تواصل معنا

القانون والناس

بين الخصوصية الوطنية والمعايير الدولية.. موقع القانون الأسري المغربي في أوروبا

بدأت‭ ‬هجرة‭ ‬المغاربة‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬اتفاقيات‭ ‬ثنائية‭ ‬مع‭ ‬دول،‭ ‬مثل‭ ‬فرنسا،‭ ‬بلجيكا‭ ‬وألمانيا،‭ ‬لتلبية‭ ‬حاجيات‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬لليد‭ ‬العاملة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

وبعد‭ ‬مرور‭ ‬العقود،‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬اقتصادية‭ ‬مؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬استقرارٍ‭ ‬دائمٍ،‭ ‬إذ‭ ‬نشأت‭ ‬جاليات‭ ‬مغربية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬الاتِّحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬وعليه‭ ‬فقد‭ ‬تحوَّلت‭ ‬هذه‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬عميقة،‭ ‬تركت‭ ‬بصمتها‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الأوروبي‭. ‬ومع‭ ‬استقرار‭ ‬الجالية‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الاتِّحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬برزت‭ ‬قضايا‭ ‬أسرية‭ ‬معقدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالزواج‭ ‬والطلاق‭ ‬والحضانة،‭ ‬لتضع‭ ‬القانون‭ ‬الأسري‭ ‬المغربي‭ ‬أمام‭ ‬اختبارٍ‭ ‬صعبٍ‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأنظمة‭ ‬القضائية‭ ‬الأوروبية‭ ‬ومعايير‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وخصوصية‭ ‬مدونة‭ ‬الأسرة‭ ‬المغربية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬مما‭ ‬يبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬معمقة‭ ‬لهذه‭ ‬الإشكالية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬المبرمة‭ ‬لتنظيم‭ ‬التعاون‭ ‬القضائي‭ ‬وضمان‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬بالأحكام،‭ ‬وجاءت‭ ‬مدونة‭ ‬الأسرة‭ ‬المغربية‭ ‬لسنة‭ ‬2004‭ ‬لتحديث‭ ‬التشريع‭ ‬الأسري‭ ‬وإدماج‭ ‬مبادئ‭ ‬المساواة‭ ‬والعدل،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المرجعية‭ ‬الفقهية‭ ‬المالكية‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬أحكام‭ ‬المدونة‭ ‬تواجه‭ ‬تحدِّيات‭ ‬عند‭ ‬عرضها‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬يرتكز‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الخاصّ‭ ‬ومعايير‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬‮«‬في‭ ‬غالبية‭ ‬الأحوال‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تنازع‭ ‬قانوني‭ ‬واستبعاد‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬المغربي‭.‬

وللتخفيف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالات‭ ‬عمل‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬إبرام‭ ‬عدة‭ ‬اتفاقيات‭ ‬دولية‭ ‬وثنائية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الاتِّحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬القضائي‭ ‬والاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬بالأحكام‭. ‬ومن‭ ‬أبرزها،‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الثنائية‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬وبلجيكا‭ ‬بشأن‭ ‬التعاون‭ ‬القضائي‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الأسرية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقية‭ ‬لاهاي‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بالأحكام‭ ‬الأجنبية‭ ‬وتنفيذها،‭ ‬التي‭ ‬تُشكّل‭ ‬إطارًا‭ ‬مرجعيًّا‭ ‬للمحاكم‭ ‬الأوروبية‭ ‬عند‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأحكام‭ ‬المغربية‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الاتِّفاقيات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الخاصة‭ ‬بحقوق‭ ‬الطفل،‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المحاكم‭ ‬الأوروبية‭ ‬مراعاة‭ ‬مصلحته‭ ‬أوّلًا‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الحضانة‭ ‬والنفقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينسجم‭ ‬جزئيًّا‭ ‬مع‭ ‬فلسفة‭ ‬قانون‭ ‬الأسرة‭ ‬المغربي‭.‬

وعليه‭ ‬فإنَّ‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬المرجعية‭ ‬الوطنية‭ ‬المغربية‭ ‬والمرجعيات‭ ‬الأوروبية‭ ‬يطرح‭ ‬تحديًّا‭ ‬مزدوجًا،‭ ‬حيث‭ ‬يتمثَّل‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خصوصية‭ ‬الجالية‭ ‬المغربية‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬واحترام‭ ‬الالتزامات‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬بحث‭ ‬وتحليل‭ ‬موقع‭ ‬القانون‭ ‬الأسري‭ ‬المغربي‭ ‬أمام‭ ‬قضاء‭ ‬دول‭ ‬الاتِّحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬قصد‭ ‬طرح‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬قواعد‭ ‬الإسناد‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬القضائي‭ ‬الدولي،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الهُوية‭ ‬القانونية‭ ‬المغربية،‭ ‬والمعايير‭ ‬الأوروبية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

بقـلم‭: ‬الهام‭ ‬شبيهي

طالبة‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ ‬سلك‭ ‬الدكتوراة

تابعنا على الفيسبوك