تواصل معنا

سياسة

طنجة-أصيلة.. حين تغيب النساء عن صدارة اللوائح الانتخابية

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية،‭ ‬المُقرّر‭ ‬تنظيمُها‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬2026،‭ ‬تتجه‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة،‭ ‬التي‭ ‬تُعدُّ‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية‭ ‬إثارة‭ ‬للتنافس،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حجمها‭ ‬السياسي‭ ‬وعدد‭ ‬المقاعد‭ ‬البرلمانية‭ ‬المخصصة‭ ‬لها،‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد‭.‬

لكنَّ‭ ‬النقاش‭ ‬الانتخابي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بمن‭ ‬سيظفر‭ ‬بالمقاعد‭ ‬الخمسة،‭ ‬ولا‭ ‬بمن‭ ‬يتصدر‭ ‬السباق‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب،‭ ‬بل‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭: ‬أين‭ ‬توجد‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السباق؟

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬للنساء‭ ‬معيارًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬ديمقراطية‭ ‬الحياة‭ ‬الحزبية،‭ ‬تكشف‭ ‬قراءة‭ ‬أولية‭ ‬لترتيب‭ ‬اللوائح‭ ‬الانتخابية‭ ‬بالدائرة‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬حضور‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬المراتب‭ ‬المتقدمة،‭ ‬مقابل‭ ‬حضور‭ ‬نسائي‭ ‬محدود‭ ‬جدًّا‭.‬

وبحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬المتداولة‭ ‬عن‭ ‬اللوائح‭ ‬المرشحة‭ ‬بالدائرة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬17‭ ‬لائحة،‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تظهر‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المراتب‭ ‬العشر‭ ‬الأولى،‭ ‬باستثناء‭ ‬لائحة‭ ‬واحدة‭ ‬لحزب‭ ‬صاعد‭ ‬اختار‭ ‬تزكية‭ ‬امرأة‭ ‬شابة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تبدو‭ ‬لافتة‭ ‬وسط‭ ‬مشهد‭ ‬انتخابي‭ ‬يغلب‭ ‬عليه‭ ‬الحضور‭ ‬الذكوري‭.‬

*خـمـــــسـة‭ ‬مـــقـــــاعد‭..‬‭ ‬ومنافسة‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الرجال

دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬تدخل‭ ‬انتخابات‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬سياسي‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬تتنافس‭ ‬الأحزاب‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد‭ ‬برلمانية،‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬مفتوح‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الحساباتُ‭ ‬الحزبية‭ ‬مع‭ ‬النفوذ‭ ‬المحلي‭ ‬والرصيد‭ ‬الانتخابي‭ ‬للأسماء‭ ‬المرشحة‭.‬

وتشير‭ ‬التغطيات‭ ‬الانتخابية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬اختار‭ ‬الدفع‭ ‬بوجوه‭ ‬لها‭ ‬حضور‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‭ ‬والعمل‭ ‬المحلي‭ ‬والحزبي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ “‬من‭ ‬جهة‭” ‬رغبةً‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬انتخابية،‭ ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ “‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭” ‬استمرارَ‭ ‬صعوبة‭ ‬ولوج‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬الأحزاب‭ ‬‮«‬القابلة‭ ‬للفوز‮»‬‭.‬

فالمشكلة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعدم‭ ‬وجود‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحزبية،‭ ‬وإنَّما‭ ‬بمدى‭ ‬استعداد‭ ‬الأحزاب‭ ‬لمنحهنّ‭ ‬المواقع‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬فعلًا‭ ‬إلى‭ ‬تمثيلية‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان‭.‬

*هل‭ ‬أصبحت ‭ ‬‮«‬القابلية‭ ‬للفوز‮»‬‭‬ مبررًا‭ ‬لإقصاء‭ ‬النساء؟

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬تتراجع‭ ‬الأحزاب‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬المراتب‭ ‬الأولى؟

الإجابة‭ ‬الجاهزة‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬أن‭ ‬الانتخابات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مرشحين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬جلب‭ ‬الأصوات،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬المرشح‭ ‬القوي‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬شبكة‭ ‬علاقات‭ ‬انتخابية‭ ‬وحضورًا‭ ‬ميدانيًّا‭ ‬وتجربة‭ ‬سياسية‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سؤالٍ‭ ‬أكثرَ‭ ‬عمقًا‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمرأة‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬تلك‭ ‬الشبكة‭ ‬الانتخابية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تمنحها‭ ‬الأحزاب‭ ‬أصلًا‭ ‬فرصة‭ ‬الترشُّح‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬متقدّمة؟

