سياسة
طنجة-أصيلة.. حين تغيب النساء عن صدارة اللوائح الانتخابية
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، المُقرّر تنظيمُها يوم 23 شتنبر 2026، تتجه الأنظار إلى دائرة طنجة-أصيلة، التي تُعدُّ واحدةً من أكثر الدوائر الانتخابية إثارة للتنافس، بالنظر إلى حجمها السياسي وعدد المقاعد البرلمانية المخصصة لها، التي تبلغ خمسة مقاعد.
لكنَّ النقاش الانتخابي في طنجة-أصيلة لا يتعلق فقط بمن سيظفر بالمقاعد الخمسة، ولا بمن يتصدر السباق بين الأحزاب، بل يطرح سؤالًا آخر لا يقل أهمية: أين توجد المرأة في هذا السباق؟
ففي الوقت الذي أصبحت فيه المشاركة السياسية للنساء معيارًا أساسيًّا لقياس مدى ديمقراطية الحياة الحزبية، تكشف قراءة أولية لترتيب اللوائح الانتخابية بالدائرة عن استمرار حضور الرجل في المراتب المتقدمة، مقابل حضور نسائي محدود جدًّا.
وبحسب المعطيات المتداولة عن اللوائح المرشحة بالدائرة، فإنَّ من أصل 17 لائحة، لا تكاد تظهر المرأة في المراتب العشر الأولى، باستثناء لائحة واحدة لحزب صاعد اختار تزكية امرأة شابة، في خطوة تبدو لافتة وسط مشهد انتخابي يغلب عليه الحضور الذكوري.
*خـمـــــسـة مـــقـــــاعد.. ومنافسة يغلب عليها الرجال
دائرة طنجة-أصيلة تدخل انتخابات 2026 في سياق سياسي مختلف عن الاستحقاقات السابقة، إذ تتنافس الأحزاب على خمسة مقاعد برلمانية، في سباق مفتوح تتداخل فيه الحساباتُ الحزبية مع النفوذ المحلي والرصيد الانتخابي للأسماء المرشحة.
وتشير التغطيات الانتخابية الأخيرة، إلى أن عددًا من الأحزاب اختار الدفع بوجوه لها حضور في المجالس المنتخبة والعمل المحلي والحزبي، ما يعكس “من جهة” رغبةً في الاستفادة من الأسماء التي تتوفر على شبكات انتخابية، لكنه يعكس “من جهة أخرى” استمرارَ صعوبة ولوج النساء إلى المواقع التي تعتبرها الأحزاب «القابلة للفوز».
فالمشكلة، في جوهرها، لا تبدو مرتبطة بعدم وجود النساء في المجتمع أو داخل التنظيمات الحزبية، وإنَّما بمدى استعداد الأحزاب لمنحهنّ المواقع الانتخابية التي يمكن أن تتحوَّل فعلًا إلى تمثيلية داخل البرلمان.
*هل أصبحت «القابلية للفوز» مبررًا لإقصاء النساء؟
السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتراجع الأحزاب عن وضع النساء في المراتب الأولى؟
الإجابة الجاهزة غالبًا ما تكون أن الانتخابات تحتاج إلى مرشحين قادرين على جلب الأصوات، وأن «المرشح القوي» هو الذي يمتلك شبكة علاقات انتخابية وحضورًا ميدانيًّا وتجربة سياسية.
لكن هذا المنطق يفتح الباب أمام سؤالٍ أكثرَ عمقًا: كيف يمكن للمرأة أن تبني تلك الشبكة الانتخابية إذا لم تمنحها الأحزاب أصلًا فرصة الترشُّح في مواقع متقدّمة؟
فالخبرة الانتخابية لا تولد من الفراغ، والشبكة السياسية لا تُبنى في موسم انتخابيٍ واحد. وإذا ظلّ الرجال يحصلون على المراتب الأولى باعتبارهم «الأكثر قدرة على الفوز»، فإنَّ النساء سيبقين دائمًا خارج دائرة التجربة، وبالتالي سيعاد إنتاج المبرر نفسه في كلّ انتخابات.
وهنا تصبح الحلقة مغلقة: لا يتمُّ اختيار المرأة لأنّها تفتقر إلى التجربة، ولا تستطيع اكتساب التجربة؛ لأنها لا تحصل على فرصة حقيقية للترشح.
