تواصل معنا

إقتصاد

الحرائق.. غول يحاصر طنجة متسببًا في كوارث متكرر وخسائر مادية جسيمة

النيران أصبحت تهدد النشاط التجاري للمدينة وتلتهم غاباتها كل سنة

علاقة طنجة بالحرائق تكاد أن تكون تاريخيَّة، فانطلاقًا من حرائق غابات مديونة والسلوقيَّة والرميلات، وصولًا إلى الحرائق التي نشبت في أسواق كاسابراطا وبني مكادة وفي العديد من المناطق الصناعيَّة، أصبحت المدينة مُعتادة على عيش مثل هذه الفواجع، التي وإن كانت نادرًا ما تؤدي إلى خسائر في الأرواح، فإنَّها في مقابل ذلك تتسبّب في خسائر ماديَّة جسيمة وتعيد إلى الأذهان الخصاص الذي تعيشه على مستوى تدبير الكوارث.

وكانت الحرائق الأخيرة ناقوس خطر تمّ قرعه بشدّة قبيل استضافة طنجة كأس أمم إفريقيا 2025، الاختبار الأول للمغرب قبل الاحتضان المشترك مع إسبانيا والبرتغال لكأس العالم 2030، الأمر الذي دفع واليّها ومجالسها الترابيَّة على مستوى الجماعة والجهة، للتحرُّك من أجل تغير هذا الواقع، بما قد يُمثّل نقط البداية لحرب استباقيَّة سيتمُّ خوضُها مستقبلًا ضد الحرائق.

  • بداية سنة ملتهبة

وبدأت مدينة طنجة سنة 2025 بحريقين كبيرين، الأوّل كان في 19 فبراير الماضي، حين شبَّت النيران في معمل للأحذيَّة يقع في المنطقة الصناعيَّة “المجد”، إذ ساعدت المواد القابلة للاشتعال في انتشار النيران بسرعة وأحدثت صعوباتٍ أمام عناصر الوقاية المدنيَّة خلال محاولات إخمادها والسيطرة عليها قبل أن تمتد إلى وحدات صناعيَّة أخرى، وقد تسبَّبت هذه الكارثة، التي يعتقد أن السبب الذي أدى إليها هو تماسٌ كهربائيٌّ، في خسائر ماديَّة جسيمة، ولم تتمِّ السيطرة على ألسنة اللهب إلا بعد ساعات، في واقعة دفعت والي جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، يونس التازي، إلى الوقوف ميدانيًّا على ما يحدث.

هذه الواقعة دفعت السلطات المحليَّة إلى إيفاد لجان مختصة للقيام بزيارات ميدانيَّة في المنطقة الصناعيَّة “المجد”، من أجل مراقبة مدى التزامها باحترام ضوابط الوقاية واتِّخاذ الاحتياطات الضروريَّة لتفادي تكرار سيناريو مصنع الأحذية، وقد أكَّدت مصادر محليَّة، أنَّ هذه الخطوة أتت بناءً على تعليمات صارمة من الوالي التازي، الذي شدَّد على ضرورة احترام الوحدات الصناعيَّة لشروط السلامة والأمان، كما أنَّ هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة مطالب راجت قبل سنوات بخصوص ضرورة نقل هذا الموقع الصناعي إلى خارج منطقة “العوامة” المكتظة بالسكان.

وبعد هذه الكارثة بثلاثة أيّام فقط، وبالضبط يوم 22 فبراير الماضي، كان سوق القرب بني مكادة على موعد مع كارثة أخرى، حين التهمت النيران العديد من المحلات التجاريَّة التي كان أصحابها قد اقتنوا البضائع قبل وقت وجيز من ذلك، استعدادًا لشهر رمضان الذي يُمثّل ذروة نشاطهم التجاري، ووَفْق شهادات تجار متضرّرين فإنَّ الخسائر هناك تُقدّر بملايير السنتيمات، ومرة أخرى يُعتقد أن الحريق ناجم عن تماسٍ كهربائيٍّ، إلى جانب الافتقار إلى وسائل التدخّل الفوري للسيطرة على النيران.

ويبرز ذلك من خلال تصريحات العديد من المتضرّرين الذين وقفوا عاجزين عن إخماد ألسنة اللهب، في ظل تأخر وصول عناصر الوقاية المدنيَّة، ورغم أنَّ اليوم كان ممطرًا فإنَّ رجال الإطفاء احتاجوا إلى ساعات من أجل السيطرة على النيران التي كانت تنتقل بسهولة بين محل وآخر، في ظل عدم وجود ممرات أو وسائل تفصل بينها وأيضًا بسبب وجود العديد من الموادّ القابلة الاشتعال، لدرجة أن بعضها انفجر وسط حرارة النيران.