فالخبرة‭ ‬الانتخابية‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬الفراغ،‭ ‬والشبكة‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬انتخابيٍ‭ ‬واحد‭. ‬وإذا‭ ‬ظلّ‭ ‬الرجال‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬المراتب‭ ‬الأولى‭ ‬باعتبارهم‭ ‬‮«‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الفوز‮»‬،‭ ‬فإنَّ‭ ‬النساء‭ ‬سيبقين‭ ‬دائمًا‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬التجربة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سيعاد‭ ‬إنتاج‭ ‬المبرر‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬انتخابات‭.‬

وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬الحلقة‭ ‬مغلقة‭: ‬لا‭ ‬يتمُّ‭ ‬اختيار‭ ‬المرأة‭ ‬لأنّها‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التجربة،‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬اكتساب‭ ‬التجربة؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للترشح‭.‬

*المفارقة‭: ‬النساء‭ ‬ناخبات‭ ‬بكثافة‭.. ‬لكنهنّ‭ ‬أقل‭ ‬حضورًا‭ ‬كمرشحات

المفارقة‭ ‬الأكبر‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬يشكلن‭ ‬نصف‭ ‬المجتمع‭ ‬تقريبًا،‭ ‬ويحضرن‭ ‬بقوّة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والجمعوية،‭ ‬كما‭ ‬يشكلن‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬من‭ ‬الجسم‭ ‬الانتخابي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالوصول‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬القرار،‭ ‬تبدأ‭ ‬المسافة‭ ‬في‭ ‬الاتّساع‭.‬

فالمشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تختزل‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬المرأة‭ ‬ناخبة‭ ‬تصوت‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أيضًا‭ ‬مرشحةً،‭ ‬وصاحبةَ‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي،‭ ‬وعضوًا‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة،‭ ‬وقادرةً‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان‭.‬

ومن‭ ‬ثَمَّ،‭ ‬فإنّ‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭: ‬كم‭ ‬امرأة‭ ‬ستصوت‭ ‬في‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة؟‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭: ‬كم‭ ‬امرأة‭ ‬ستمنحها‭ ‬الأحزاب‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لكي‭ ‬تنافس؟

وهل‭ ‬تُسهم‭ ‬النساء‭ ‬أنفسهن‭ ‬في‭ ‬وأد‭ ‬حلم‭ ‬الترشح؟

هنا‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬الجزء‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬النقاش‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬تحميل‭ ‬النساء‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬ضعف‭ ‬حضورهن‭ ‬في‭ ‬اللوائح‭ ‬الانتخابية؟

قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬يترددن‭ ‬في‭ ‬خوض‭ ‬الانتخابات،‭ ‬أو‭ ‬يفضلن‭ ‬العمل‭ ‬الجمعوي‭ ‬والحزبي‭ ‬من‭ ‬الخلف،‭ ‬أو‭ ‬يتجنّبن‭ ‬صراعات‭ ‬المنافسة‭ ‬الانتخابية‭ ‬وما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬اجتماعي‭ ‬وسياسي،‭ ‬لكنّ‭ ‬تحميل‭ ‬النساء‭ ‬مسؤولية‭ ‬الغياب‭ ‬وحدهنّ‭ ‬سيكون‭ ‬تبسيطًا‭ ‬لمشكلة‭ ‬أكبر‭.‬

فالترشح‭ ‬للانتخابات‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬حزبية‭ ‬داعمة،‭ ‬وإلى‭ ‬موارد‭ ‬تنظيمية‭ ‬ومالية،‭ ‬وإلى‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬العلاقات،‭ ‬وإلى‭ ‬ثقة‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬المرشحة،‭ ‬والأهم‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭ ‬سياسي‭ ‬يمنحها‭ ‬موقعًا‭ ‬متقدمًا‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬تردد‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المناخ‭ ‬الذي‭ ‬يجدن‭ ‬أنفسهن‭ ‬داخله‭.‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬تعرف‭ ‬سابقًا‭ ‬أن‭ ‬فرصتها‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬أو‭ ‬الثانية‭ ‬ضعيفة،‭ ‬وأن‭ ‬الحزب‭ ‬قد‭ ‬يفضل‭ ‬عليها‭ ‬رجلًا‭ ‬بدعوى‭ ‬امتلاكه‭ ‬حظوظًا‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الفوز،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬حماس‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬للترشح‭.‬

