تواصل معنا

مجتمع

محاكم «الفيسبوك».. عدالة شعبوية أم فوضى تنهش أعراض الطنجاويين؟

في‭ ‬حضرة‭ ‬‮«‬الزمن‭ ‬الأزرق‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تسلَّل‭ ‬إلى‭ ‬أدقّ‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومنا،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬طنجة‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬التي‭ ‬سكنت‭ ‬نصوص‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬وتُجلى‭ ‬ألوانًا‭ ‬في‭ ‬لوحات‭ ‬هنري‭ ‬ماتيس‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬للتعايش‭ ‬والحكي‭ ‬الرصين‭ ‬على‭ ‬عتبات‭ ‬المقاهي‭ ‬العتيقة،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬ساحةً‭ ‬مفتوحةً‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬قاسية‭ ‬مع‭ ‬طورٍ‭ ‬جديدٍ‭ ‬من‭ ‬التوحّش‭ ‬الرقمي‭. ‬لسنا‭ ‬بإزاء‭ ‬تقنية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬انقلابٍ‭ ‬عميقٍ‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الأخلاق‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬حيث‭ ‬انقلبت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬Facebook،‭ ‬من‭ ‬فضاءات‭ ‬للتواصل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مشانق‮»‬‭ ‬افتراضية‭ ‬تُنصب‭ ‬على‭ ‬عجلٍ،‭ ‬يعلق‭ ‬عليها‭ ‬الأفراد‭ ‬دون‭ ‬محاكمة،‭ ‬ويقتادون‭ ‬إلى‭ ‬محارق‭ ‬التشهير‭ ‬باسم‭ ‬شعارات‭ ‬مخاتلة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬كشف‭ ‬المستور‮»‬‭ ‬و«محاربة‭ ‬الفساد‮»‬‭. ‬والحقيقة‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سيبة‮»‬‭ ‬رقمية‭ ‬مكتملة‭ ‬الأركان،‭ ‬يتراجع‭ ‬فيها‭ ‬العقلُ،‭ ‬ويتقدَّمُ‭ ‬فيها‭ ‬الغلُّ‭ ‬وقد‭ ‬تحرَّر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قيدٍ‭.‬

المتأمل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ«محاكم‭ ‬فيسبوك‮»‬‭ ‬يلمس‭ ‬أنَّنا‭ ‬دخلنا‭ ‬زمن‭ ‬‮«‬الاغتيال‭ ‬الرمزي‮»‬‭ ‬بامتياز‭. ‬ففي‭ ‬مدينة‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬الحومة‮»‬‭ ‬فيها‭ ‬مرادفًا‭ ‬للستر‭ ‬والتضامن،‭ ‬صارت‭ ‬‮«‬الحومة‭ ‬الرقمية‮»‬‭ ‬فضاءً‭ ‬للتعرية‭ ‬الممنهجة،‭ ‬يكفي‭ ‬فيه‭ ‬منشور‭ ‬واحد‭ ‬‮«‬هزيل‭ ‬المحتوى،‭ ‬جسيم‭ ‬الأثر‮»‬‭ ‬ليشعل‭ ‬حريقًا‭ ‬في‭ ‬سمعة‭ ‬عائلة،‭ ‬أو‭ ‬ينسف‭ ‬مسارًا‭ ‬مهنيًّا‭ ‬شُيّد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنين‭. ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬لمعايير‭ ‬التثبُّت،‭ ‬حيث‭ ‬تسبق‭ ‬سرعة‭ ‬‮«‬الإعجاب‮»‬‭ ‬و«المشاركة‮»‬‭ ‬كل‭ ‬تمعّن‭ ‬أو‭ ‬مساءلة‭ ‬للمصدر،‭ ‬وكأنّنا‭ ‬في‭ ‬مدرجٍ‭ ‬رومانيٍّ‭ ‬قديمٍ،‭ ‬جمهورُه‭ ‬يطلب‭ ‬رأس‭ ‬الضحية‭ ‬للفرجة‭ ‬وتفريغ‭ ‬المكبوت،‭ ‬غير‭ ‬عابئ‭ ‬بأرواح‭ ‬تغتال‭ ‬معنويًّا،‭ ‬أو‭ ‬ببيوت‭ ‬تتصدّعُ‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬إشاعة‭ ‬خبيثة‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬التقطت‭ ‬في‭ ‬غفلة‭.‬

هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬ليست‭ ‬عدالة‭ ‬كما‭ ‬يتوهم‭ ‬البعض،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬‮«‬عدالة‭ ‬الغوغاء‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بقانون‭ ‬ولا‭ ‬بمؤسسة‭. ‬حين‭ ‬يصير‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬قاضيًّا‭ ‬وجلادًا‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬فذلك‭ ‬إيذان‭ ‬بانهيار‭ ‬فكرة‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها‭. ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬‮«‬كما‭ ‬في‭ ‬سواها‮»‬‭ ‬أضحى‭ ‬الجهل‭ ‬بالقانون‭ ‬وسرعة‭ ‬انتشار‭ ‬المعلومة‭ ‬وقودًا‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬الشخصية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وتحوَّلت‭ ‬بعض‭ ‬الصفحات‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬دكاكين‮»‬‭ ‬للارتزاق‭ ‬والابتزاز،‭ ‬يعرض‭ ‬فيها‭ ‬شرف‭ ‬الناس‭ ‬للمزايدة،‭ ‬ويستثمر‭ ‬فيها‭ ‬الألمُ‭ ‬الإنسانيُّ‭ ‬باعتباره‭ ‬سلعةً‭ ‬رائجةً‭. ‬والويل‭ ‬لمن‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬الاختلاف‭ ‬أو‭ ‬يفلح‭ ‬في‭ ‬النجاح؛‭ ‬فمقصلة‭ ‬‮«‬الفضح‮»‬‭ ‬مشرعة‭ ‬لقطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يوافق‭ ‬أهواء‭ ‬حراس‭ ‬‮«‬الكيبورد‮»‬‭ ‬المسموم‭.‬

