تواصل معنا

سياسة

هل تُنهي «الحـملات السـابقة لأوانـهـا» طـمـوح الطـامحيـن في الكـراسي الانـتخـابـيـة؟

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬كلّ‭ ‬استحقاق‭ ‬انتخابي،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬نقاش‭ ‬قانوني‭ ‬وسياسي‭ ‬يضع‭ ‬مصير‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬كف‭ ‬عفريت‭. ‬فبين‭ ‬رغبة‭ ‬جارفة‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬رهان‭ ‬المقاعد،‭ ‬وتسرّع‭ ‬بعض‭ ‬المرشحين‭ ‬في‭ ‬استمالة‭ ‬الناخبين‭ ‬قبل‭ ‬الموعد‭ ‬الرسمي،‭ ‬تجد‭ ‬‮«‬سياط‭ ‬القانون‮»‬‭ ‬طريقها‭ ‬لتطيح‭ ‬برؤوس‭ ‬انتخابية‭ ‬وازنة‭.‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يؤرق‭ ‬الصالونات‭ ‬السياسية‭ ‬اليوم‭: ‬هل‭ ‬تسقط‭ ‬السلطات‭ ‬والمحاكم‭ ‬الدستورية‭ ‬مرشحين‭ ‬بسبب‭ ‬خطيئة‭ ‬‮«‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬السابقة‭ ‬لأوانها»؟

المتتبع‭ ‬لمسارات‭ ‬الطعون‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السرعة‭ ‬المفرطة‮»‬‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬الحملات‭ ‬الدعائية‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬انتحار‭ ‬سياسي‮»‬‭. ‬فالقوانين‭ ‬التنظيمية‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بانتخاب‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬أو‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬واضحة‭ ‬وصارمة؛‭ ‬حيث‭ ‬تحدد‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬المخصصة‭ ‬للمنافسة‭ ‬الشريفة،‭ ‬وكل‭ ‬تحرك‭ ‬خارج‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬الزمني‭ ‬يُصنف‭ ‬ضمن‭ ‬‮«‬الأساليب‭ ‬التدليسية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تخل‭ ‬بمبدأ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬بين‭ ‬المتبارين‭. ‬

الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬عبر‭ ‬عمال‭ ‬الأقاليم‭ ‬والولايات،‭ ‬لا‭ ‬تتردَّد‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬تقارير‭ ‬سوداء‭ ‬حول‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ثبت‭ ‬تورطه‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬‮«‬هبات‭ ‬مغلفة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬إحسان‭ ‬عمومي،‭ ‬أو‭ ‬حتَّى‭ ‬إطلاق‭ ‬منصات‭ ‬رقمية‭ ‬للترويج‭ ‬لبرامج‭ ‬انتخابية‭ ‬قبل‭ ‬تلاوة‭ ‬‮«‬سورة‭ ‬البداية‮»‬‭ ‬الرسمية‭. ‬هذه‭ ‬التقارير‭ ‬تُشكّل‭ ‬المادة‭ ‬الدسمة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬مقاعد‭ ‬برلمانية‭ ‬بعد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬طعون‭ ‬يُقدّمها‭ ‬المنافسون‭.‬

وفي‭ ‬زمن‭ ‬‮«‬الرقمنة‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬العمل‭ ‬الانتخابي‭ ‬السري‭ ‬ممكنًا،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ (‬فيسبوك،‭ ‬واتساب،‭ ‬تيك‭ ‬توك‭) ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬فخ‭ ‬يسقط‭ ‬فيه‭ ‬المرشحون‭ ‬‮«‬المتلهفون‮»‬‭.‬

