة‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬بعض‭ ‬تجار‭ ‬المواشي‭ ‬عن‭ ‬طنجة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مدينة‭ ‬للأثرياء‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال‭ ‬والمهاجرين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬دون‭ ‬تردد،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا،‭ ‬إذ‭ ‬تضمُّ‭ ‬المدينة‭ ‬مزيجًا‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬واسعًا،‭ ‬من‭ ‬موظفين‭ ‬وعمّال‭ ‬وحرفيين‭ ‬وأسر‭ ‬محدودة‭ ‬الدخل‭ ‬تعاني‭ ‬‮«‬بدورها‮»‬‭ ‬ضغوطَ‭ ‬المعيشة‭ ‬وارتفاعَ‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المسبقة‭ ‬تدفع‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬التجّار‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬بصورة‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬اعتقاد‭ ‬راسخ‭ ‬بأن‭ ‬سكان‭ ‬طنجة‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬تحمّل‭ ‬أي‭ ‬تكلفة،‭ ‬مما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬أثمنة‭ ‬الأضاحي‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬‮«‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ ‬5000‭ ‬درهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬للخروف‭ ‬العادي،‭ ‬فيما‭ ‬تتجاوز‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬درهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬للخرفان‭ ‬الكبيرة‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬يُروّج‭ ‬لها‭ ‬باعتبارها‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭ ‬عالية،‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬أصبحت‭ ‬تثير‭ ‬صدمةً‭ ‬لدى‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصعبة‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬مختلف‭ ‬الموادّ‭ ‬الأساسية‭.‬

ولا‭ ‬يرتبط‭ ‬هذا‭ ‬الغلاء‭ ‬فقط‭ ‬بتكاليف‭ ‬التربية‭ ‬أو‭ ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬الأعلاف،‭ ‬بل‭ ‬يرى‭ ‬متابعون،‭ ‬أن‭ ‬كثرة‭ ‬الوسطاء‭ ‬والسماسرة‭ ‬‮«‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«الشناقة‮»»‬‭ ‬داخل‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي،‭ ‬تُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تضخّم‭ ‬الأسعار،‭ ‬فالمواشي‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬عدّة‭ ‬حلقات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي،‭ ‬وكل‭ ‬طرف‭ ‬يضيف‭ ‬هامشَ‭ ‬ربح‭ ‬خاصًا‭ ‬به،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تضاعف‭ ‬الثمن‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة،‭ ‬مُقارنةً‭ ‬بالسعر‭ ‬الأصلي‭ ‬الذي‭ ‬يبيع‭ ‬به‭ ‬المربي‭ ‬أو‭ ‬الفلاح‭ ‬مواشيه‭.‬

ويشتكي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬بعضَ‭ ‬الأسواق‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬للمضاربة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬فضاء‭ ‬تجاريًّا‭ ‬عاديًّا،‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬بعض‭ ‬الوسطاء‭ ‬إلى‭ ‬التحكُّم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬وخلق‭ ‬نوعٍ‭ ‬من‭ ‬الندرة‭ ‬المصطنعة،‭ ‬مع‭ ‬استغلال‭ ‬الطلب‭ ‬المرتفع‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬معينة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الأسعار،‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬للجودة‭ ‬والوزن،‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تفاوتات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الأثمان،‭ ‬ويجعل‭ ‬المستهلك‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭.‬

*الجشع‭ ‬يرتع‭ ‬على‭ ‬ضعف‭ ‬المراقبة

ويزداد‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي‭ ‬مع‭ ‬الحديث‭ ‬المتكرّر‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬مراقبة‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬كثيرون‭ ‬أنَّ‭ ‬السلطات‭ ‬الحكومية‭ ‬والمحلية‭ ‬لا‭ ‬تُؤدِّي‭ ‬الدورَ‭ ‬المطلوبَ‭ ‬لضبط‭ ‬الأسعار‭ ‬ومحاربة‭ ‬المضاربة‭ ‬والاحتكار‭ ‬داخل‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي،‭ ‬فباستثناء‭ ‬بعض‭ ‬الحملات‭ ‬المحدودة‭ ‬أو‭ ‬التصريحات‭ ‬الرسمية،‭ ‬لا‭ ‬يلمس‭ ‬المواطن‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬كفيلة‭ ‬بإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬جشع‭ ‬بعض‭ ‬التجّار‭ ‬والوسطاء‭.‬