الأشد‭ ‬إيلامًا‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬التواطؤ‭ ‬الجماعي‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭: ‬جمهور‭ ‬يقتاتُ‭ ‬على‭ ‬الفضائح،‭ ‬يشارك‭ ‬ويُعلّق‭ ‬ويُسخّر،‭ ‬كأنَّما‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬مأدبة‭ ‬جماعية‭ ‬تُشوى‭ ‬فيها‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬‮«‬الترند‮»‬‭. ‬تضيع‭ ‬الحقيقة‭ ‬بين‭ ‬ركام‭ ‬التعليقات،‭ ‬وتستبدل‭ ‬الانطباعات‭ ‬بالأدلة،‭ ‬ويغدو‭ ‬‮«‬قالوا‮»‬‭ ‬و«سمعنا‮»‬‭ ‬سندًا‭ ‬كافيًّا‭ ‬لإدانة‭ ‬نهائية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬الاستئناف‭.‬

وليس‭ ‬خافيًّا‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تجاوز‭ ‬كل‭ ‬تقدير‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬ملامح‭ ‬‮«‬بارانويا‮»‬‭ ‬جماعية،‭ ‬حيث‭ ‬يخشى‭ ‬الناس‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضًا،‭ ‬وتوارى‭ ‬‮«‬الستر‮»‬‭ ‬‮«‬وهو‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬القيم‭ ‬المغربية‮»‬‭ ‬خلف‭ ‬هوس‭ ‬مرضي‭ ‬بالفضيحة‭. ‬صارت‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة‭ ‬مشاعًا،‭ ‬والجدران‭ ‬‮«‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحفظ‭ ‬الأسرار‮»‬‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬زجاج‭ ‬رقمي‭ ‬هشٍّ،‭ ‬يكسر‭ ‬بأبخس‭ ‬الأثمان‭. ‬إنه‭ ‬مأزقٍ‭ ‬أخلاقيٍّ‭ ‬حاد‭: ‬أنريد‭ ‬مجتمعا‭ ‬تدار‭ ‬فيه‭ ‬المصائر‭ ‬بعدد‭ ‬‮«‬الإعجابات‮»‬،‭ ‬وتُصاغ‭ ‬فيه‭ ‬الأحكام‭ ‬وفق‭ ‬أهواء‭ ‬مجهولين؟‭ ‬أم‭ ‬نطمح‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬ميزان‭ ‬من‭ ‬الوعي،‭ ‬حيث‭ ‬النقد‭ ‬مسؤول،‭ ‬والحرية‭ ‬مقترنة‭ ‬بالضمير؟

إن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬فضاءاتنا‭ ‬الرقمية‭ ‬‮«‬في‭ ‬طنجة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬مدن‭ ‬المغرب‮»‬‭ ‬يستدعي‭ ‬تدخلًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬المقاربة‭ ‬الزجرية،‭ ‬على‭ ‬ضرورتها،‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬تربوي‭ ‬قيمي‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لجوهر‭ ‬‮«‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‮»‬‭. ‬فقبل‭ ‬أن‭ ‬نضغط‭ ‬زرّ‭ ‬المشاركة،‭ ‬يجدر‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نتذكَّر‭ ‬أن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬إنسانًا‭ ‬من‭ ‬لحمٍ‭ ‬ودمٍ،‭ ‬له‭ ‬أم‭ ‬يوجعها‭ ‬البكاء،‭ ‬وأبّ‭ ‬يثقل‭ ‬ظهره‭ ‬الانكسار،‭ ‬وأطفال‭ ‬لا‭ ‬ذنب‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬الكبار‭.‬

الحرية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يضبطها‭ ‬وازع‭ ‬أخلاقي‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬لعبودية‭ ‬الغرائز‭. ‬ومجتمع‭ ‬الفضيحة،‭ ‬مهما‭ ‬بدا‭ ‬صاخبًا‭ ‬ومؤثرًا،‭ ‬إنما‭ ‬يسير‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة‭ ‬نحو‭ ‬هاوية‭ ‬أخلاقية،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نستدرك‭ ‬وعينا،‭ ‬ونستعيد‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬وواجب‭ ‬صون‭ ‬الكرامة‭. ‬ففي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬ليست‭ ‬الحقيقة‭ ‬ما‭ ‬يعلو‭ ‬صوته‭ ‬في‭ ‬‮«‬الترند‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬محك‭ ‬العقل‭ ‬والضمير‭.‬

بقـلم‭: ‬نزار‭ ‬الهسكوري

تابعنا على الفيسبوك