تواصل معنا

في الواجهة

يُتوقع إنجازه خلال الفترة ما بين 2030 و2040 وسيربط أكادير بباريس عبر القطار فائق السرعة

مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا..

الحلم الَّذِي يقترب من التحول إلى حقيقة والفكرة الَّتِي تعد بتغيير وجه طنجة

 

طوال 44 عامًا، ظلَّ مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، انطلاقًا من مدينتي طنجة وطريفة، مشروعًا أقرب إلى الحلم منه إلى الحقيقة، بسبب المشاكل التقنية الكثيرة الَّتِي كانت تواجهه، وأيضًا بسبب حالة المدّ والجزر الَّتِي عرفتها العلاقاتُ الثنائيةُ بين الرباط ومدريد.

لكن ابتداءً من سنة 2022، عاد هَذَا المشروع إلى الواجهة بقوّة بفضل التقارب الكبير في العلاقات المغربية-الإسبانيَّة، وبدأ الحديث عن قرب تنفيذه، بشكل أكبر، بعد الاجتماع رفيع المستوى الَّذِي جمع حكومتي البلدين في 1 و2 فبراير 2023 بالرباط، الأمر الَّذِي يُعيد طنجة إلى الواجهة، باعتبارها ستصبح البوابة البرّية لإفريقيا والعالم العربي على إسبانيا.

  • مشروع بطول 42 كيلومترًا

وحصلت «لاديبيش» على آخر مستجدّات هَذَا المشروع، وَفْق التصوّر الجديد، الَّذِي يأتي بعد أكثر من 4 عقود على طرح التصوّر الأوّل على الطاولة البلدين، ووَفْق المعلومات الَّتِي تهم الدراسات الَّتِي أشرفت عليها شركة «Secegsa» المُكلّفة بالمشروع من الجانب الإسباني، فإنَّ الأمر يتعلّق بنفق مُمتدّ وسط مياه البحر الأبيض المتوسط لربط ضفّتي مضيق جبل طارق، وليس بقنطرة كما تمّ تداوله في الأيّام الماضية، غير أنَّ التغييرات همَّت المسافةَ والشكلَ الدَّاخليَ للنَّفق، وكذا طبيعة وسائل النقل الَّتِي سيكون بإمكانها نقل المسافرين بين طنجة وإقليم الأندلس.

وعلى هَذَا الأساس، فإنَّ المشروع سيكون مخصصًا لنقل الركَّاب والبضائع، إذ سيسمح بمرور السيَّارات والشاحنات، لكنّه أيضًا سيُوفر وسيلةَ نقل أخرى مُهمّة وفعَّالة، ويتعلق الأمر بالقطار الفائق السرعة، الَّذِي سيكون الأوَّل من نوعه الَّذِي يربط بين إفريقيا وأوروبّا، كما أنّه سيضمُّ أيضًا خطًّا للربط الطاقي، ما يعني أنّه يمكن للبلدين تبادل واردات النفط والغاز الطبيعي، الأمر الَّذِي يأتي في الوقت الَّذِي يعمل فيه المغرب على خطّ أنابيب الغاز المشترك مع نيجيريا، وأيضًا بعد اتّفاق الرباط ومدريد على الاستخدام العكسي لخط الغاز المغاربيّ الأوروبيّ لنقل النفط.

وحسب المعلومات الَّتِي حصلت عليها «لاديبيش»، فإنَّ مسافة المشروع تغيَّرت، إذ اتّضح من خلال الدراسات التقنية أنّه من المستحيل تطبيق الفكرة الأصلية، الَّتِي كانت تقضي بربط البلدين من أقرب نقطة برّية بينهما، عبر مسافة لا تتجاوز 14 كيلومترًا، وستبلغ المسافة المشروع ككلّ 42 كيلومترًا، منها 38,7 كيلومتر، هي المسافة الإجمالية للنفق، و27,8 كيلومتر منه ستكون مبنية داخل مياه البحر بعمق يصل إلى 300 مترٍ كحدٍّ أقصى، في الوقت الَّذِي كان التصوّر السابق يتحدَّث عن عمق 900 مترٍ.

وستكون مدينة طنجة هي نقطة انطلاق المشروع من الجانب المغربيّ، والمُهمّ جدًا هو أنَّ الدراسات التقنية والهندسية المشتركة بين البلدين وقع اختيارها على منطقة قريبة من مركز المدينة، وهي مالاباطا، في حين ستكون نقطة الانطلاق والوصول على الجانب الإسباني هي «بونتا بالوما» بمدينة طريفة، ما يعني أنَّ الربطَ البريَّ بين البلدين سيكون مشابهًا بحدٍ كبيرٍ مع الربط البحري الموجود حاليًا عبر العبارات من ميناء طنجة المدينة إلى ميناء طريفة، ما سيُسهم في إنهاء احتكار شركات النقل البري لتلك الرحلات ورفعها الأسعار بشكل مبالغ فيه.