وحتّى‭ ‬تجار‭ ‬المواشي‭ ‬åسواء‭ ‬كانوا‭ ‬محسوبين‭ ‬على‭ ‬‮«‬الكسابة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الشناقة‮»»‬‭ ‬فإنهم‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يجدون‭ ‬حرجًا‭ ‬في‭ ‬المطالبة‭ ‬بأثمان‭ ‬يعلمون‭ ‬جيّدًا،‭ ‬أنَّها‭ ‬ليست‭ ‬مستحقة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التكاليف‭ ‬الحقيقية‭ ‬لتربية‭ ‬الأضحية،‭ ‬التي‭ ‬تُسهم‭ ‬فيها‭ ‬الدولة‭ ‬بدعم‭ ‬حكومي‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬العام‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬تتماشى‭ ‬هذه‭ ‬الأسعار‭ ‬مع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لغالبية‭ ‬سكان‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أننا‭ ‬نتكلم‭ ‬عن‭ ‬سنة‭ ‬فلاحية‭ ‬جيدة‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬المراعي‭ ‬متوفرة‭. ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬يلقي‭ ‬هؤلاء‭ ‬الباعة‭ ‬باللائمة‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬أخلاقية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يرفضون‭ ‬اقتناء‭ ‬الأضحية‭ ‬وفق‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬بزعم‭ ‬امتناعهم‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬الشعيرة‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬عجزهم‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬تكلفتها‭.‬

ويؤكد‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي،‭ ‬أن‭ ‬مراقبة‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الصحية‭ ‬أو‭ ‬التنظيمية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬تتبع‭ ‬مسار‭ ‬الأسعار‭ ‬وهوامش‭ ‬الربح،‭ ‬والتصدّي‭ ‬للممارسات‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تضخُّم‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭ ‬في‭ ‬الأثمان،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬غياب‭ ‬تدخل‭ ‬فعلي‭ ‬وحازم‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬شعور‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬التجار‭ ‬بأن‭ ‬السوق‭ ‬مفتوح‭ ‬دون‭ ‬ضوابط‭ ‬حقيقية،‭ ‬ما‭ ‬يُشجّع‭ ‬على‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الرفع‭ ‬العشوائي‭ ‬للأسعار‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬الطنجي‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬صعبة،‭ ‬فهو‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬ترتفع‭ ‬فيها‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬بصورة‭ ‬متواصلة،‭ ‬ويواجه‭ ‬‮«‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‮»‬‭ ‬موجةَ‭ ‬غلاء‭ ‬جديدة‭ ‬كلما‭ ‬اقتربت‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬يرتفع‭ ‬فيها‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬أصبحت‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬ميزانيتها‭ ‬أو‭ ‬الاستدانة‭ ‬لتغطية‭ ‬تكاليف‭ ‬اقتناء‭ ‬الأضحية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وارتفاع‭ ‬مصاريف‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطًا‭ ‬اجتماعية‭ ‬تدفعها‭ ‬لتحمّل‭ ‬مصاريف‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬الحقيقية‭.‬

ويرى‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين،‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬تتطلَّب‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬التدخُّل‭ ‬الموسمي،‭ ‬بل‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الأسواق‭ ‬تنظيمًا‭ ‬أفضلَ،‭ ‬وتقليص‭ ‬دور‭ ‬الوسطاء،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المراقبة،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬فضاءات‭ ‬بيع‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬المربين‭ ‬والمستهلكين‭ ‬للحدّ‭ ‬من‭ ‬المضاربات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تغيير‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬عن‭ ‬طنجة‭ ‬يبقى‭ ‬أمرًا‭ ‬ضروريًّا؛‭ ‬لأن‭ ‬المدينة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬واجهة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياحية،‭ ‬بل‭ ‬تضمُّ‭ ‬أيضًا‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬تعاني‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬نفسها،‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬باقي‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬يبقى‭ ‬التخوُّف‭ ‬قائمًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحوّل‭ ‬أسعار‭ ‬المواشي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬إضافي‭ ‬يفاقم‭ ‬شعور‭ ‬المواطنين‭ ‬بالضغط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬باتت‭ ‬تُوصف‭ ‬‮«‬بشكل‭ ‬متزايد‮»‬‭ ‬بأنَّها‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬تكلفة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المعيشة،‭ ‬مما‭ ‬يفرض‭ ‬تدخلًا‭ ‬أكثر‭ ‬جدية‭ ‬لحماية‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وضمان‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭.‬