ودفعت هذه الواقعة عمدة مدينة طنجة، منير ليموري، للانتقال إلى عين المكان من أجل معاينة الخسائر والاستماع إلى المتضررين، في حين أعلنت غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، خلال الجمعيَّة العامة الأولى لها في هذه السنة، إحداث صندوق للتضامن مع التجار المتضرّرين من الحرائق بقيمة مليون درهم، ووفق أرقام الغرفة فإنَّ المحلات التجاريَّة التي تضررت من حريق سوق القرب بني مكادة تعدّت 100 محل، وأكَّد رئيس الغرفة عبد اللطيف أفيلال أنَّ كل المتضررين تجارٌ صغارٌ لا يتوفرون على تأمين أو على الإمكانيات اللازمة لتغطيَّة الخسائر الجسيمة المسجلة، خصوصًا أنَّ الحريق اندلع قبل شهر رمضان، مبرزًا أنَّ صندوق التضامن الذي انطلق بـ100 مليون سنتيم رصدتها الغرفة، سيكون مفتوحًا أمام تبرعات رجال الأعمال الذين ستحثّهم الغرفة على المساهمة فيه.

هذه الحرائق أكَّدت معاناة أقاليم شمال المملكة مع مختلف أنواع النيران، التي أصبحت هاجسًا أمام السلطات المحليَّة والمجالس المنتخبة، فإلى جانب حرائق المناطق الصناعيَّة تُسجّل أيضا حرائق أخرى على مستوى الوعاء الغابوي، فحسب الأرقام الرسميَّة تُعدُّ جهة طنجة – تطوان – الحسيمة أكثر جهات المملكة تضرّرًا بسبب الحرائق الغابويَّة على مستوى الوطني، مُسجّلة تضرر 357 هكتارًا خلال سنة 2024، وقبلها 1395 هكتارًا سنة 2023، لكن الرقم الأفدح كان هو 17.491 هكتارًا خلال سنة 2022.

  • مخططات للمستقبل القريب

وبتاريخ 28 فبراير 2025، شارك عمدة مدينة طنجة، منير ليموري في فعاليات الأبواب المفتوحة للوقاية المدنيَّة، في إطار تخليد اليوم العالمي للوقاية المدنيَّة الذي يتمُّ الاحتفاء به في فاتح مارس من كل سنة، وبتلك المناسبة قالت جماعة طنجة إنّها “تستحضر، بكل اعتزاز، الدور النبيل الذي يضطلع به رجال ونساء الوقاية المدنيَّة في حماية الأرواح والممتلكات” ناقلة عن رئيس المجلس الجماعي تعبيره عن “تقديره العميق لتضحياتهم وتفانيهم في خدمة الوطن”، وتأكيده “مكانتهم المحوريَّة في تعزيز الأمن والسلامة داخل المجتمع”.

هذه العبارات التي مثَّلت جانبًا من اعتراف جماعة طنجة بأدوار الإطفائيين في التغلُّب على آفة الحرائق التي عانت منها المدينة على مستوى المناطق الصناعيَّة والأسواق الكبرى والغابات والوحدات السكنيَّة وغيرها، سبقتها إجراءات أخرى عمليَّة كان الهدف منها هو تعزيز جهود التدخل عند وقوع حوادث من هذا النوع، وتعزيز قدرات عناصر الوقاية المدنيَّة، على المستويين البشري واللوجيستيكي، باعتبار الجماعة طرفًا رئيسيًّا في معادلة التصدّي للحرائق على مستوى المدينة ومحيطها الغابوي.

وخلال السنة الماضيَّة رصد مجلس جماعة طنجة، مساهمة ماليَّة بقيمة 8,6 ملايين درهم، لتمويل برنامج إعادة تأهيل وتعزيز حماية الغابات من الحرائق، وهو البرنامج الذي يهم غابات دونابو والرميلات وكاب سبارطيل والرهراره، بما يُشكّل موضوع اتفاقيَّة متعدّدة الأطراف تمت المصادقة عليها خلال أشغال الدورة العاديَّة لشهر فبراير 2024

ووَفْق ما تمّ الإعلان عنه من طرف مجلس جماعة طنجة، فإنَّ البرنامج العام الذي تبلغ كلفته الإجماليَّة 34,6 مليون درهم، يهدف إلى الحد من مخاطر اندلاع الحرائق في الفضاءات الغابويَّة المذكورة، وتسهيل مكافحة الحرائق في حال اندلاعها، وحماية الموارد الغابويَّة الثمينة، وتعزيز الوعي بأهميَّة حماية الغابات.

