تواصل معنا

في الواجهة

بعد فاجعة فاس.. هل تفتح الداخلية صندوق رخص البناء العشوائي أم يُــطـــوى الملـــف كعـــادتــــه؟

بعد‭ ‬الفاجعة‭ ‬التي‭ ‬هزّت‭ ‬مدينة‭ ‬فاس،‭ ‬وعادت‭ ‬معها‭ ‬صور‭ ‬الانهيارات‭ ‬المفاجئة‭ ‬للمباني‭ ‬وما‭ ‬تُخلّفه‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬وخسائرَ‭ ‬ماديّة‭ ‬جسيمة،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬سؤال‭ ‬قديم‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كلّ‭ ‬كارثة‭ ‬مشابهة‭: ‬هل‭ ‬تتحرّك‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬فعلًا‭ ‬لنبش‭ ‬ملفات‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭ ‬ورخص‭ ‬التعمير‭ ‬التي‭ ‬مُنحت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة،‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمر‭ ‬يقتصر‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬التعزية‭ ‬وفتح‭ ‬تحقيقات‭ ‬ظرفية‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬توضع‭ ‬في‭ ‬الرفوف؟

فاجعة‭ ‬فاس‭ ‬لم‭ ‬تكن،‭ ‬وفق‭ ‬متابعين،‭ ‬حادثًا‭ ‬معزولًا‭ ‬أو‭ ‬نتيجةً‭ ‬‮«‬قضاء‭ ‬وقدر‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬حلقة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الاختلالات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بقطاع‭ ‬التعمير،‭ ‬حيث‭ ‬تداخلت‭ ‬المسؤوليات‭ ‬بين‭ ‬جماعات‭ ‬ترابية،‭ ‬وسلطات‭ ‬محلية،‭ ‬ومكاتب‭ ‬دراسات،‭ ‬ومقاولين،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬المراقبة‭ ‬أو‭ ‬غضّ‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬خروقات‭ ‬واضحة،‭ ‬بعضها‭ ‬موثق‭ ‬بشكايات‭ ‬وتقارير‭ ‬رسمية‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬التنفيذ‭.‬

في‭ ‬الأحياء‭ ‬الهامشية‭ ‬والعتيقة‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭ ‬يشكل‭ ‬قنبلة‭ ‬موقوتة،‭ ‬فقد‭ ‬رُخِّصتُ‭ ‬منح‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬يلفها‭ ‬الغموض،‭ ‬طوابق‭ ‬إضافية‭ ‬تُشيد‭ ‬خارج‭ ‬التصاميم‭ ‬المصادق‭ ‬عليها،‭ ‬ومواد‭ ‬بناء‭ ‬لا‭ ‬تحترم‭ ‬أدنى‭ ‬شروط‭ ‬السلامة،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يتم‭ ‬أحيانًا‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬السلطات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬البنايات،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات،‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬لأرواح‭ ‬السكان‭.‬

مصادر‭ ‬مطلعة‭ ‬أكَّدت‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬تلجأ،‭ ‬عقب‭ ‬كلّ‭ ‬فاجعة،‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬تعليمات‭ ‬صارمة‭ ‬للولاة‭ ‬والعمّال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشديد‭ ‬المراقبة‭ ‬وفتح‭ ‬تحقيقات‭ ‬إدارية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكال،‭ ‬بحسب‭ ‬المصادر‭ ‬نفسها،‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬انتقائية‭ ‬هذه‭ ‬التحركات،‭ ‬التي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تتوقّف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المسؤولين‭ ‬الصغار،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمتدّ‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬أوسع‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬الرخص‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬معيّنة‭.‬

ويطرح‭ ‬متتبّعون‭ ‬تساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬استعداد‭ ‬الداخلية‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬أرشيف‭ ‬رخص‭ ‬البناء‭ ‬المُسلّمة‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬سابقة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬عرفت‭ ‬ضغطًا‭ ‬عمرانيًّا‭ ‬كبيرًا‭ ‬وتوسّعا‭ ‬سريعًا‭ ‬للمدن،‭ ‬حيث‭ ‬تحوَّلت‭ ‬بعض‭ ‬الجماعات‭ ‬إلى‭ ‬ورش‭ ‬مفتوح،‭ ‬وغابت‭ ‬فيه‭ ‬الرقابة‭ ‬الصارمة‭ ‬مقابل‭ ‬تساهل‭ ‬مريب‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬التراخيص‭.‬

الفاجعة‭ ‬أعادت‭ ‬كذلك‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬المنتخبين‭ ‬المحليين،‭ ‬الذين‭ ‬يضعهم‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬منظومة‭ ‬التعمير،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬لجان‭ ‬الدراسة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توقيع‭ ‬الرخص‭.‬

فهل‭ ‬ستُفتح‭ ‬ملفات‭ ‬قديمة‭ ‬تُظهر‭ ‬حجم‭ ‬المسؤولية‭ ‬السياسية‭ ‬فيما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬أوضاع‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الأحياء،‭ ‬أم‭ ‬سيظل‭ ‬المنتخب‭ ‬‮«‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬المساءلة‮»‬‭ ‬بدعوى‭ ‬تقاسم‭ ‬الاختصاصات؟

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬تتحدَّث‭ ‬تقارير‭ ‬رسمية‭ ‬عن‭ ‬آلاف‭ ‬البنايات‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬العتيقة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تُفعّل‭ ‬برامج‭ ‬التأهيل‭ ‬إلا‭ ‬بشكلٍ‭ ‬جزئيٍّ،‭ ‬فيما‭ ‬بقي‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬الدور‭ ‬بين‭ ‬وعود‭ ‬الترحيل‭ ‬والخوف‭ ‬اليومي‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬مفاجئ،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬فاس‭.‬

الشارع،‭ ‬من‭ ‬جهته،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يكتفي‭ ‬بلغة‭ ‬التحقيقات‭ ‬التقنية،‭ ‬بل‭ ‬يطالب‭ ‬بمحاسبة‭ ‬واضحة،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الفاجعة،‭ ‬بل‭ ‬قبلها،‭ ‬عبر‭ ‬تفعيل‭ ‬المراقبة‭ ‬الاستباقية،‭ ‬وإيقاف‭ ‬نزيف‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي،‭ ‬ومراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬لمساطر‭ ‬الترخيص‭ ‬التي‭ ‬تحولت،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين،‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬للفساد‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬لتنظيم‭ ‬المجال‭ ‬العمراني‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬معلقا‭: ‬هل‭ ‬تشكل‭ ‬فاجعة‭ ‬فاس‭ ‬نقطة‭ ‬تحوُّل‭ ‬حقيقية‭ ‬تدفع‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬ملفات‭ ‬‮«‬ثقيلة‮»‬‭ ‬ظلَّت‭ ‬مغلقة‭ ‬لسنوات،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬ستُصاب‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بالنسيان،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬فاجعة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى،‭ ‬وتُعاد‭ ‬الأسئلة‭ ‬نفسها‭ ‬بصيغة‭ ‬أكثر‭ ‬ألمًا؟

تابعنا على الفيسبوك