*المفارقة: النساء ناخبات بكثافة.. لكنهنّ أقل حضورًا كمرشحات
المفارقة الأكبر أن النساء يشكلن نصف المجتمع تقريبًا، ويحضرن بقوّة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والجمعوية، كما يشكلن جزءًا أساسيًّا من الجسم الانتخابي. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى مواقع القرار، تبدأ المسافة في الاتّساع.
فالمشاركة السياسية لا ينبغي أن تختزل في كون المرأة ناخبة تصوت يوم الاقتراع، وإنَّما يفترض أن تكون أيضًا مرشحةً، وصاحبةَ مشروع سياسي، وعضوًا في المجالس المنتخبة، وقادرةً على الوصول إلى البرلمان.
ومن ثَمَّ، فإنّ السؤال الحقيقي ليس فقط: كم امرأة ستصوت في طنجة-أصيلة؟ بل أيضًا: كم امرأة ستمنحها الأحزاب فرصة حقيقية لكي تنافس؟
وهل تُسهم النساء أنفسهن في وأد حلم الترشح؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في النقاش.
هل يمكن تحميل النساء جزءًا من مسؤولية ضعف حضورهن في اللوائح الانتخابية؟
قد يكون من السهل القول إنّ بعض النساء يترددن في خوض الانتخابات، أو يفضلن العمل الجمعوي والحزبي من الخلف، أو يتجنّبن صراعات المنافسة الانتخابية وما يرافقها من ضغط اجتماعي وسياسي، لكنّ تحميل النساء مسؤولية الغياب وحدهنّ سيكون تبسيطًا لمشكلة أكبر.
فالترشح للانتخابات يحتاج إلى بيئة حزبية داعمة، وإلى موارد تنظيمية ومالية، وإلى شبكة من العلاقات، وإلى ثقة الحزب في المرشحة، والأهم إلى قرار سياسي يمنحها موقعًا متقدمًا. وبالتالي، فإن تردد بعض النساء لا يمكن فصله عن طبيعة المناخ الذي يجدن أنفسهن داخله.
إذا كانت المرأة تعرف سابقًا أن فرصتها في الحصول على المرتبة الأولى أو الثانية ضعيفة، وأن الحزب قد يفضل عليها رجلًا بدعوى امتلاكه حظوظًا أكبر في الفوز، فمن الطبيعي أن يتراجع حماس بعض النساء للترشح.
وهنا تتحوّل المشكلة من سؤال حول «رغبة المرأة في الترشح» إلى سؤال أكبر عن مدى استعداد الأحزاب لمنحها الثقة.
*امرأة واحدة وسط 17 لائحة.. ماذا يعني الرقم؟
إذا صحت المعطيات المتعلّقة بوجود امرأة واحدة فقط في المراتب العشر الأولى ضمن 17 لائحة بدائرة طنجة-أصيلة، فإنّ الرقم لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجردَ تفصيل انتخابي. إنه مؤشر سياسي يستحق النقاش.
فوجود امرأة واحدة في موقع متقدّم، مقابل هيمنة الرجال على بقية المراتب، يعني أن الطريق أمام النساء للوصول إلى البرلمان لا يزال أكثر صعوبةً من الطريق أمام الرجال. والأمر لا يتعلق فقط بعدد المرشحات، بل بالموقع الذي تمنحه الأحزاب للمرشحة.
فالمرأة الموضوعة في المرتبة العاشرة ليست مثل المرأة الموضوعة في المرتبة الأولى، حتّى وإن كانت كلتاهما حاضرتين على الورق.
لذلك، فإن قياس حضور النساء يجب ألَّا يقتصر على عددهنّ داخل اللوائح، بل يجب أن يشمل المراتب التي يحتللنها، ومدى واقعية فرصهن في الفوز.
*حزب صاعد يزكّي امرأةً شابة.. هل يكون الاستثناء بداية التحوّل؟
وسط هذا المشهد، تبرز لائحة الحزب الصاعد التي اختارت امرأة شابة ضمن المراتب المتقدّمة، باعتبارها حالة تستحق التوقّف عندها.