وهنا‭ ‬تتحوّل‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬حول‭ ‬‮«‬رغبة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الترشح‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أكبر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬استعداد‭ ‬الأحزاب‭ ‬لمنحها‭ ‬الثقة‭.‬

*امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬وسط‭ ‬17‭ ‬لائحة‭.. ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬الرقم؟

إذا‭ ‬صحت‭ ‬المعطيات‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بوجود‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬المراتب‭ ‬العشر‭ ‬الأولى‭ ‬ضمن‭ ‬17‭ ‬لائحة‭ ‬بدائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة،‭ ‬فإنّ‭ ‬الرقم‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬باعتباره‭ ‬مجردَ‭ ‬تفصيل‭ ‬انتخابي‭.  ‬إنه‭ ‬مؤشر‭ ‬سياسي‭ ‬يستحق‭ ‬النقاش‭.‬

فوجود‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬متقدّم،‭ ‬مقابل‭ ‬هيمنة‭ ‬الرجال‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬المراتب،‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬النساء‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبةً‭ ‬من‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬الرجال‭. ‬والأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬المرشحات،‭ ‬بل‭ ‬بالموقع‭ ‬الذي‭ ‬تمنحه‭ ‬الأحزاب‭ ‬للمرشحة‭.‬

فالمرأة‭ ‬الموضوعة‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬العاشرة‭ ‬ليست‭ ‬مثل‭ ‬المرأة‭ ‬الموضوعة‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى،‭ ‬حتّى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬كلتاهما‭ ‬حاضرتين‭ ‬على‭ ‬الورق‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قياس‭ ‬حضور‭ ‬النساء‭ ‬يجب‭ ‬ألَّا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬عددهنّ‭ ‬داخل‭ ‬اللوائح،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬المراتب‭ ‬التي‭ ‬يحتللنها،‭ ‬ومدى‭ ‬واقعية‭ ‬فرصهن‭ ‬في‭ ‬الفوز‭.‬

*حزب‭ ‬صاعد‭ ‬يزكّي‭ ‬امرأةً‭ ‬شابة‭.. ‬هل‭ ‬يكون‭ ‬الاستثناء‭ ‬بداية‭ ‬التحوّل؟

وسط‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬تبرز‭ ‬لائحة‭ ‬الحزب‭ ‬الصاعد‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬امرأة‭ ‬شابة‭ ‬ضمن‭ ‬المراتب‭ ‬المتقدّمة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬حالة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقّف‭ ‬عندها‭.‬

فترشيح‭ ‬امرأة‭ ‬شابة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬مجردَ‭ ‬محاولة‭ ‬لتجميل‭ ‬صورة‭ ‬اللائحة،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭ ‬السياسي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الحزب‭ ‬مستعدًا‭ ‬فعلًا‭ ‬لمنحها‭ ‬مساحة‭ ‬للتحرُّك‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬الناخبين‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬برنامجها‭. ‬لكنّ‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬ألَّا‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬مجرد‭ ‬استثناء‭.‬

فالتحوُّل‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬وجود‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬المراتب‭ ‬الأولى‭ ‬أمرًا‭ ‬عاديًا،‭ ‬وليس‭ ‬خبرًا‭ ‬انتخابيًّا‭ ‬يستحق‭ ‬الاستغراب‭.‬

