تواصل معنا

آخر الأخبار

النقاش حول تصنيف طنجة ضمن التراث العالمي لليونيسكو يعود من جديد.. فما الذي ستستفيده المدينة مـن هـذه الـخـطــوة؟

التصنيف‭ ‬يُعطي‭ ‬إشعاعًا‭ ‬ثــقـــافـــيًّــا‭ ‬وسياحيًّا‭ ‬عابرًا‭ ‬للـحـــــدود

‭ ‬لكن‭ ‬الطريق‭ ‬إليـه‭ ‬صـعـــب‭ ‬ويــتـطــلـــب‭ ‬إجراءات‭ ‬حاسمة

تعود‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬الثقافي‭ ‬والدولي‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تحرُّكات‭ ‬متزايدة‭ ‬لإحياء‭ ‬ملف‭ ‬ترشيحها‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬اليونسكو،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التعثُّر‭ ‬وعدم‭ ‬بلوغ‭ ‬مرحلة‭ ‬الاعتماد‭ ‬النهائي،‭ ‬ويقود‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬فاعلون‭ ‬مدنيون‭ ‬وأكاديميون‭ ‬ومؤسساتيون‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬ملف‭ ‬متكامل‭ ‬يعكس‭ ‬القيمة‭ ‬الحضارية‭ ‬والتاريخية‭ ‬للمدينة‭.‬

يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تحوُّلات‭ ‬عمرانية‭ ‬وتنموية‭ ‬كبرى‭ ‬تعرفها‭ ‬طنجة،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬استعداد‭ ‬المغرب‭ ‬لاستحقاقات‭ ‬دولية‭ ‬بارزة،‭ ‬ما‭ ‬يُعزّز‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الرصيد‭ ‬الثقافي‭ ‬والتاريخي‭ ‬للمدينة‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬للإشعاع‭ ‬الدولي‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬ترسيخ‭ ‬مكانتها‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الحواضر‭ ‬المتوسطية‭ ‬ذات‭ ‬الامتداد‭ ‬الحضاري‭ ‬العالمي‭.‬

*نقاش‭ ‬اليونيسكو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة

وقد‭ ‬تجدَّد‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬ملف‭ ‬ترشيحها‭ ‬للتسجيل‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬التابعة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتربية‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة‭ (‬اليونسكو‭)‬،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دينامية‭ ‬متنامية‭ ‬يقودها‭ ‬فاعلون‭ ‬مدنيون‭ ‬وأكاديميون‭ ‬ومؤسساتيون،‭ ‬بهدف‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬الثقافي‭ ‬والاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬ظلّ‭ ‬مطروحًا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬مرحلة‭ ‬الاعتماد‭ ‬النهائي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬احتضنت‭ ‬المدينة‭ ‬يوم‭ ‬7‭ ‬ماي‭ ‬2026‭ ‬لقاءً‭ ‬علميًّا‭ ‬وتشاوريًّا‭ ‬موسعًا،‭ ‬نُظّم‭ ‬بمبادرة‭ ‬من‭ ‬مرصد‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬والمآثر‭ ‬التاريخية‭ ‬بطنجة،‭ ‬وبدعم‭ ‬من‭ ‬شركاء‭ ‬مؤسساتيين‭ ‬وأكاديميين‭ ‬ومدنيين،‭ ‬لمناقشة‭ ‬سبل‭ ‬تحيين‭ ‬ملف‭ ‬ترشيح‭ ‬طنجة‭ ‬وتعزيزه‭ ‬للتسجيل‭ ‬ضمن‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬وعكس‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬مشاركة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬خبيرًا‭ ‬وباحثًا‭ ‬ومهندسًا‭ ‬وفاعلًا‭ ‬جمعويًّا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ممثلي‭ ‬مؤسسات‭ ‬معنية‭ ‬بمجالات‭ ‬الثقافة‭ ‬والتراث‭ ‬والتعمير‭ ‬والتنمية‭ ‬الترابية،‭ ‬تنامى‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬ملف‭ ‬متكامل‭ ‬يستجيب‭ ‬لمعايير‭ ‬اليونسكو،‭ ‬ويعكس‭ ‬الخصوصية‭ ‬التاريخية‭ ‬والحضارية‭ ‬للمدينة‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تعرف‭ ‬فيه‭ ‬طنجة‭ ‬تحوُّلات‭ ‬عمرانية‭ ‬وتنموية‭ ‬متسارعة،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬استعداد‭ ‬المغرب‭ ‬لاستحقاقات‭ ‬دولية‭ ‬كبرى،‭ ‬أبرزها‭ ‬تنظيم‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2030،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تثمين‭ ‬البعد‭ ‬الثقافي‭ ‬والتاريخي‭ ‬للمدينة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬باعتباره‭ ‬مكونًا‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬الهُوية‭ ‬المحلية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬كرافعة‭ ‬للإشعاع‭ ‬الدولي‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