ويتضمَّن البرنامج تركيب 87 صنبور إطفاء بشكل استراتيجي داخل المنطقة المُعرّضة للخطر، وفتح 9 كيلومترات من المسالك الجديدة لتسهيل ولوج فرق التدخّل والمعدّات، وصيانة 2 كيلومتر من المسالك الحاليَّة، كما يشتمل على إنشاء سياج لمنع الولوج غير المصرح به، وفتح خنادق الحماية من الحرائق، وتوسيع خنادق الحماية من الحرائق، والقيام بعمليات تنظيف الأشجار المحروقة والتطهير وتخفيف النباتات، وإعادة تشجير وغرس المناطق المحروقة والمناطق المتضرّرة المحيطة بها، وإنشاء منطقة عازلة حول المنازل.

الأمر هنا يتعلق باتفاقيَّة متعدّدة الأطراف تشمل أيضًا الوكالة الوطنيَّة للمياه والغابات، التي ستُسهم بـ18 مليون درهم، ومجلس جهة طنجة – تطوان – الحسيمة الذي قرر المساهمة بـ8 ملايين درهم، وتشرف عليها الولاية ممثلة لوزارة الداخليَّة، وتعمل على تنزيلها وكالة إنعاش وتنميَّة أقاليم الشمال، وتمتد الاتفاقيَّة إلى غاية نهاية سنة 2025.

وفي تفاصيل الاتفاقيَّة نجد إنشاء سياج يمتدّ على مسافة 1500 متر طولي لمنع الولوج غير المصرح به وللحدّ من الأنشطة التي يحتمل أن تكون خطرة، وكذا فتح أكثر من 10 آلاف متر طولي من الخنادق للحد من انتشار الحرائق بعرض يتراوح بين 20 و70 مترا، وتوسعة بعض الخنادق الحاليَّة لتصل عرض 50 مترًا على مسافة تفوق 3100 متر طولي، إذ تشكل هذه الخنادق حاجزًا طبيعيَّة يمنع تقدم النيران.

وحسب ما أعلنه مجلس الجهة في ماي الماضي، فقد تمت برمجة تأهيل 50 هكتارًا من الغابات عبر القيام بعمليات تنظيف الأشجار المحروقة والتطهير وتخفيف النباتات بهدف التقليل من كثافة الغطاء الغابوي، وإعادة تشجير وغرس المناطق المحروقة والمتضرّرة على مساحة تصل إلى 45 هكتارًا، وإنشاء منطقة عازلة بشأن المنازل على مساحة تفوق 11 هكتارًا، وذلك من أجل التقليل من المخاطر الماديَّة للحرائق.

ولم تكن هذه الاتفاقيَّة وحدها كافيَّة، في ظلت معاناة الأقاليم الشماليَّة للمملكة، أكثر من غيرها، من خطر الحرائق، وهو ما كان حاضرًا بقوة في دورة مجلس الجهة المنعقدة بتاريخ 3 مارس 2025، وبناًء على ذلك تم رصد اعتمادات ماليَّة تصل إلى 38,3 مليون درهم من أجل تعزيز قدرات جهة طنجة – تطوان – الحسيمة على مكافحة الحرائق الغابويَّة خلال سنتي 2025 و2026، ويشكل المشروع، حسب ما تم الإعلان عنه قبل أيام، موضوع اتفاقيَّة شراكة لمحاربة الحرائق الغابويَّة بين الوكالة الوطنيَّة للمياه والغابات ومجلس الجهة، والتي تمت المصادقة عليها بالأغلبيَّة المطلقة من طرف أعضاء المجلس خلال انعقاد الدورة العاديَّة.

وتهدف هذه الاتفاقيَّة إلى تحديد آليات الشراكة المتفق عليها بين الطرفين من أجل تسخير الوسائل الضروريَّة لتعزيز جهود مراقبة ومحاربة الحرائق الغابويَّة بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، وسيتم -في إطارها- تنفيذ مجموعة من التدخلات الراميَّة إلى تعزيز مراقبة ومحاربة الحرائق الغابويَّة بالجهة، عبر تعيين حرّاس في مجال الحرائق، واقتناء سيارات التدخل الأولي، وإنشاء أبراج المراقبة، وفتح وصيانة خنادق الحماية من الحرائق، وتوزيع المعدّات الصغيرة لمكافحة الحرائق، واقتناء معدات لفرق التدخل، كما سيتم تمويل التدخلات المبرمجة في إطار الاتفاقيَّة بشراكة بين مجلس جهة الجهة الذي سيُسهم بـ 11,5 مليون درهم، فيما ستسهم الوكالة الوطنيَّة للمياه والغابات بـ26,8 مليون درهم.