*ضريبة‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كبيرة

وتعكس‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحديثة‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بكلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬عن‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬المدينة،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تزايد‭ ‬شكاوى‭ ‬السكان‭ ‬من‭ ‬موجة‭ ‬الغلاء‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تشمل‭ ‬مختلف‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬من‭ ‬السكن‭ ‬والخِدْمات‭ ‬إلى‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬وأسواق‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬أسعار‭ ‬المواشي‭ ‬والأضاحي‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بدورها‭ ‬عنوانًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للضغط‭ ‬المعيشي‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭.‬

وتكشف‭ ‬المعطيات‭ ‬الخاصة‭ ‬بمؤشر‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬المحلية،‭ ‬أنَّ‭ ‬طنجة‭ ‬تُسجّل‭ ‬أضعف‭ ‬مستوى‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬الكبرى‭ ‬المدرجة‭ ‬ضمن‭ ‬التصنيفات‭ ‬الدولية‭ ‬الخاصة‭ ‬بكلفة‭ ‬المعيشة،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنَّ‭ ‬السكان‭ ‬يجدون‭ ‬صعوبة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬مقارنة‭ ‬بسكان‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الرباط‭ ‬ومراكش‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬ويقيس‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬متوسط‭ ‬الدخل‭ ‬المحلي‭ ‬ومستوى‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتحديد‭ ‬قدرة‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬نفقات‭ ‬العيش‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭.‬

وبحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬أتلانتيك‮»‬‭ ‬المتخصّصة‭ ‬في‭ ‬مقارنة‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬فقد‭ ‬سجلت‭ ‬طنجة‭ ‬مؤشر‭ ‬قدرة‭ ‬شرائية‭ ‬محلية‭ ‬بلغ‭ ‬37٫8‭ ‬نقطة‭ ‬فقط،‭ ‬مقابل‭ ‬43‭ ‬نقطة‭ ‬في‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬و49٫6‭ ‬نقطة‭ ‬في‭ ‬مراكش،‭ ‬و56،1‭ ‬نقطة‭ ‬في‭ ‬الرباط،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬ترتيب‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬الأربع‭ ‬المشمولة‭ ‬بالدراسة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬جاءت‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬مدن‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة،‭ ‬بمؤشر‭ ‬بلغ‭ ‬36،1‭ ‬نقطة،‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬35،2‭ ‬نقطة،‭ ‬والرباط‭ ‬بـ34،4‭ ‬نقطة،‭ ‬ومراكش‭ ‬بـ32،7‭ ‬نقطة،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬اتِّساع‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬مستوى‭ ‬الأسعار‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬المحلية‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‮»‬‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأقطاب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بالمغرب،‭ ‬بفضل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتوسّع‭ ‬الميناء‭ ‬المتوسطي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬النشاط‭ ‬السياحي‭ ‬والعقاري،‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لم‭ ‬تنعكس‭ ‬بالشكل‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬لفئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬فالنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬المدينة‭ ‬ترافق‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬متواصل‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬يشعر‭ ‬بأنَّ‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التحوُّلات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المدينة‭.‬

وتظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬طنجة‭ ‬تصدّرت‭ ‬مدن‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة،‭ ‬متجاوزة‭ ‬مدنًا‭ ‬مغربيةً‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الرباط‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭ ‬ومراكش‭. ‬بينما‭ ‬جاءت،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الترتيب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬المحلية،‭ ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬اختلالًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بين‭ ‬مستوى‭ ‬الأسعار‭ ‬والدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للأسر،‭ ‬خاصّة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للطبقات‭ ‬المتوسطة‭ ‬والعمال‭ ‬والفئات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ضغوط‭ ‬معيشية‭ ‬متنامية‭.‬