وتؤكد‭ ‬مصادر‭ ‬قانونية،‭ ‬أنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬الصادرة‭ ‬بإلغاء‭ ‬انتخاب‭ ‬برلمانيين‭ ‬أو‭ ‬مستشارين‭ ‬جماعيين‭ ‬استندت‭ ‬بالأساس‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مستملحات‭ ‬رقمية‮»‬‭ ‬وفيديوهات‭ ‬وثقت‭ ‬لعمليات‭ ‬توزيع‭ ‬وعود،‭ ‬أو‭ ‬تدشين‭ ‬مشروعات‭ ‬وهمية،‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬لقاءات‭ ‬حاشدة‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬جمعوي‭ ‬قبل‭ ‬انطلاق‭ ‬الحملة‭ ‬بأيام‭.‬

إن‭ ‬سلطة‭ ‬القضاء‭ ‬الدستوري‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب؛‭ ‬إذ‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬استباق‭ ‬الزمن‭ ‬الانتخابي‭ ‬بوسائل‭ ‬تواصلية‭ ‬واسعة‭ ‬الانتشار‭ ‬يُعد‭ ‬تأثيرًا‭ ‬تدليسيًّا‭ ‬في‭ ‬إرادة‭ ‬الناخبين،‭ ‬وخرقًا‭ ‬سافرًا‭ ‬لروح‭ ‬الدستور‭ ‬الذي‭ ‬ينصُّ‭ ‬على‭ ‬نزاهة‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬وشفافيتها‭.‬

ومن‭ ‬الحيل‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬مكشوفةً‭ ‬لدى‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية،‭ ‬لجوء‭ ‬بعض‭ ‬الأعيان‭ ‬والوجوه‭ ‬النافذة‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬جمعيات‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬تنشط‭ ‬فجأة‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬القيد‭ ‬الانتخابي‭.‬

توزيع‭ ‬‮«‬قفف‭ ‬رمضان‮»‬،‭ ‬تنظيم‭ ‬رحلات‭ ‬ترفيهية،‭ ‬وتوزيع‭ ‬أدوات‭ ‬مدرسية‭.. ‬كلها‭ ‬أنشطة‭ ‬اجتماعية‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬لكنَّها‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬حملات‭ ‬انتخابية‭ ‬سابقة‭ ‬لأوانها‭ ‬ومموهة‭ ‬بامتياز‭.‬

وتؤكد‭ ‬مصادر‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الترابية‭ ‬أنَّ‭ ‬التعليمات‭ ‬صارمة‭ ‬لرصد‭ ‬هذه‭ ‬التحركات؛‭ ‬فالقانون‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬العمل‭ ‬الخيري،‭ ‬لكنه‭ ‬يمنع‭ ‬استغلاله‭ ‬كـ«جسر‭ ‬عبور‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة،‭ ‬وعندما‭ ‬يثبت‭ ‬وجود‭ ‬رابط‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬الدعم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الموزع‭ ‬والدعاية‭ ‬لشخص‭ ‬بعينه‭ ‬ينوي‭ ‬الترشح،‭ ‬فإن‭ ‬السلطات‭ ‬تتحرَّك‭ ‬لتفعيل‭ ‬المساطر‭ ‬القانونية،‭ ‬وتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬الحتمية‭ ‬هي‭ ‬العزل‭ ‬أو‭ ‬إسقاط‭ ‬الأهلية‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الطعون‭.‬

إن‭ ‬الطموح‭ ‬السياسي‭ ‬مشروع،‭ ‬لكن‭ ‬اللعب‭ ‬خارج‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬المنظمة‭ ‬للعملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬مغامرة‭ ‬غير‭ ‬محسوبة‭ ‬العواقب‭… ‬فالقانون‭ ‬الانتخابي‭ ‬المغربي‭ “‬ومعه‭ ‬يقظة‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬وصرامة‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭” ‬يقفون‭ ‬بالمرصاد‭ ‬لكل‭ ‬مَن‭ ‬يُحاول‭ ‬سرقة‭ ‬المسافات‭ ‬واستباق‭ ‬الزمن،‭ ‬ليبقى‭ ‬صندوق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وشروط‭ ‬التنافس‭ ‬الشريف،‭ ‬هما‭ ‬الفيصل‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬مغرب‭ ‬المؤسسات‭.‬

تابعنا على الفيسبوك