ومن ناحية أخرى، سيتكوّن المشروع من نفقين منفصلين للسيَّارات، إذ يُؤدّي كلُّ واحدٍ منهما إلى اتّجاه وحيد، ويتوقّع أن يصل قُطر النفق إلى ما يقارب 8 أمتارٍ، بالإضافة إلى المسار المُخصّص لخطّ القطار الفائق السرعة، وسيكون المشروع مزودًا بالعديد من المرافق الخِدْماتية والأمنيَّة، كما ستكون جميع المسارات مرتبطة بممرّات عرضية سيصل طولها إلى 340 مترًا، ومن المتوقع أن ينتهي العمل في المشروع خلال الفترة ما بين 2030 و2040، ما يعني أنّه لن يكون جاهزًا قبل المونديال الَّذِي ترشحت له إسبانيا والبرتغال مع المغرب بشكلٍ مُشتركٍ.

  • مشروع سيُغير وجه طنجة

ظلَّ مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، حلما يراود أهالي مدينة طنجة منذ ما يقارب 44 سنة، عندما اقتُرح هَذَا الأمر لأوّل مرة في عهد الملكين الراحل الحسن الثاني والمُتنازل عن العرش خوان كارلوس الأوّل، إذ إنَّ مدينة البوغاز ستكون هي نقطة انطلاق هَذَا المشروع، وستصبح بذلك بوابة المغرب على أوروبّا ليس فقط من خلال الربط البحريّ والجويّ، ولكن أيضًا ستكون المدينة الإفريقيَّة والعربيَّة الوحيدة الَّتِي لها ارتباطٌ بريٌّ بالاتّحاد الأوروبيّ.

ويمكن القول، إنَّ هَذَا المشروعَ سيُمكن المدينة من دفعةٍ اقتصاديّةٍ غير مسبوقة، فالربطُ البريُّ يعني وصول أعداد أكبر من السيَّاح الأوروبيّين إلى المغرب عبر طنجة، ما يرتبط بالنشاط السياحي من رواج تجاريّ وخِدْماتي، هَذَا بالإضافة إلى أن تعزيز الروابط الاستثماريَّة بين هَذِهِ المدينة وإسبانيا، إذ تُفضل العديد من المقاولات الإسبانيَّة الاستثمار بها بسبب قرب المسافة، الأمر الَّذِي سيُصبح أكثر إغراءً عند إنجاز النفق الَّذِي سيعني خفض تكلفة التنقل والسرعة في إنجاز المعاملات.

وبالحديث عن التكلفة، سيكون الربط القاري فرصةً ذهبيّةً لإنهاء احتكار الشركتين اللتين تُسيطران على خطوط نقل المسافرين برًا بين المغرب وإسبانيا، عبر ميناءي طنجة المدينة وطريفة، فحاليًا يصل سعر تذكرة السفر ذهابًا وإيابًا، انطلاقًا من مدينة البوغاز 900 درهم للفرد الواحد، لرحلة لا تزيد مدتها عن 35 دقيقة بواسطة العبارة السريعة، مع ضرورة الالتزام بموعد الرحلة على رأس الساعة، دون وجود رحلات ليليّة، بالإضافة إلى إمكانية إلغائها في أثناء التقلبات الجوية.

هَذَا السيناريو سيُلغى تمامًا في المستقبل، إذ رغم أنَّ العبور عبر النفق سيكون في الغالب مؤدى عنه، فإنَّ أكثر التوقعات تشاؤمًا تترك رسوم التنقل بعيدةً جدًّا عما تفرضه شركات النقل البحريّ، هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى لن يكون على الراكب التخلّي عن سيارته من أجل التنقّل عبر العبَّارات السريعة أو دفع تذكرة 5 أفراد، بالإضافة إلى رسوم الركن الَّتِي تصل إلى آلاف الدراهم، في حال ما إذا أراد التنقّل بواسطة سيَّارته، أما في حالة ما أراد التنقل على قدميه فيمكنه استخدام القطار الفائق السرعة.