  • الوالي يدخل على الخط

وأصبح من الواضح أن موضوع الحرائق صار أولويَّة بالنسبة لأعلى سلطة في المدينة، وهو ما أكّده والي جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، يونس التازي، خلال افتتاح أشغال دورة مارس العاديَّة لمجلس الجهة، إذ قال في كلمته إنَّ الجهة تُسهم في مكافحة الحرائق، مبرزًا أنَّه تم الاتفاق مع كافة المتدخلين والشركاء على مستوى عمالات وأقاليم الجهة الشماليَّة، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للوقاية الذمدنيَّة، على الدور الكبير الذي يتم القيام به على هذا المستوى.

الوالي تأسف أيضًا للتأثير الكبير الذي تُخلّفه الحرائق على مستوى الجهة، سواء تعلق الأمر بحرائق الغابات أو أيضًا بالحرائق التي يشهدها المجال الحضري في مجال الأنشطة الاقتصاديَّة، التي أبرز أنها أصبحت كثيرا في الآونة الأخيرة.

وقال الوالي التازي “للأسف عاينا مؤخرًا العديد من الحرائق على مستوى طنجة وتطوان، التي كانت دون خسائر في الأرواح ولله الحمد، ولكنها خلَّفت خسائر ماديَّة جسيمة”، وتابع “هذا الأمر يدفعنا جميعا للاتّفاق من أجل المساهمة في عمليَّة التوعيَّة، لأنّه عند الحريق يكون اللتر الأول هو أهم شيء، فالتدخل الأول مُهمّ جدًّا، لكن تفادي الحريق وتجنُّب أسبابه أفضل من ذلك”.

ووجه الوالي التازي نداءً إلى مختلف الفعاليات من أجل الانخراط في عمليات التحسيس من مسببات الحرائق، في عمليَّة موجهة للساكنة وأيضًا للفاعلين الاقتصاديين ومختلف المتدخلين، حتّى يتمَّ تفادي الأمور التي تُؤدّي إلى اندلاع النيران، وكذلك التوفر على وسائل مواجهتها، والمساعدة على تسهيل التدخّل الأولي حتى يكون ناجحًا، مبرزًا في هذا الصدد أن دهم مختلف الهيئات ضروري.

  • حرائق الغابات

وفي شتنبر من سنة 2024، أفادت الوكالة الوطنيَّة للمياه والغابات، بأنَّ المغرب شهد انخفاضًا ملحوظًا في عدد حرائق الغابات والمساحات المتضرّرة خلال سنة 2024، إذ بلغ إجمالي المساحة المحروقة 780 هكتارًا، مقابل 6100 هكتار أتت عليها الحرائق خلال سنة 2023، أي أقل بسبع مرات، وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، كانت جهة فاس- مكناس الأكثر تضررًا إلى حدود الصيف الماضي، إذ شهدت نشوب 40 حريقًا أتى على 350 هكتارًا، تليها مباشرة جهة طنجة – تطوان – الحسيمة التي سجلت87 حريقًا أتى على 271 هكتارًا، قبل جهة الشرق التي أتت النيران على 112 هكتارًا فيها.

وأوضحت الوكالة، في بلاغ حول حرائق الغابات التي اندلعت خلال الفترة ما بين 1 يناير و31 غشت 2024، أنه تمَّ تسجيل 270 حريقًا على الصعيد الوطني، أتت على مساحة إجماليَّة تبلغ 780 هكتارا، بمعدل 2.9 هكتار لكل حريق، وأضافت أن هذه المساحة المحروقة تتكوَّن من 430 هكتارًا من الأشجار بنسبة 55 بالمئة و350 هكتارًا من أنواع ثانويَّة ونباتات عشبيَّة بنسبة 45 في المئة.

وفي صيف 2023، صنفت الوكالة عمالة طنجة – أصيلة ضمن المستوى الأحمر الخاص بالمناطق التي يصل فيها مستوى خطر اندلاع الحرائق إلى درجة قصوى، في حين صُنّفت عمالة الفحص – أنجرة وإقليم شفشاون والعرائش ووزان والحسيمة، ضمن المستوى البرتقالي، أي أن درجة خط الحرائق فيها مرتفعة، ما دفع الوكالة إلى إطلاق دعوة من أجل توخي الحيطة والحذر من قبل الساكنة المجاورة للمجالات الغابويَّة أو العاملين بها، وكذلك من قبل المُصْطافين والزوار، مشددة على ضرورة تفادي أي نشاط قد يسبب اندلاع الحريق كما عليهم إبلاغ السلطات المحليَّة بسرعة في حَال رصد أي دخان أو سلوك مشبوه.

 

تابعنا على الفيسبوك