سياسة
تزكيات الأحزاب الصغيرة تفتح الباب أمام وجوه شابة.. هـل تـتـحول مـواقع التـواصل إلى منـصة مـن لا مال له؟
لم تعد التزكية الانتخابية حكرًا، كما كان عليه الحال في تجارب سابقة، على الوجوه المعروفة داخل الأحزاب أو أصحاب النفوذ والقدرة على تمويل الحملات الانتخابية. ففي هذه الاستحقاقات التشريعية، برزت أسماء شابة حصلت على تزكيات من أحزاب صغيرة، لتجد نفسها في مواجهة اختبار غير مألوف: كيف يمكن خوض معركة انتخابية في ظل محدودية الإمكانيات المالية، ووسط منافسة قوية مع أحزاب تتوفر على هياكل تنظيمية وموارد بشرية وإمكانات لوجستيكية أكبر؟
هذا التحوُّل يطرح سؤالًا أكبرَ عن طبيعة الحملات الانتخابية الجديدة، ومدى قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على إعادة توزيع فرص الظهور السياسي، خصوصًا بالنسبة إلى مرشحين لا يتوفرون على الإمكانيات نفسها التي تتيحها الحملات التقليديَّة.
فبالنسبة إلى عدد من الوجوه الشابة، أصبحت منصّات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» فضاءً موازيًّا للحملة الانتخابية، لا يحتاج بالضرورة إلى مقرات انتخابية كبيرة أو جحافل من المناضلين والمتطوعين. صورة، وفيديو قصير، وبثّ مباشر، ورسالة سياسية مصاغة بعناية، يمكن أن تصل إلى آلاف الناخبين في وقت قياسي، وبكلفة أقل بكثير من الوسائل التقليدية.
لكن الرهان لا يخلو من مخاطر. فالانتشار الرقمي لا يعني بالضرورة تحويل المتابعين إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
كما أنَّ امتلاك حسابات ذات أرقام مرتفعة من المتابعين لا يساوي بالضرورة امتلاك قاعدة انتخابية حقيقية، خصوصًا في الدوائر التي تتحكم فيها العلاقات الشخصية، والامتداد العائلي، والحضور الميداني، وشبكات التواصل المباشر مع الناخبين.
ومع ذلك، فإن صعود هذه الوجوه الشابة، خصوصًا من خلال بعض الأحزاب الصغيرة، يكشف عن تغيّر في طريقة دخول جيل جديد إلى المنافسة السياسية.
فبدل انتظار سنوات طويلة داخل التنظيم الحزبي للوصول إلى مواقع القرار، أصبح بعض الشباب يحاول اختصار الطريق عبر الحضور الرقمي، والاشتغال على صورته العامة، وتقديم نفسه باعتباره وجهًا جديدًا بعيدًا عن الأسماء التقليديَّة.
وتزداد أهمية هذا المعطى في ظل ارتفاع كلفة الحملات الانتخابية، وما تفرضه من تنقلات، ولقاءات، ووسائل لوجستيكية، وتواصل ميداني.
وهنا تطرح مواقع التواصل الاجتماعي نفسها كـ«منصة لمن لا مال له»، أو على الأقل كأداةٍ تُخفّف الفوارق المالية بين المرشحين، دون أن تلغيها بشكل كامل. لكنَّ السؤال يبقى مطروحًا حول حدود هذا النموذج: هل نحن أمام بداية تحوُّل حقيقي في قواعد المنافسة الانتخابية، يصبح فيه الحضور الرقمي بديلًا جزئيًّا عن الإمكانيات المالية والتنظيمية؟ أم أنَّ مواقع التواصل ليست سوى واجهة جديدة لحملة انتخابية تحتاج في النهاية إلى حضور ميداني قوي وشبكة من العلاقات للوصول إلى صناديق الاقتراع؟
وبين مرشح يملك المال والتنظيم، وآخر يملك هاتفًا ذكيًّا وحضورًا رقميًّا، تبدو الانتخابات الحالية اختبارًا مبكرًا لمعرفة أيهما سيكون أكثر تأثيرًا في الناخب: قوّة الإمكانيات أم قوّة الانتشار؟
وفي جميع الأحوال، فإن دخول أسماء شابة إلى السباق الانتخابي عبر بوابة الأحزاب الصغيرة يطرح نقاشا يتجاوز نتائج الانتخابات نفسها، ليتعلق بمستقبل النخب السياسية، وبما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي ستُسهم فعلًا في فتح المجال أمام وجوه جديدة لا تملك المال والنفوذ، أم أنَّها ستتحول بدورها إلى فضاء يحتاج إلى موارد مالية جديدة لضمان الانتشار والتأثير.