  • قطار من أكادير إلى باريس

وسيكون عامل الوقت أمرًا مُغريًا جدًّا لاستخدام نفق الربط القاري، خاصّةً أنَّنا نتحدَّث حاليًا عن أنَّ القطار الرابط بين طنجة والدار البيضاء «البراق» تصل سرعته إلى 320 كيلومترًا في الساعة، ويقطع المسافة الرابطة بين طنجة والرباط، البالغة 250 كيلومترًا، في ساعة و20 دقيقة فقط، في حين أنَّ مسافة الربط القاري بين المغرب وإسبانيا لم تتجاوز 42 كيلومترًا، كما يمكن قطع هَذِهِ المسافة بالسيَّارة في مدة ستصلُ -بشكل تقريبي- إلى 30 دقيقة.

وارتباطًا بخطّ القطار الفائق السرعة، فإنَّ مدينة طنجة ستُصبح نقطةً محوريةً في عملية الربط السككية غير المسبوقة بين إفريقيا وأوروبّا، إذ على الجانب المغربي يُتوقع أن يُنجز المغرب مُخطط القطارات السريعة الَّذِي ينفذه المكتب الوطني للسكك الحديدية، في غضون الأعوام السبعة المقبلة، أي إلى حدود 2030، بما يربط مدن مراكش وأكادير وفاس بشبكة القطارات الفائقة السرعة.

وعلى الجهة المقابلة، ينتظر أن تشرع إسبانيا في إتمام خط القطار فائق السرعة، الَّذِي يتوقّف حاليًا في مدينة مالقا، إلى مدينتي الجزيرة الخضراء وطريفة، وعند مدّ شبكة القطار داخل نفق الرباط القاري، سيعني ذلك أنَّ (التي جي في) سيصل من أكادير إلى العاصمة الفرنسية-باريس المرتبطة بخط آخر مع شمال إسبانيا، انطلاقًا من برشلونة، الأمر الَّذِي سيعني وضع المغرب عمومًا وطنجة على وجه الخصوص في موقع غير مسبوق من الناحية الاستراتيجيَّة.

  • من السبات إلى الواقع

وفكرة إنشاء ربط قاريّ بين المغرب وإسبانيا يصل بين قارتي أوروبا وإفريقيا، ليست فكرةً جديدةً، وتعود إلى يونيو من سنة 1979 خلال لقاء بين الملكين الحسن الثاني وخوان كارلوس الأول، إذ تمّ في 8 يونيو من سنة 1979 توقيع اتفاقية مشتركة مثلت الأرضية القانونية للتعاون بين الرباط ومدريد في هَذَا المشروع، على أساس الشروع في دراسات الجدوى من خلال لجنة مشتركة بينهما.

وبالفعل تمَّ تأسيس اللجنة الثنائيَّة، غير أنَّ المشروع ظلَّ مُتأخرًا طوال 10 سنوات، وفي سنة 1989، وقَّع البلدان اتّفاقيةً ثنائيةً من أجل توسيع نطاق التعاون بينهما، بما يشمل مشروع الربط القاري، بعد تأسيس شركة SECEGSA  في إسبانيا وSNED  بالمغرب سنة 1980، باعتبارهما المكلفتين بدراسات الجدوى، وشرعت الشركتان بالفعل بالقيام بالأبحاث الجيولوجية لهَذَا الغرض.

غير أنَّ المشروع دخل مُجدّدًا في حالة من السبات العميق، الَّذِي لا يتم الاستيقاظ منه إلا بين الفينة والأخرى، في ظل المدّ والجزر، الَّذِي عرفته العلاقاتُ الدبلوماسيّةُ بين البلدين، نتيجة توالي الحكومات المتعاقبة، وخلال العقدين الماضيّين بلغت الأزمة بينهما درجة غير مسبوقة مرتين، الأولى بسبب أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، ثم بسبب أزمة دخول زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إلى إسبانيا سنة 2021.

لكنَّ النقطة المفصلية في العلاقات المغربيَّة الإسبانيَّة، كانت هي الرسالة الَّتِي بعث بها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز للملك محمد السادس بتاريخ 18 مارس 2022، الَّتِي أعلن فيها دعم إسبانيا لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء باعتباره الحلَّ الأكثرَ جديةً وواقعيةً ومصداقيةً، الأمر الَّذِي توّج باجتماعه مع الملك محمد السادس في 7 أبريل 2022، وخروج حكومتي البلدين بخارطة طريق جديدة.

وظهر تأثير هَذَا الأمر واضحًا على مشروع الربط القاري، الَّذِي عاد الحديث عنه لينتشرَ عبر وسائل الإعلام الإسبانية، باعتباره لن يكون مفيدًا للبلدين فقط، بل أيضا للقارتين الأوروبيَّة والإفريقيَّة ولضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط، ورأى المحللون الإسبان، أنَّ الفترة الحالية هي الأنسب لتنزيله على أرض الواقع في ظلَّ وجود إمكانية الحصول على تمويل من طرف الاتّحاد الأوروبيّ.