وخلال‭ ‬الجلسة‭ ‬الافتتاحية‭ ‬للقاء،‭ ‬شدَّد‭ ‬المتدخلون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬مؤهلات‭ ‬استثنائية‭ ‬تؤهلها‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬الفريد‭ ‬باعتبارها‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وبين‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تاريخها‭ ‬الطويل‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬فضاءً‭ ‬للتفاعل‭ ‬الحضاري‭ ‬والثقافي‭ ‬والديني‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭.‬

وأكَّد‭ ‬المشاركون،‭ ‬أنَّ‭ ‬المدينة‭ ‬لا‭ ‬تختزل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬العمراني‭ ‬أو‭ ‬التاريخي،‭ ‬بل‭ ‬تُمثّل‭ ‬نموذجًا‭ ‬حضاريًّا‭ ‬متكاملًا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬التراث‭ ‬المادي‭ ‬واللامادي،‭ ‬حيث‭ ‬تضمُّ‭ ‬المدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬والأسوار‭ ‬التاريخية‭ ‬والمباني‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الدولي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فضاءات‭ ‬طبيعية‭ ‬مصنفة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬بيئية‭ ‬وجمالية،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬كاب‭ ‬سبارطيل‭ ‬وغابة‭ ‬الرميلات‭ ‬ومتنزه‭ ‬بيرديكاريس،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬تمنح‭ ‬طنجة‭ ‬خصوصيةً‭ ‬مُركّبةً‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التاريخ‭ ‬والطبيعة‭ ‬والانفتاح‭ ‬الثقافي‭.‬

ويُعدُّ‭ ‬ملف‭ ‬ترشيح‭ ‬طنجة‭ ‬للتراث‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬المشاريع،‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬محاولات‭ ‬سابقة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المبادرات‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الحسم‭ ‬النهائي،‭ ‬بسبب‭ ‬تعقيدات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بإعداد‭ ‬الملف‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬اليونسكو،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تنسيق‭ ‬مؤسساتي‭ ‬واسع‭ ‬وضمان‭ ‬استدامة‭ ‬حماية‭ ‬المآثر‭ ‬والمواقع‭ ‬المرشحة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬شكَّل‭ ‬اللقاء‭ ‬العلمي‭ ‬الأخير‭ ‬مناسبة‭ ‬لاستحضار‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمسار‭ ‬ترشيح‭ ‬طنجة،‭ ‬وتحليل‭ ‬مكامن‭ ‬القوة‭ ‬والضعف‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬تلك‭ ‬المحاولات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاطّلاع‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬مدن‭ ‬مغربية‭ ‬أخرى‭ ‬نجحت‭ ‬أو‭ ‬تسعى‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تطوان‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭.‬

