تواصل معنا

آخر الأخبار

المحامون والحكومة المقبلة.. هل يفتح البام صفحة جديدة أم يستمر إرث وهبي؟

لم‭ ‬تكن‭ ‬علاقة‭ ‬الحكومة‭ ‬المغربية‭ ‬بالمحامين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬علاقةً‭ ‬عاديةً‭ ‬بين‭ ‬قطاع‭ ‬مهني‭ ‬والسلطة‭ ‬التنفيذية؛‭ ‬فقد‭ ‬تحوَّلت‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعدالة‭ ‬وتنظيم‭ ‬المهنة‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬إثارة‭ ‬للنقاش،‭ ‬وامتدت‭ ‬الخلافات‭ ‬من‭ ‬طاولة‭ ‬الحوار‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬الاحتجاج‭ ‬والإضراب‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬كان‭ ‬اسم‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬وهبي،‭ ‬وزير‭ ‬العدل،‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقوة،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬تصريحاته‭ ‬ومواقفه‭ ‬وطريقة‭ ‬تدبيره‭ ‬لملفات‭ ‬إصلاح‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬بين‭ ‬الوزارة‭ ‬وجمعية‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب‭.‬

لكن‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬تغيَّر‭ ‬الآن؛‭ ‬فحزب‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬تصدر‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬2026،‭ ‬بحصوله‭ ‬على‭ ‬97‭ ‬مقعدًا‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬395،‭ ‬متقدمًا‭ ‬على‭ ‬التجمع‭ ‬الوطني‭ ‬للأحرار‭ ‬والاستقلال‭ ‬والعدالة‭ ‬والتنمية‭.‬

وإذا‭ ‬انتقل‭ ‬الحزب‭ ‬فعلا‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬الرباط‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬سيشغل‭ ‬وزارة‭ ‬العدل،‭ ‬وإنَّما‭ ‬كيف‭ ‬ستتعامل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬مع‭ ‬ملف‭ ‬المحامين‭ ‬الذي‭ ‬خلفته‭ ‬الحكومة‭ ‬السابقة؟‭ ‬هل‭ ‬ستكون‭ ‬البداية‭ ‬بحوار‭ ‬جديد؟‭ ‬هل‭ ‬ستتم‭ ‬مراجعة‭ ‬بعض‭ ‬المقتضيات‭ ‬التي‭ ‬يعترض‭ ‬عليها‭ ‬المحامون؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬ستعتبر‭ ‬أنَّ‭ ‬القانون‭ ‬صدر‭ ‬وأصبح‭ ‬نافذًا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنَّ‭ ‬النقاش‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات؟‭ ‬هنا‭ ‬تحديدا‭ ‬تكمن‭ ‬صعوبة‭ ‬الملف‭.‬

بعد‭ ‬تصدر‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬الانتخابات‭..‬ ‭ ‬هل‭ ‬تكون‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬البذلة‭ ‬السوداء؟‭

*القانون‭ ‬صدر‭.. ‬لكن‭ ‬الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تنته

المفارقة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬ملف‭ ‬المحامين‭ ‬مختلفًا‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمهنية‭ ‬الأخرى،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬الاحتجاج‭ ‬أصبح‭ ‬الآن‭ ‬قانونًا‭ ‬نافذًا؛‭ ‬فالقانون‭ ‬رقم‭ (‬66.23‭) ‬المتعلق‭ ‬بتنظيم‭ ‬مهنة‭ ‬المحاماة‭ ‬دخل‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬20‭ ‬غشت‭ ‬2026،‭ ‬بعد‭ ‬صدور‭ ‬الظهير‭ ‬الشريف‭ ‬بتنفيذه‭ ‬ونشره‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬الرسمية‭.‬

كان‭ ‬من‭ ‬الممكن،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية،‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬نشر‭ ‬القانون‭ ‬نقطة‭ ‬نهاية‭ ‬لمسار‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يحدث؛‭ ‬فجمعية‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب‭ ‬قرَّرت‭ “‬في‭ ‬نهاية‭ ‬غشت‭” ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬التوقّف‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬المهام‭ ‬القضائية‭ ‬رغم‭ ‬دخول‭ ‬القانون‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وسط‭ ‬نقاش‭ ‬داخلي‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬ضرورة‭ ‬مواصلة‭ ‬الضغط‭ ‬ومن‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬تقتضي‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬والترافع‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المهنية‭ ‬والقانونية‭.‬