*الأحزاب‭ ‬مطالبة‭ ‬بالإجابة

قبل‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع،‭ ‬تظل‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬مطالبة‭ ‬بتقديم‭ ‬جواب‭ ‬واضح‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬المرأة‭. ‬هل‭ ‬تعتبر‭ ‬المرأة‭ ‬شريكًا‭ ‬كاملًا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار،‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬حضورها‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الحسابات‭ ‬الانتخابية؟‭ ‬وهل‭ ‬تُقيّم‭ ‬النساء‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الكفاءة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬والاشتغال‭ ‬السياسي،‭ ‬أم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬افتراضات‭ ‬سابقة‭ ‬تقول‭ ‬إنّ‭ ‬الرجل‭ ‬أكثر‭ ‬قدرةً‭ ‬على‭ ‬الفوز؟‭ ‬ثم‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬النساء‭ ‬اللاتي‭ ‬راكمن‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الحزبي‭ ‬والجمعوي‭ ‬والمحلي؟‭ ‬أين‭ ‬فرصهن؟

هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬لا‭ ‬تخصُّ‭ ‬حزبًا‭ ‬واحدًا‭ ‬دون‭ ‬غيره،‭ ‬وإنما‭ ‬تهمُّ‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين‭ ‬السياسيين؛‭ ‬لأنّ‭ ‬تمكين‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬الشعارات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الانتخابية‭.‬

*المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬النساء‭.. ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الثقة

ربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬النساء‭ ‬لا‭ ‬يترشحن‭ ‬بما‭ ‬يكفي؛‭ ‬لكنّ‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬طرحه‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬أعطيت‭ ‬لهن‭ ‬الفرصة‭ ‬الكافية؟

فالمرأة‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬الأبواب‭ ‬مفتوحة‭ ‬أمامها‭ ‬ستتقدم،‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬المراتب‭ ‬الأولى‭ ‬محجوزة‭ ‬سلفًا‭ ‬لأسماء‭ ‬معينة،‭ ‬قد‭ ‬تختار‭ ‬الانسحاب‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬من‭ ‬الأساس‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنّ‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأحزاب‭ ‬لا‭ ‬تتمثل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬نساء‭ ‬لترشيحهن؛‭ ‬وإنّما‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مسارات‭ ‬سياسية‭ ‬تتيح‭ ‬لهن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬القرار‭ ‬تدريجيًّا‭. ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مجاملة‭ ‬انتخابية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬حقيقية‭.‬

*طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬23‭ ‬شتنبر،‭ ‬ستكشف‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬عن‭ ‬أسماء‭ ‬الفائزين‭ ‬بالمقاعد‭ ‬الخمسة‭ ‬لدائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭. ‬لكن‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬والأرقام،‭ ‬ستكشف‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬أيضًا‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر‭: ‬مدى‭ ‬استعداد‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المحلي‭ ‬لفتح‭ ‬أبوابه‭ ‬أمام‭ ‬النساء‭.‬

فإذا‭ ‬استمرت‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬باعتبارها‭ ‬استثناءً‭ ‬داخل‭ ‬المراتب‭ ‬المتقدّمة،‭ ‬فسيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تحوّل‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬المحلية‭.‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬بدأت‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬النساء‭ ‬مواقع‭ ‬متقدمة،‭ ‬ودعمهن‭ ‬انتخابيًّا‭ ‬وتنظيميًّا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬سيكون‭ ‬بداية‭ ‬لمسار‭ ‬جديد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬المرأة‭ ‬جزءًا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬من‭ ‬المنافسة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬حضور‭ ‬رمزي‭ ‬في‭ ‬اللوائح‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭: ‬هل‭ ‬تريد‭ ‬النساء‭ ‬الترشح؟

بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭: ‬هل‭ ‬تريد‭ ‬الأحزاب‭ ‬فعلًا‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬النساء‭ ‬يتصدرنّ‭ ‬اللوائح؟

فبين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الترشح‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان،‭ ‬توجد‭ ‬منظومة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬الحزبية‭ ‬والثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬والحسابات‭ ‬الانتخابية‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غائبةً‭ ‬عن‭ ‬المراتب‭ ‬التي‭ ‬تؤهلها‭ ‬للفوز،‭ ‬فإنّ‭ ‬النقاش‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬تردد‭ ‬النساء،‭ ‬وإنّما‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الطريق‭ ‬أمامهن‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبةً؛‭ ‬لأن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المرأة‭ ‬ناخبة،‭ ‬وإنّما‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬أيضًا‭ ‬مرشحةً،‭ ‬وصاحبةَ‭ ‬قرار،‭ ‬وممثلةً‭ ‬للناخبين‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان‭.‬

تابعنا على الفيسبوك