كما‭ ‬ركزت‭ ‬الورشات‭ ‬الموضوعاتية‭ ‬‮«‬التي‭ ‬تخللت‭ ‬اللقاء‮»‬‭ ‬على‭ ‬مناقشة‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬الأساسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإعداد‭ ‬الملف،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تحديد‭ ‬‮«‬القيمة‭ ‬العالمية‭ ‬الاستثنائية‮»‬‭ ‬لطنجة،‭ ‬وهي‭ ‬أحد‭ ‬الشروط‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬اليونسكو‭ ‬لقبول‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬ضمن‭ ‬قائمتها،‭ ‬وتمّ‭ ‬خلال‭ ‬النقاش‭ ‬تأكيد‭ ‬ضرورة‭ ‬بلورة‭ ‬تصور‭ ‬علمي‭ ‬دقيق‭ ‬يبرز‭ ‬الخصائص‭ ‬الفريدة‭ ‬للمدينة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تاريخها‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بُعدها‭ ‬الثقافي‭ ‬والإنساني‭ ‬والكوسموبوليتي‭.‬

وتناول‭ ‬المشاركون‭ ‬أيضًا‭ ‬إشكالية‭ ‬تحديد‭ ‬المجالات‭ ‬والمواقع‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشملها‭ ‬التصنيف،‭ ‬حيث‭ ‬برز‭ ‬اتّجاه‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬مقاربة‭ ‬شمولية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ ‬العتيقة،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تشمل‭ ‬كذلك‭ ‬المحيط‭ ‬الطبيعي‭ ‬والمعالم‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتاريخ‭ ‬طنجة‭ ‬الدولي،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تنوُّع‭ ‬مكونات‭ ‬الشخصية‭ ‬العمرانية‭ ‬والثقافية‭ ‬للمدينة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬يخل‭ ‬اللقاء‭ ‬من‭ ‬إثارة‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬التحدِّيات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تُهدّد‭ ‬أجزاءً‭ ‬من‭ ‬التُراث‭ ‬المعماري‭ ‬والتاريخي‭ ‬للمدينة،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬التحوُّلات‭ ‬العمرانية‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬آليات‭ ‬الحماية‭ ‬والتثمين،‭ ‬ونبَّه‭ ‬متدخلون‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬نجاح‭ ‬ملف‭ ‬الترشيح‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بإعداد‭ ‬وثائق‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬يتطلَّب‭ ‬أيضًا‭ ‬التزامًا‭ ‬فعليًّا‭ ‬بحماية‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬وضمان‭ ‬استدامته‭ ‬للأجيال‭ ‬المقبلة‭.‬

وشدد‭ ‬المشاركون‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬المقاربة‭ ‬التشاركية‭ ‬تظلُّ‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬إنجاح‭ ‬المشروع،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إشراك‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬والسلطات‭ ‬المحلية‭ ‬والقطاعات‭ ‬الحكومية‭ ‬والجامعة‭ ‬والخبراء‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬كما‭ ‬اعتبروا‭ ‬أنَّ‭ ‬التنسيق‭ ‬المؤسساتي‭ ‬وتوحيد‭ ‬الرؤية‭ ‬يُشكّلان‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬لإعداد‭ ‬ملف‭ ‬قوي‭ ‬ومتكامل‭ ‬يستجيب‭ ‬للمعايير‭ ‬الدولية‭ ‬المعتمدة‭.‬

ويرى‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي،‭ ‬أنَّ‭ ‬الدينامية‭ ‬الجديدة‭ ‬‮«‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬ملف‭ ‬طنجة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تمنح‭ ‬المشروع‭ ‬دفعةً‭ ‬إضافيةً،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنامي‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الثقافي‭ ‬ودور‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الجاذبية‭ ‬السياحية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬للمدن،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تصنيف‭ ‬طنجة‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬‮«‬من‭ ‬شأنه‮»‬‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقًا‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬المدينة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬للمآثر،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬ضمن‭ ‬الشبكات‭ ‬الثقافية‭ ‬الدولية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬نيل‭ ‬تصنيف‭ ‬اليونسكو‭ ‬مسارًا‭ ‬طويلًا‭ ‬ومُعقّدًا،‭ ‬يتطلَّب‭ ‬استيفاء‭ ‬شروط‭ ‬دقيقة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬أصالة‭ ‬المواقع،‭ ‬وضمان‭ ‬تدبيرها‭ ‬المستدام،‭ ‬وإثبات‭ ‬قيمتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬العالمية،‭ ‬وبين‭ ‬الطموح‭ ‬المشروع‭ ‬والتحديات‭ ‬القائمة،‭ ‬تبدو‭ ‬طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬فرصةً‭ ‬جديدةً‭ ‬لإعادة‭ ‬تقديم‭ ‬نفسها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مدينة‭ ‬ذات‭ ‬إشعاع‭ ‬حضاري‭ ‬عالمي،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬رصيدها‭ ‬التاريخي‭ ‬والثقافي‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬استراتيجي‭ ‬للمستقبل‭.‬