وهذا‭ ‬المعطى‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬سياسية‭ ‬وقانونية‭ ‬مهمة‭: ‬فالأزمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فقط‭ ‬أزمة‭ ‬مشروع‭ ‬قانون،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة؛‭ ‬والثقة‭ ‬لا‭ ‬تُحل‭ ‬دائما‭ ‬بتغيير‭ ‬النصوص،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬طريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الحوار‭.‬

*وهــبي‭.. ‬هل‭ ‬كان‭ ‬هــو‭ ‬المــشكلة‭ ‬أم‭ ‬عــنــوانـــها؟

من‭ ‬السهل‭ ‬سياسيًّا‭ ‬وإعلاميًّا‭ ‬اختزال‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬وهبي؛‭ ‬فالرجل‭ ‬كان‭ ‬وزير‭ ‬العدل،‭ ‬وكان‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬إعداد‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬اعتراضات‭ ‬المحامين،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬تصريحاته‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬السجال‭ ‬مع‭ ‬الهيئات‭ ‬المهنية‭.‬

وخلال‭ ‬يونيو‭ ‬2026،‭ ‬مدَّدت‭ ‬جمعية‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب‭ ‬إضرابها‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬محدد،‭ ‬وربطت‭ ‬ذلك‭ ‬باستمرار‭ ‬نقاط‭ ‬الخلاف‭ ‬مع‭ ‬وزارة‭ ‬العدل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬بتصريحات‭ ‬‮«‬مستفزة‮»‬‭ ‬منسوبة‭ ‬إلى‭ ‬الوزير‭.‬

لكن‭ ‬اختزال‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬وهبي‭ ‬وحده‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬قراءة‭ ‬ناقصة؛‭ ‬فحتى‭ ‬قبل‭ ‬مرحلة‭ ‬التصعيد‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كان‭ ‬الخلاف‭ ‬يتجاوز‭ ‬شخص‭ ‬الوزير‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬ترتبط‭ ‬باستقلالية‭ ‬المهنة،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬المحامين‭ ‬ومؤسسات‭ ‬العدالة،‭ ‬وشروط‭ ‬ممارسة‭ ‬المهنة،‭ ‬وآليات‭ ‬التأديب،‭ ‬والعلاقة‭ ‬مع‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الملفات‭.‬

وفي‭ ‬فبراير‭ ‬2025،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬بالفعل‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الوزارة‭ ‬وجمعية‭ ‬الهيئات،‭ ‬وجرى‭ ‬الحديث‭ “‬آنذاك‭” ‬عن‭ ‬توافقات‭ ‬بشأن‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النقاط‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمشروع‭ ‬قانون‭ ‬المهنة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬العلاقة‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬التوتر‭ ‬والتصعيد‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬ببساطة‭: ‬وهبي‭ ‬يرحل‭ ‬يساوي‭ ‬الأزمة‭ ‬تنتهي‭.‬

الأرجح‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬قواعد‭ ‬الحوار‭ ‬نفسها؟

*البام‭ ‬يدخل‭ ‬الحكومة‭ ‬بملف‭ ‬ثقيل

حصول‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬على‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬يضعه‭ ‬أمام‭ ‬مسؤوليات‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬كُلف‭ ‬بتشكيل‭ ‬الحكومة‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬سترثها‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬ملف‭ ‬العدالة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمته‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬المحامين‭.‬

وهنا‭ ‬سيكون‭ ‬أمام‭ ‬الحزب‭ ‬خيارٌ‭ ‬سياسيٌّ‭ ‬واضحٌ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المنهج،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المضمون‭: ‬إما‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬القانون‭ ‬باعتباره‭ ‬صفحة‭ ‬أغلقت‭ ‬بعد‭ ‬استكمال‭ ‬مساره‭ ‬التشريعي،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬تنزيله؛‭ ‬وإما‭ ‬فتح‭ ‬نقاش‭ ‬جديد‭ ‬بشأن‭ ‬المقتضيات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تثير‭ ‬اعتراضات‭ ‬مهنية،‭ ‬ومحاولة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬توافقات‭ ‬تسمح‭ ‬بامتصاص‭ ‬الاحتقان‭.‬