وسيذهب المغرب في اتجاه عملي بتاريخ 3 نونبر 2022، عندما صادق المجلس الحكومي على تعيين عبد الكبير زهود مديرًا عامًّا للشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق، المختصّة بمتابعة المشروع، وزهود هو أحد رجالات الدولة، الَّذِينَ يضع فيهم الملك محمد السادس ثقته، حيث سبق أن كان كاتبة دولة مكلفًا بالماء ما بين 2002 و2007، ثم مكلفًا بالماء والبيئة ما بين 2007 و2012، قبل أن يصبح واليًا لجهة الدار البيضاء سطات ما بين 2017 و2019.

والشركة الوطنية الدراسة مضيق جبل طارق المعروفة اختصارًا بـ SNED، إلى جانب الشركة الإسبانيّة لدراسات المواصلات القارة عبر مضيق جبل طارق SECEGSA، هما الشركتان اللتان عُهد إليهما بوضع مُخطّطات للعمل يصادق عليها من طرف اللجنة المختلطة لإنجاز الدراسات الخاصة بالربط القاري بين أوروبّا وإفريقيا عبر مضيق جبل طارق، وتعني تجديد الدماء فيهما أنَّ المشروع أصبح مطروحًا بقوّة على طاولة سلطات البلدين.

  • الاتّحاد الأوروبي يدخل على الخط

لكنَّ المنعطفَ الآخر الَّذِي عرفه هَذَا المشروع هو بروز مؤشرات على أنَّ الاتّحاد الأوروبيّ سيكون هو الجهة الممولة له، ففي شهر مارس الماضي كشفت وثيقة مضامينها موقع «أوكي دياريو» الإسبانيّ، أنّه يتمّ الآن الترويج لمشروع ربط إسبانيا بالمغرب، عبر نفق تحت أرضي عابر لمضيق جبل طارق، بتمويل أوروبيّ، مُضيفةً أنَّ بحثَ هَذَا الأمر ظل مستمرًّا على الرَّغم من اضطراب العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة، حيث جرى سنة 2021 إحياء هَذَا المشروع استنادًا إلى التطوّر التكنولوجيّ والرقميّ الكبير.

وقالت صحيفة «لاراثون» الإسبانيّة من جهتها، أنَّ شركة SECEGSA، أدرجت ضمن المستفيدين من الدعم الأوروبيّ في إطار خطة الإنعاش الإسبانيّة، لإجراء دراساتٍ جديدة حول مشروع الربط القاري، ووَفْق المصدر نفسه، فإنّه تمَّ إقرارُ الأمر في ميزانية السنة المالية 2023، ورغم أنَّ الأمر يتعلّق بدعم محدود لا تتجاوز قيمته 750 ألف أورو، غير أنَّ التقارير نفسها رأت فيه إشارة إلى الرغبة المشتركة بين مدريد وبروكسل، لدفع هَذَا المشروع إلى حيز الوجود.

وتستندُ الدراسات المشتركة الحالية على معطيات جديدة استنادًا إلى تقارير واردة من المعهد السويسري ETH Zurich ترجعه لسنة 2018، بالإضافة إلى دراساتٍ أخرى من طرف الشركة الألمانية المُصنّعة لآلات الحفر Herrenknecht الصادرة في السنة نفسها، وهي الدراسات الَّتِي تشير نتائجُها إلى إمكانية التغلّب حاليًا على مشاكلَ تقنيةً وجيولوجيّةً كانت مستحيلة قبل عقدين من الزمن.

وتتحدّث تلك الدراسات عن سبل معالجة هَذَا مثل هَذِهِ المشاريع بضمانات أكبر، الأمر الَّذِي سيُسهل بشكلٍ كبيرٍ عمليات الحفر في باطن الأرض، إلى جانب ارتباط الفكرة بتطوّر نظام النقل عبر الأنفاق مع استحضار نموذج نفق جبال الألب، ومن جهة أخرى فإنّه خلال الأربعين عامًا الماضية تمكّنت العديد من الدول من إنجاز مشاريع الربط البحري ما راكم خبرة متزايدة ستفيد المغرب وإسبانيا.

وحوّلت الدراسات المشتركة أنظارَها إلى العديد من التجارب العملية المشابهة من مختلف دول العالم، بما في ذلك نفق «سيكان» الرابط بين جزيرتي «هونشو» و«هوكايدو» في اليابان، ونفق المانش الرابط بين فرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى أحدث نماذج الأنفاق في النرويج، الأمر الَّذِي يدفع للتفاؤل بخصوص خروج هَذَا المشروع إلى حيز الوجود بعد سنوات من الانتظار.

تابعنا على الفيسبوك