*ماذا‭ ‬ستستفيد‭ ‬طنجة؟

ويُشكّل‭ ‬إدراج‭ ‬المدن‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬لمنظمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬أحد‭ ‬أقوى‭ ‬أشكال‭ ‬الاعتراف‭ ‬الدولي‭ ‬بالقيمة‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية‭ ‬والعمرانية‭ ‬للمجالات‭ ‬الحضرية،‭ ‬لكنَّه‭ ‬‮«‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‮»‬‭ ‬يتجاوز‭ ‬البعدَ‭ ‬الرمزي‭ ‬نحو‭ ‬آثار‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتنموية‭ ‬وسياحية‭ ‬وسياسية‭ ‬عميقة،‭ ‬فالتصنيف‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬فقط‭ ‬‮«‬علامة‭ ‬جودة‮»‬‭ ‬ثقافية‭ ‬للمدينة،‭ ‬بل‭ ‬يضعها‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬الإنسانية‭ ‬ذات‭ ‬‮«‬قيمة‭ ‬عالمية‭ ‬استثنائية‮»‬‭. ‬وينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والسياح‭ ‬والتمويلات‭ ‬الدولية،‭ ‬وعلى‭ ‬تعزيز‭ ‬صورتها‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬كوجهة‭ ‬ذات‭ ‬هُوية‭ ‬متفرّدة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتسويق‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري،‭ ‬وتُؤكّد‭ ‬منظمة‭ ‬اليونسكو،‭ ‬أن‭ ‬المواقع‭ ‬المصنفة‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الوعي‭ ‬العالمي‭ ‬بها،‭ ‬ومن‭ ‬زيادة‭ ‬النشاط‭ ‬السياحي‭ ‬المرتبط‭ ‬بها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬التقني‭ ‬والمالي‭ ‬الخاصة‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭.‬

وتظهر‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أقطاب‭ ‬جذبٍ‭ ‬سياحيٍّ‭ ‬وثقافيٍّ،‭ ‬لأنَّ‭ ‬‮«‬علامة‭ ‬اليونسكو‮»‬‭ ‬تمتلك‭ ‬وزنًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬لدى‭ ‬السيّاح‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬وشركات‭ ‬الأسفار،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬لدى‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الثقافة‭ ‬والضيافة‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬وتُوضّح‭ ‬برامج‭ ‬السياحة‭ ‬المستدامة‭ ‬التابعة‭ ‬لليونسكو‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬أصبح‭ ‬موردًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬مهمًّا‭ ‬للمدن،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬إدارة‭ ‬التدفقات‭ ‬السياحية‭ ‬بشكل‭ ‬متوازن‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬القيمة‭ ‬التاريخية‭ ‬للموقع،‭ ‬ويمنع‭ ‬تحوُّله‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬للاستهلاك‭ ‬التجاري‭ ‬السريع‭.‬

وتستفيد‭ ‬المدن‭ ‬المُصنّفة‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬تحسين‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬وخدماتها‭ ‬العمومية؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التصنيف‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الترميم‭ ‬والصيانة‭ ‬والتأهيل‭ ‬الحضري‭ ‬وتحسين‭ ‬الولوج‭ ‬والنقل‭ ‬والإنارة‭ ‬والمرافق‭ ‬الثقافية‭.‬