فترشيح امرأة شابة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجردَ محاولة لتجميل صورة اللائحة، بل يمكن أن يكون مؤشرًا على تغيير في طريقة التفكير السياسي، خصوصًا إذا كان الحزب مستعدًا فعلًا لمنحها مساحة للتحرُّك والتواصل مع الناخبين والدفاع عن برنامجها. لكنّ الأهم هو ألَّا تبقى هذه الحالة مجرد استثناء.
فالتحوُّل الحقيقي يبدأ عندما يصبح وجود النساء في المراتب الأولى أمرًا عاديًا، وليس خبرًا انتخابيًّا يستحق الاستغراب.
*الأحزاب مطالبة بالإجابة
قبل يوم الاقتراع، تظل الأحزاب السياسية مطالبة بتقديم جواب واضح عن سؤال المرأة. هل تعتبر المرأة شريكًا كاملًا في صناعة القرار، أم أنَّ حضورها لا يتجاوز الحدود التي تفرضها الحسابات الانتخابية؟ وهل تُقيّم النساء على أساس الكفاءة والقدرة على التواصل والاشتغال السياسي، أم على أساس افتراضات سابقة تقول إنّ الرجل أكثر قدرةً على الفوز؟ ثم ماذا عن النساء اللاتي راكمن سنوات من العمل الحزبي والجمعوي والمحلي؟ أين فرصهن؟
هذه الأسئلة لا تخصُّ حزبًا واحدًا دون غيره، وإنما تهمُّ مختلف الفاعلين السياسيين؛ لأنّ تمكين النساء من المشاركة السياسية مسؤولية جماعية، ولا يمكن اختزالها في الشعارات أو في المناسبات الانتخابية.
*المشكلة ليست في غياب النساء.. بل في غياب الثقة
ربما يكون من السهل القول إن النساء لا يترشحن بما يكفي؛ لكنّ السؤال الذي ينبغي طرحه قبل ذلك هو: هل أعطيت لهن الفرصة الكافية؟
فالمرأة التي تجد الأبواب مفتوحة أمامها ستتقدم، التي تجد أن المراتب الأولى محجوزة سلفًا لأسماء معينة، قد تختار الانسحاب أو عدم الدخول في المنافسة من الأساس.
ومن هنا، فإنّ مسؤولية الأحزاب لا تتمثل فقط في البحث عن نساء لترشيحهن؛ وإنّما في بناء مسارات سياسية تتيح لهن الوصول إلى مواقع القرار تدريجيًّا. المرأة لا تحتاج إلى «مجاملة انتخابية»، بل إلى منافسة حقيقية.
*طنجة-أصيلة أمام اختبار حقيقي
مع اقتراب 23 شتنبر، ستكشف صناديق الاقتراع عن أسماء الفائزين بالمقاعد الخمسة لدائرة طنجة-أصيلة. لكن بعيدًا عن النتائج والأرقام، ستكشف هذه الانتخابات أيضًا شيئًا آخر: مدى استعداد المشهد السياسي المحلي لفتح أبوابه أمام النساء.
فإذا استمرت المرأة في الظهور باعتبارها استثناءً داخل المراتب المتقدّمة، فسيكون من الصعب الحديث عن تحوّل حقيقي في الثقافة السياسية المحلية.
أما إذا بدأت الأحزاب في منح النساء مواقع متقدمة، ودعمهن انتخابيًّا وتنظيميًّا، فإنَّ ذلك سيكون بداية لمسار جديد يمكن أن يجعل المرأة جزءًا طبيعيًّا من المنافسة، لا مجرد حضور رمزي في اللوائح. وفي النهاية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل تريد النساء الترشح؟
بل يجب أن يكون: هل تريد الأحزاب فعلًا أن ترى النساء يتصدرنّ اللوائح؟
فبين الرغبة في الترشح والقدرة على الوصول إلى البرلمان، توجد منظومة كاملة من القرارات الحزبية والثقافة السياسية والحسابات الانتخابية.
وإذا كانت المرأة لا تزال غائبةً عن المراتب التي تؤهلها للفوز، فإنّ النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يبحث فقط عن سبب تردد النساء، وإنّما عن الأسباب التي تجعل الطريق أمامهن أكثر صعوبةً؛ لأن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد أن تكون المرأة ناخبة، وإنّما عندما تصبح أيضًا مرشحةً، وصاحبةَ قرار، وممثلةً للناخبين تحت قبة البرلمان.