لكن‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬بهذه‭ ‬البساطة؛‭ ‬فالقانون‭ ‬رقم‭ (‬66.23‭) ‬استكمل‭ ‬مساره‭ ‬التشريعي‭ ‬ودخل‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ؛‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬صرحت‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬غشت‭ ‬بتعذّر‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬الإحالة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمطابقته‭ ‬للدستور‭ ‬على‭ ‬حالها‭ ‬بسبب‭ ‬إشكال‭ ‬في‭ ‬الوثائق‭ ‬المرفقة‭ ‬بالإحالة‭.‬

بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬لن‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬ورقة‭ ‬بيضاء؛‭ ‬ستجد‭ ‬أمامها‭ ‬نصًّا‭ ‬قانونيًّا‭ ‬نافذًا،‭ ‬وجسمًا‭ ‬مهنيًّا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحمل‭ ‬اعتراضات،‭ ‬ومسارًا‭ ‬احتجاجيًّا‭ ‬طويلًا،‭ ‬وعلاقة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭.‬

*هل‭ ‬يمكن‭ ‬فتح‭ ‬القانون‭ ‬من‭ ‬جديد؟

هنا‭ ‬توجد‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬حساسية‭: ‬فصدور‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬نقاش‭ ‬حوله‭ ‬انتهى،‭ ‬لكن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬تعديله‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مسارٍ‭ ‬تشريعيٍّ‭ ‬جديدٍ،‭ ‬وهذا‭ ‬فرق‭ ‬مهم؛‭ ‬فبعد‭ ‬دخول‭ ‬النص‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬الوزارة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬كان‭ ‬المحامي‭ ‬عبد‭ ‬الكبير‭ ‬طبيح‭ ‬قد‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬دخول‭ ‬القانون‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬ينقل‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الاحتجاج‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬مناقشة‭ ‬القانون‭ ‬القائم،‭ ‬وانتقاد‭ ‬مقتضياته‭ ‬والمطالبة‭ ‬بتعديله‭ ‬عبر‭ ‬الآليات‭ ‬القانونية‭ ‬المتاحة‭.‬

وهذه‭ ‬الفكرة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مفتاحا‭ ‬للحكومة‭ ‬المقبلة؛‭ ‬فلا‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الماضي‭ ‬حتّى‭ ‬يبدأ‭ ‬الحوار‭. ‬يمكن‭ ‬للحكومة‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬للمحامين‭: ‬القانون‭ ‬أصبح‭ ‬نافذًا،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬نقاش‭ ‬مؤسساتي‭ ‬بشأن‭ ‬كيفية‭ ‬تنزيله،‭ ‬وتحديد‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل،‭ ‬والنظر‭ ‬في‭ ‬التعديلات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬اقتراحها‭ ‬عبر‭ ‬المؤسسات‭ ‬التشريعية،‭ ‬وهكذا‭ ‬ينتقل‭ ‬النزاع‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬من‭ ‬ينتصر؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬نعالج‭ ‬الإشكالات؟‮»‬

*المحامون‭ ‬لا‭ ‬يطالبون‭ ‬فقط‭ ‬بتغيير‭ ‬النص

القراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬لمسار‭ ‬الأزمة‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بمواد‭ ‬قانونية؛‭ ‬هناك‭ ‬أيضا‭ ‬أسلوب‭ ‬التعامل،‭ ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭. ‬فعندما‭ ‬يقول‭ ‬محامون‭ ‬إن‭ ‬المشكلة‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬سياسية‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬نقل‭ ‬عن‭ ‬نقيب‭ ‬هيئة‭ ‬المحامين‭ ‬بالرباط‭ ‬وعضو‭ ‬مكتب‭ ‬جمعية‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب‭ ‬خلال‭ ‬يوليوز‭ ‬2026،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬تجاوز‭ ‬قراءة‭ ‬مادة‭ ‬قانونية‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬ثقة‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭: ‬يمكن‭ ‬تعديل‭ ‬مادة،‭ ‬يمكن‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬مقتضى،‭ ‬يمكن‭ ‬إصدار‭ ‬نص‭ ‬تنظيمي‭.‬

لكن‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭: ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جلوس‭ ‬الطرفين‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الملاحظات،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تعديله‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تعديله،‭ ‬والأهم‭ ‬أنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إخراج‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التصريحات‭ ‬المتبادلة‭.‬

*من‭ ‬لغة‭ ‬المواجهة‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬التفاوض؟

خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬شهد‭ ‬الملف‭ ‬لحظات‭ ‬تصعيد‭ ‬قوية‭: ‬إضرابات،‭ ‬وقفات،‭ ‬احتجاجات،‭ ‬بلاغات،‭ ‬تصريحات،‭ ‬ومفاوضات‭ ‬لم‭ ‬تمنع‭ ‬عودة‭ ‬الخلاف‭.‬