وتشير‭ ‬وثائق‭ ‬اليونسكو‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬التأثير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للتصنيف‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬الزوار،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬بما‭ ‬ينتجه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬وظائفَ‭ ‬مباشرةٍ‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬والإرشاد‭ ‬السياحي‭ ‬والصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬والنقل‭ ‬والخِدْمات‭ ‬الثقافية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬دينامية‭ ‬اقتصادية‭ ‬محلية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الثقافي‭ ‬والإبداعي‭.‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يمنح‭ ‬التصنيف‭ ‬سكان‭ ‬المدن‭ ‬شعورًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بالانتماء‭ ‬والفخر‭ ‬الجماعي؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الاعتراف‭ ‬الدولي‭ ‬بالمدينة‭ ‬يعني‭ ‬ضمنيًّا‭ ‬الاعتراف‭ ‬بتاريخها‭ ‬وخصوصيتها‭ ‬الثقافية‭ ‬ودورها‭ ‬الحضاري،‭ ‬وترى‭ ‬اليونسكو‭ ‬أنَّ‭ ‬التراث‭ ‬يُمثّل‭ ‬رافعة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وبناء‭ ‬الإحساس‭ ‬المشترك‭ ‬بالهوية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّه‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تقوية‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حماية‭ ‬الذاكرة‭ ‬العمرانية‭ ‬والثقافية‭ ‬للمدن‭ ‬التاريخية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬تحدِّيات‭ ‬وإكراهات،‭ ‬إذ‭ ‬تصبح‭ ‬المدينة‭ ‬مطالبة‭ ‬باحترام‭ ‬معايير‭ ‬صارمة‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬والتعمير‭ ‬والتدبير‭ ‬الحضري؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬أي‭ ‬اختلالات‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬الموقع‭ ‬لخطر‭ ‬فقدان‭ ‬التصنيف‭ ‬أو‭ ‬إدراجه‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬المهدد‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬عدة‭ ‬مدن‭ ‬عالمية‭ ‬تحذيرات‭ ‬من‭ ‬اليونسكو‭ ‬بسبب‭ ‬مشاريع‭ ‬عمرانية‭ ‬أو‭ ‬سياحية‭ ‬اعتبرت‭ ‬مُهدّدة‭ ‬للقيمة‭ ‬التراثية‭ ‬للمواقع‭ ‬المصنفة،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬التصنيف‭ ‬يرتبط‭ ‬بقدرة‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬التاريخية‭ ‬والمعمارية‭.‬