*تحولات‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬السكان

ويعتبر‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أنَّ‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يرتبط‭ ‬بالتحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬طنجة،‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬شمالية‭ ‬هادئة‭ ‬نسبيًّا‭ ‬إلى‭ ‬قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسياحي‭ ‬ضخم‭ ‬يستقطب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والسكان‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب،‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬والاقتصادي‭ ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والموادّ‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬مما‭ ‬أسهم‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بطنجة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مدينة‭ ‬للأعمال‭ ‬والاستثمار‭ ‬والسياحة،‭ ‬أسهمت‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬تصور‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬والتجّار‭ ‬بأن‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬يتمتعون‭ ‬بقدرة‭ ‬مالية‭ ‬مرتفعة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬متعدّدة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصوُّر‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬الواقع‭ ‬الكامل‭ ‬للمدينة،‭ ‬التي‭ ‬تضمُّ‭ ‬شرائحَ‭ ‬اجتماعية‭ ‬واسعة‭ ‬تعاني‭ ‬هشاشة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬عيش‭ ‬مستقرّ‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الغلاء‭ ‬المتزايد‭.‬

ويبرز‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر،‭ ‬خلال‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والمواسم‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬حيث‭ ‬تشهد‭ ‬الأسواق‭ ‬ارتفاعات‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي،‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬المنطق،‭ ‬مُقارنةً‭ ‬بمستويات‭ ‬الدخل‭ ‬المحلية،‭ ‬خاصّةً‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬أثمنة‭ ‬بعض‭ ‬الخرفان‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة،‭ ‬بل‭ ‬تخرق‭ ‬حدود‭ ‬المنطق‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭.‬

ويؤكد‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬أن‭ ‬الغلاء‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬المدينة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ظرفيًّا‭ ‬أو‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بفترات‭ ‬معينة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬دائمٍ‭ ‬يطول‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬فتكلفة‭ ‬الكراء‭ ‬ارتفعت‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والمطاعم‭ ‬والنقل‭ ‬زيادات‭ ‬متواصلة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬فيه‭ ‬الأجور‭ ‬تطورًا‭ ‬مماثلًا‭ ‬يسمح‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬والمصاريف‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬طنجة‭ ‬أصبحت‭ ‬تضم‭ ‬تعدادًا‭ ‬سكانيًّا‭ ‬يقارب‭ ‬1٫3‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬موزعين‭ ‬على‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬ذا‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬المدينة‭ ‬يفرض‭ ‬ضغوطًا‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬البنيات‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والأسواق،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬باستمرار‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تبدو‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الرباط‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬إذ‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬مرتفع‭ ‬وقدرة‭ ‬شرائية‭ ‬أفضل،‭ ‬مما‭ ‬يُفسّر‭ ‬تصدرها‭ ‬الترتيب‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭. ‬أما‭ ‬مراكش،‭ ‬فرغم‭ ‬طابعها‭ ‬السياحي‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬فيها،‭ ‬فقد‭ ‬سجلت‭ ‬قدرة‭ ‬شرائية‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬طنجة،‭ ‬بينما‭ ‬جاءت‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬‮«‬بدورها‮»‬‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬أفضل،‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬العاصمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للمملكة‭.‬

ويرى‭ ‬متتبعون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الأسعار‭ ‬والدخل‭ ‬داخل‭ ‬طنجة‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬‮«‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‮»‬‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭ ‬دون‭ ‬تحسُّن‭ ‬موازٍ‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬بات‭ ‬يضطر‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياته‭ ‬وتقليص‭ ‬نفقاته‭ ‬الأساسية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اتّساع‭ ‬المصاريف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسكن‭ ‬والنقل‭ ‬والتغذية‭ ‬والتعليم‭ ‬والخِدْمات‭.‬

ويعتبر‭ ‬فاعلون‭ ‬محليون،‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بضبط‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬تشديد‭ ‬المراقبة،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬أيضًا‭ ‬سياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا،‭ ‬تراعي‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬المدينة‭ ‬وتضمن‭ ‬استفادة‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬من‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬طنجة،‭ ‬كما‭ ‬يشدد‭ ‬هؤلاء‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬المراقبة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬المضاربات،‭ ‬وتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العيش‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الأسر‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬تبدو‭ ‬طنجة‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬مُعقّدة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الجاذبية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬مدينة‭ ‬تُحقّق‭ ‬نموًّا‭ ‬متسارعًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاستثمار‭ ‬والبنيات‭ ‬الكبرى،‭ ‬لكنّها‭ ‬تواجه‭ ‬‮«‬في‭ ‬المقابل‮»‬‭ ‬تحدِّيات‭ ‬اجتماعية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بقدرة‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬الغلاء‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬يومي‭ ‬دائم‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭.‬

تابعنا على الفيسبوك