وقد‭ ‬دخل‭ ‬المحامون‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬إضراب‭ ‬مفتوح،‭ ‬بعدما‭ ‬اعتبرت‭ ‬جمعية‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬أن‭ ‬نقاط‭ ‬الخلاف‭ ‬مع‭ ‬وزارة‭ ‬العدل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭. ‬وفي‭ ‬يوليوز،‭ ‬قرَّرت‭ ‬الجمعية‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬تعليق‭ ‬المهام‭ ‬القضائية،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬التشريعي‭. ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬دخول‭ ‬القانون‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬غشت،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتجاج‭.‬

هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تصور‭ ‬حلّ‭ ‬الأزمة‭ ‬بمجرد‭ ‬تغيير‭ ‬الوزير؛‭ ‬لأن‭ ‬الإضراب‭ ‬الطويل‭ ‬يترك‭ ‬آثارًا‭ ‬على‭ ‬المحامين‭ ‬والمتقاضين‭ ‬والمحاكم،‭ ‬وكلما‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬الأزمة،‭ ‬أصبحت‭ ‬كلفة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوضع‭ ‬الطبيعي‭ ‬أكبر‭.‬

*الحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬للحوار‭.. ‬ومسؤولية‭ ‬عدم‭ ‬تكرار‭ ‬السيناريو

إذا‭ ‬أرادت‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬فتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬قناة‭ ‬حوار‭ ‬واضحة‭ ‬مع‭ ‬جمعية‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب‭: ‬ليس‭ ‬حوارًا‭ ‬مناسباتيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬اجتماعًا‭ ‬واحدًا‭ ‬ينتهي‭ ‬ببلاغ،‭ ‬بل‭ ‬حوارًا‭ ‬مؤسساتيًّا‭ ‬له‭ ‬جدول‭ ‬أعمال،‭ ‬ومحاضر،‭ ‬وآجال،‭ ‬ومخرجات‭ ‬قابلة‭ ‬للتقييم‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬أسئلة‭ ‬عملية‭:‬

*ما‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬المحامون‭ ‬الأكثر‭ ‬إشكالا؟

*ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬تعديله‭ ‬تشريعيا؟

*ما‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬مراسيم‭ ‬أو‭ ‬نصوص‭ ‬تنظيمية؟

*ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬حسمه‭ ‬عبر‭ ‬الممارسة؟

*ما‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬بمبادئ‭ ‬دستورية‭ ‬أو‭ ‬باختيارات‭ ‬تشريعية‭ ‬عامة؟

بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬يصبح‭ ‬الخلاف‭ ‬قابلا‭ ‬للتفكيك؛‭ ‬أمَّا‭ ‬وضع‭ ‬جميع‭ ‬القضايا‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬واحدة،‭ ‬فلن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭.‬

سؤال‭ ‬المرحلة‭: ‬هل‭ ‬المشكلة‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬وهبي‭ ‬شخصيًا‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بقواعد‭ ‬جديدة‭ ‬لتنظيم‭ ‬المهنة‭ ‬وعلاقة‭ ‬المحامي‭ ‬بمؤسسات‭ ‬العدالة؟

*هـــل‭ ‬ينتــــهي‭ ‬“غــــضب‭ ‬المــــحامين“‭ ‬برحـــيـــــل‭ ‬وهــبي؟

ربما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬تداولًا‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬المهنية،‭ ‬لكن‭ ‬الإجابة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نعم‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬بشكل‭ ‬مسبق؛‭ ‬فجزء‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬ارتبط‭ ‬بالفعل‭ ‬بتدبير‭ ‬وزارة‭ ‬العدل‭ ‬وطريقة‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬المحامين‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬وهبي،‭ ‬لكنّ‭ ‬جزءًا‭ ‬آخر‭ ‬يرتبط‭ ‬بمضامين‭ ‬قانونية‭ ‬ومؤسساتية‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬بتغيير‭ ‬الوزير‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬انتهاء‭ ‬ولاية‭ ‬وهبي،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حدوثه‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيلة‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة،‭ ‬لن‭ ‬يعني‭ ‬تلقائيا‭ ‬انتهاء‭ ‬الخلاف؛‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ ‬بعض‭ ‬السياسات‭ ‬أو‭ ‬المقتضيات‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬استمرار‭ ‬طريقة‭ ‬التواصل‭ ‬نفسها،‭ ‬المسألة‭ ‬إذن‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬اسم‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬تدبير‭ ‬ملف‭ ‬المهنة‭.‬‭       ‬ιι ιι

*ماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬المقبل؟

وزير‭ ‬العدل‭ ‬المقبل‭ “‬أيًا‭ ‬كان‭ ‬اسمه‭ ‬وانتماؤه‭ ‬السياسي‭” ‬سيجد‭ ‬أمامه‭ ‬ملفًا‭ ‬جاهزًا‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬أمامه‭ ‬رفاهية‭ ‬الوقت‭:‬

سيحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬جمعية‭ ‬الهيئات،‭ ‬وإلى‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬النقباء،‭ ‬وسيحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬أسباب‭ ‬استمرار‭ ‬الإضراب‭ ‬رغم‭ ‬دخول‭ ‬القانون‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ،‭ ‬كذلك‭ ‬سيحتاج‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬المتقاضين‭ ‬والمحاكم؛‭ ‬لأن‭ ‬استمرار‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬المهام‭ ‬القضائية‭ ‬لا‭ ‬يظل‭ ‬شأنًا‭ ‬مهنيًّا‭ ‬داخليًّا‭ ‬فقط‭.‬

ثم‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬بسرعة‭: ‬هل‭ ‬المطلوب‭ ‬تعديل‭ ‬القانون؟‭ ‬أم‭ ‬معالجة‭ ‬إشكالات‭ ‬تنزيله؟‭ ‬أم‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الأمرين؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬وحدها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬أجندة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬العمل‭.‬

*المتغير‭ ‬الجديد‭: ‬البام‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬شريك‭ ‬حكومي

هنا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬التحول‭ ‬السياسي‭ ‬الأخير؛‭ ‬فالأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬كان‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬السابقة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬غريبًا‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬الحكومي‭. ‬لكنه،‭ ‬بعد‭ ‬تصدر‭ ‬الانتخابات،‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬سياسي‭ ‬مختلف‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تكليفه‭ ‬بقيادة‭ ‬الحكومة‭.‬

وهذا‭ ‬يمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الملفات،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يجعله‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬أكبر‭ ‬عن‭ ‬القرارات‭ ‬الحكومية‭ ‬المقبلة‭.‬

وفي‭ ‬ملف‭ ‬المحامين،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬الحزب‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬مواقف‭ ‬قياداته؛‭ ‬السؤال‭ ‬سيكون‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬ستفعله‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬الحزب؟

فالانتقال‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬أو‭ ‬المشاركة‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬الحكومة‭ ‬يغير‭ ‬طبيعة‭ ‬المسؤولية‭: ‬الكلام‭ ‬السياسي‭ ‬يصبح‭ ‬قرارا،‭ ‬والوعود‭ ‬تصبح‭ ‬التزامات‭ ‬قابلة‭ ‬للمحاسبة،‭ ‬والحوار‭ ‬يصبح‭ ‬مطلوبًا‭ ‬لا‭ ‬اختياريًّا‭.‬

*صفحة‭ ‬جديدة‭.. ‬ولكن‭ ‬بشروط

يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المحامين‭ ‬والحكومة‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءا،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬بمجرد‭ ‬رفع‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬فتح‭ ‬الحوار‮»‬،‭ ‬الحوار‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ثقة،‭ ‬والثقة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خطوات‭:‬

قد‭ ‬تبدأ‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬باجتماع‭ ‬رسمي‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬وممثلي‭ ‬المحامين،‭ ‬ثم‭ ‬تحديد‭ ‬نقاط‭ ‬الخلاف،‭ ‬ثم‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عاجل‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مؤجل،‭ ‬وأيضًا‭ ‬تشكيل‭ ‬لجان‭ ‬تقنية،‭ ‬ثم‭ ‬تقديم‭ ‬مقترحات‭ ‬تعديل‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬ممكنا‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يمكن‭ ‬للمحامين‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الاحتجاج‭ ‬المفتوح‭ ‬إلى‭ ‬الترافع‭ ‬المؤسساتي‭ ‬حول‭ ‬المقتضيات‭ ‬التي‭ ‬يرونها‭ ‬غير‭ ‬مناسبة‭.‬