وبالنسبة‭ ‬لمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬تبدو‭ ‬أهمية‭ ‬مشروع‭ ‬إدراجها‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬المدينة‭ ‬تمتلك‭ ‬أصلًا‭ ‬مقومات‭ ‬تاريخية‭ ‬وثقافية‭ ‬وحضارية‭ ‬تجعلها‭ ‬مؤهلة‭ ‬لهذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬الدولي،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬مدينة‭ ‬ذات‭ ‬موقع‭ ‬جغرافي‭ ‬استثنائي‭ ‬عند‭ ‬ملتقى‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬فضاءٌ‭ ‬تاريخيٌّ‭ ‬تعاقبت‭ ‬عليه‭ ‬حضارات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬الفينيقيين‭ ‬والرومان‭ ‬إلى‭ ‬الحقبة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ثم‭ ‬الفترة‭ ‬الدولية،‭ ‬مما‭ ‬منحها‭ ‬تنوّعًا‭ ‬عمرانيًّا‭ ‬وثقافيًّا‭ ‬نادرًا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬المغاربية‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬حصول‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬تصنيف‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬أن‭ ‬يمنحها‭ ‬إشعاعًا‭ ‬دوليًّا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬يتجاوز‭ ‬صورتها‭ ‬الحالية‭ ‬باعتبارها‭ ‬قطبًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬وصناعيًّا‭ ‬ولوجستيكيًّا،‭ ‬ليضيف‭ ‬إليها‭ ‬بُعدًا‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬وسياحيًّا‭ ‬عالميًّا‭ ‬أكثر‭ ‬رسوخًا،‭ ‬فالمدينة‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬عتيقة‭ ‬غنية‭ ‬بالمآثر‭ ‬والأسوار‭ ‬والأبواب‭ ‬التاريخية،‭ ‬وعلى‭ ‬تراث‭ ‬معماري‭ ‬مرتبط‭ ‬بالفترة‭ ‬الدولية،‭ ‬وعلى‭ ‬رصيد‭ ‬ثقافي‭ ‬وأدبي‭ ‬ارتبط‭ ‬بأسماءَ‭ ‬عالميةٍ‭ ‬في‭ ‬الفنّ‭ ‬والأدب‭ ‬والفكر،‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعلها‭ ‬وجهةً‭ ‬متميّزةً‭ ‬للسياحة‭ ‬الثقافية‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬العالية،‭ ‬بدل‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬السياحة‭ ‬العابرة‭ ‬أو‭ ‬الموسمية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُشكّل‭ ‬رافعةً‭ ‬قويةً‭ ‬لتسريع‭ ‬عمليات‭ ‬ترميم‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬والمباني‭ ‬التاريخية‭ ‬بطنجة‭ ‬وتأهيلها،‭ ‬ودفع‭ ‬الدولة‭ ‬والجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬نحو‭ ‬استثمارات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭ ‬والتراثي،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬المتاحف‭ ‬والمسارات‭ ‬السياحية‭ ‬والبنيات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنون‭ ‬والصناعات‭ ‬التقليدية،‭ ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬فرصَ‭ ‬شغل‭ ‬جديدة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الثقافي‭ ‬والسياحي،‭ ‬خاصّةً‭ ‬لفائدة‭ ‬الشباب‭ ‬والحرفيين‭ ‬والفاعلين‭ ‬المحليين‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أي‭ ‬توجه‭ ‬نحو‭ ‬التصنيف‭ ‬سيفرض‭ ‬على‭ ‬طنجة‭ ‬أيضًا‭ ‬تحدِّيات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بضرورة‭ ‬حماية‭ ‬نسيجها‭ ‬التاريخي‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬العقاري‭ ‬والتوسع‭ ‬العمراني‭ ‬غير‭ ‬المنضبط،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬المعماري‭ ‬للمدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬ومنع‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُؤثّر‭ ‬في‭ ‬القيمة‭ ‬التراثية‭ ‬والبصرية‭ ‬للمجال‭ ‬التاريخي،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬التصنيف‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬معركة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬اعتراف‭ ‬دولي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أيضًا‭ ‬معركة‭ ‬لإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬التنمية‭ ‬الحضرية‭ ‬للمدينة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭.‬

وفي‭ ‬حال‭ ‬نجحت‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬دخول‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مكسبًا‭ ‬رمزيًّا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬في‭ ‬تموقعها‭ ‬الدولي؛‭ ‬لأنَّها‭ ‬ستنتقل‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬ذات‭ ‬ثقل‭ ‬اقتصادي‭ ‬إقليمي‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬حضارية‭ ‬عالمية‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬أمميًا،‭ ‬مما‭ ‬سيمنحها‭ ‬قدرةً‭ ‬أكبرَ‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬السياحة‭ ‬الثقافية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتُّراث‭ ‬والصناعات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬ويُكرّس‭ ‬صورتها‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الحواضر‭ ‬المتوسطية‭ ‬ذات‭ ‬الامتداد‭ ‬التاريخي‭ ‬والثقافي‭ ‬المتعدد‭.‬ِ

*خطوات‭ ‬لاستعادة‭ ‬القيمة‭ ‬الثقافية

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬الخطوات‭ ‬‮«‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬طنجة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬وكأنّها‭ ‬تُمهّد‭ ‬فعليًّا‭ ‬لمسار‭ ‬أوسع‭ ‬مرتبط‭ ‬بالطموح‭ ‬نحو‭ ‬الإدراج‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬لليونسكو،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الموروث‭ ‬العمراني‭ ‬والتاريخي،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترسيخ‭ ‬صورة‭ ‬المدينة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءً‭ ‬عالميًّا‭ ‬للإبداع‭ ‬والثقافة‭ ‬والتبادل‭ ‬الحضاري‭.‬