بهذا‭ ‬الشكل،‭ ‬يصبح‭ ‬لكل‭ ‬طرف‭ ‬دوره‭: ‬الحكومة‭ ‬تشرع‭ ‬وتنفذ،‭ ‬البرلمان‭ ‬يناقش‭ ‬ويعدل،‭ ‬المحامون‭ ‬يقترحون‭ ‬ويدافعون‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬المهنة،‭ ‬والقضاء‭ ‬يطبق‭ ‬القانون‭ ‬ويفصل‭ ‬في‭ ‬المنازعات‭.‬

*الخلاصة‭.. ‬المعركة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مع‭ ‬وهبي

ربما‭ ‬يكون‭ ‬أهم‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬أن‭ ‬ملف‭ ‬المحامين‭ ‬لن‭ ‬يعود،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬معركة‭ ‬بين‭ ‬المحامين‭ ‬وعبد‭ ‬اللطيف‭ ‬وهبي؛‭ ‬فوهبي‭ ‬قد‭ ‬يغادر‭ ‬الوزارة‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬لكن‭ ‬القانون‭ ‬بقي،‭ ‬والاعتراضات‭ ‬بقيت،‭ ‬والجمعية‭ ‬المهنية‭ ‬بقيت،‭ ‬والحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬الملف‭ ‬نفسه‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬وزير‭ ‬جديد،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬ومهنة‭ ‬المحاماة‭.‬

فإذا‭ ‬اختارت‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬لغة‭ ‬الحوار،‭ ‬وفتحت‭ ‬نقاشا‭ ‬جديا‭ ‬عن‭ ‬المقتضيات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محل‭ ‬اعتراض،‭ ‬فقد‭ ‬تنتقل‭ ‬الأزمة‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭. ‬وإذا‭ ‬اكتفت‭ ‬الحكومة‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬القانون‭ ‬صدر‭ ‬وانتهى‭ ‬النقاش،‭ ‬فقد‭ ‬يستمر‭ ‬الخلاف‭ ‬بأشكال‭ ‬جديدة؛‭ ‬لأن‭ ‬صدور‭ ‬القانون‭ ‬أنهى‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬المسار‭ ‬التشريعي،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬ينهِ‭ ‬بالضرورة‭ ‬كل‭ ‬أسباب‭ ‬التوتر‭ ‬المهني‭.‬

أما‭ ‬المحامون،‭ ‬فبدورهم‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭: ‬الإضراب‭ ‬كان‭ ‬وسيلة‭ ‬ضغط،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬بديلًا‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬والترافع‭ ‬المؤسساتي؛‭ ‬والقانون‭ ‬أصبح‭ ‬نافذا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬المعركة‭ “‬إن‭ ‬استمرت‭” ‬ستحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬استعملت‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬مرحلة‭ ‬المشروع‭.‬

لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ستجيب‭ ‬عنه‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬ستتصالح‭ ‬مع‭ ‬المحامين؟

بل‭: ‬هل‭ ‬ستستطيع‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬معهم‭ ‬علاقة‭ ‬جديدة،‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬الاختلاف‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬لا‭ ‬سببًا‭ ‬دائمًا‭ ‬للصدام؟

هذا‭ ‬هو‭ ‬الاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬للبام‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬العدالة،‭ ‬وهو‭ ‬اختبار‭ ‬لن‭ ‬يحسمه‭ ‬تغيير‭ ‬اسم‭ ‬وزير‭ ‬العدل،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ستحسمه‭ ‬طريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الخلاف‭.‬

فالمحامون‭ ‬يريدون‭ “‬بحسب‭ ‬مواقف‭ ‬هيئاتهم‭ ‬المعلنة‭” ‬ضمانات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمهنة‭ ‬واستقلاليتها‭ ‬وموقعها‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة؛‭ ‬والحكومة‭ ‬تريد‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تمرير‭ ‬إصلاحاتها‭ ‬وتنزيل‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬استكملت‭ ‬مسارها‭ ‬الدستوري‭ ‬والتشريعي‭.‬

وبين‭ ‬هذين‭ ‬الموقفين‭ ‬توجد‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬للتفاوض‭: ‬إمّا‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬حوار،‭ ‬وإمَّا‭ ‬تظل‭ ‬فراغًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬تملؤه‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬والبلاغات‭ ‬والتصريحات‭. ‬والحكومة‭ ‬المقبلة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستختار،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممارستها،‭ ‬أي‭ ‬الطريقين‭ ‬ستسلك‭.‬

تابعنا على الفيسبوك