فاختيار‭ ‬طنجة،‭ ‬أواخر‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬المدن‭ ‬المبدعة‭ ‬التابعة‭ ‬لليونسكو‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأدب،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬تصنيفٍ‭ ‬ثقافيٍّ‭ ‬معزولٍ،‭ ‬بل‭ ‬اعترافًا‭ ‬أمميًّا‭ ‬بمسار‭ ‬تاريخي‭ ‬وثقافي‭ ‬طويل‭ ‬ارتبط‭ ‬بصورة‭ ‬المدينة‭ ‬باعتبارها‭ ‬ملتقى‭ ‬للكتاب‭ ‬والمفكرين‭ ‬والفنانين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

ويكتسي‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬محدودية‭ ‬عدد‭ ‬المدن‭ ‬المصنفة‭ ‬عالميًّا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأدب،‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬طنجة‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬الدولية،‭ ‬ويمنحها‭ ‬حضورًا‭ ‬أكبرَ‭ ‬ضمن‭ ‬شبكات‭ ‬التعاون‭ ‬الثقافي‭ ‬والإبداعي‭ ‬العالمية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التتويج‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلًا‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تقديم‭ ‬المدينة‭ ‬لنفسها،‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬ومينائي‭ ‬وسياحي،‭ ‬إلى‭ ‬حاضرة‭ ‬ذات‭ ‬عمق‭ ‬فكري‭ ‬وأدبي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬الثقافة‭ ‬باعتبارها‭ ‬رافعةً‭ ‬للتنمية‭ ‬والانفتاح‭ ‬الدولي‭.‬

الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬طنجة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬اليونسكو‭ ‬لاحتضان‭ ‬الاحتفال‭ ‬العالمي‭ ‬باليوم‭ ‬الدولي‭ ‬لموسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬لسنة‭ ‬2024،‭ ‬وهو‭ ‬حدث‭ ‬ذو‭ ‬رمزية‭ ‬ثقافية‭ ‬كبيرة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬المنظمة‭ ‬الأممية‭ ‬لا‭ ‬تختار‭ ‬المدن‭ ‬المضيفة‭ ‬فقط‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬اللوجستيكية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬وزنها‭ ‬الثقافي‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬قيم‭ ‬التنوُّع‭ ‬والانفتاح‭ ‬والتلاقح‭ ‬الحضاري‭.‬

وقد‭ ‬شكَّل‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬مناسبة‭ ‬لإبراز‭ ‬البعد‭ ‬المتوسطي‭ ‬والإفريقي‭ ‬والعالمي‭ ‬للمدينة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬موسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬والتراث‭ ‬الموسيقي‭ ‬المغربي،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسه‭ ‬موسيقى‭ ‬كناوة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬الفني‭ ‬والثقافي‭ ‬لطنجة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءً‭ ‬استقطبَ‭ ‬لعقود‭ ‬أسماء‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬والأدب‭ ‬والفنّ‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أوسع،‭ ‬فإنَّ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاعترافات‭ ‬الدولية‭ ‬تُسهم‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬الملف‭ ‬الرمزي‮»‬‭ ‬للمدينة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسَّسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الأممية،‭ ‬وتمنح‭ ‬طنجة‭ ‬حضورًا‭ ‬متراكمًا‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬اليونسكو،‭ ‬وهو‭ ‬معطى‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأي‭ ‬مدينة‭ ‬تطمح‭ ‬مستقبلًا‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬حظوظها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الإدراج‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬فالتصنيفات‭ ‬الثقافية‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تبنى‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المعطى‭ ‬العمراني‭ ‬أو‭ ‬التاريخي،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬إثبات‭ ‬استمرارية‭ ‬إشعاعها‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬دوليًّا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬طنجة‭ ‬منشغلة‭ ‬اليوم‭ ‬بتكريسه‭ ‬بشكل‭ ‬متدرج‭ ‬وواضح‭.‬

تابعنا على الفيسبوك