آخر الأخبار
منسوب ملء السدود متراجع بشدة وطنجة الأكثر تضررًا والملك يقود عملية «الإنقاذ»
تراجع مخزون المياه بشمال المغرب.. كيف أصبحنا على مشارف كارثة العطش؟
لم يعش المغرب، منذ سنوات، حالةَ استنفار بخصوص وضعية المخزون المائي، مثل تلك الَّتِي يعيشها الآن، إذ أصبح هَذَا الموضوع على رأس أولويات الملك محمد السادس، الَّذِي وضع كل الفاعلين في القطاع في حالة استنفارٍ دائمٍ، نتيجة تدنّي مستوى التساقطات المطريّة، وعجز السدود عن مواكبة الحاجيات المتزايدة للمواطنين من جهة، وللقطاعات الفلاحيّة والصناعية والخدماتية من جهة أخرى.
وإلى وقت قريب، كانت تنتشر بين سكان جهة طنجة – تطوان – الحسيمة قناعةً خاطئةً، مفادها أنَّ مدن شمال المغرب بعيدة عن هَذِهِ الأزمة، بسبب التساقطات المطرية الَّتِي تعرفها سنويًّا، بحجم أعلى من ذلك المسجل في جهات أخرى، لكن سريعًا بدأت معالم الأزمة تتّضح، إلى درجة جعلت ولاية المجالس المنتخبة تنخرط في حمالات لدفع المواطنين لوقف التبذير، مثلما فعلت جماعة طنجة مؤخرًا.
إجراءات «التقشف» تصل الشمال
وكما كان متوقعًا، وصلت إجراءات التحكّم في الخصاص الَّذِي تعرفه المملكة بخصوص مياه الشرب، إلى جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، وذلك بعدما أعلن وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أمام مجلس المستشارين بتاريخ 2 يناير 2024، أنَّ الوضع الحالي لمخزون المياه بالمغرب كارثي، مستحضرًا تراجع مخزون حوض اللوكوس من 282 مليون متر مكعب إلى 23 مليون متر مكعب في ظرف سنة واحدة.
واستعانت الوزارة المُكلّفة بالماء بوزارة الداخلية، لعلّها تستطيع أن تتحكّم أكثر في التدابير المتعلّقة بمنع تبذير المياه في ظلّ هَذَا الظرف الحرج، وعلى هَذَا الأساس أعلن بركة أنَّ عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، أصدر دوريةً بهدف اتّخاذ التدابير اللازمة، الَّتِي من شأنها عقلنة استعمال المياه، وإذا اقتضى الأمر، حسب كلام وزير التجهيز والماء، ستُقطع هَذِهِ المادة لبضع ساعات يوميًا من أجل ضمان الاستمرارية، بهدف تقليص الضغط على شبكات المياه وتدبير المخزون الحالي؛ تحسبًا لفترة الصيف، في انتظار هطول التساقطات المطرية فيما تبقّى من أشهر فصل الشتاء.
ولكن على المستوى الميداني، تشير المعطيات، الَّتِي حصلت عليها الصحيفة من مصادر مسؤولة، أن إجراء قطع المياه جزئيًا عن البيوت لا يزال مستبعدًا، على مستوى الجهة، عكس ما حصل في جهات أخرى، أبرزها جهة سوس – ماسة، إذ أعلنت الوكالة المستقلة المتعدّدة الخدمات بأكادير، المعروفة اختصارا بـ«رامسا» أنّها اتّخذت قرار قطع المياه جزئيًا عن هَذِهِ المدينة، إلى جانب مدن إنزكان والدشيرة وآيت ملول.
وبشكل صريح، أعلنت هَذِهِ الشركة، أن هَذَا الإجراء المتّخذ، ابتداءً من 10 يناير 2023، بالمدينة الَّتِي يرأس مجلسها الجماعي رئيس الحكومة عزيز أخنوش، راجع بالأساس إلى الظرفية الاستثنائية المطبوعة بقلّة التساقطات المطريّة والنقص الحادّ في المياه على مستوى السدود بجهة سوس، وهو أمر لم تصل إليه بعد جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، الَّتِي تمثّل، هَذِهِ السنة، جزءًا شاسعًا من المثلث الرطب الَّذِي شهد تساقطاتٍ مطريّةً مُهمّة خلال الأسابيع الماضية.
ومع ذلك، فإنّ هَذَا الأمر لا يعني أنّ جهة الشمال توجد خارج دائرة الخطر، كما تُوضّح ذلك مصادرنا، بل فقط تعيش وضعًا أفضلَ نسبيًّا على مستوى الموارد المائيّة، ما دفع الوالي يونس التازي إلى إعلان مجموعةٍ من التدابير دخلت حيّز التنفيذ؛ انطلاقًا من بداية الأسبوع الجاري، وتتمثّل في إقفال محلات غسل السيّارات والحمّامات التقليديّة ونظيرتها العصريّة لمدّة 3 أيام في الأسبوع، إذ ستتعطل استثنائيًّا عن العمل، خلال الأيّام الثلاثة الأولى من كل أسبوع وستعود للاشتغال من الخميس إلى الأحد.
أرقام تؤكد الأزمة
وكي يتسنى لنا فهم دواعي هَذِهِ الإجراءات -بشكل أوضح- نعود إلى أحدث تقرير لوزارة التجهيز والماء، الخاص بسدود الجهة، والصادر بتاريخ 9 يناير 2024، إذ سجل أنَّ المخزون المائيّ بالسدود الكبرى على مستوى الجهة، سجَّل إلى حدود تاريخ إصداره، عجزًا يصل إلى 309 مليون متر مكعب، مُقارنةً مع اليوم نفسه من العام الماضي.
وجاء التقرير اليومي للمديرية العامة لهندسة المياه، التابعة لوزارة التجهيز والماء، الَّذِي نشرته وكالة المغرب العربيّ للأنباء، الرسمية، ليعلن أنَّ المخزون المائي بسدود الجهة بلغ 667، 5 مليون متر مكعب، بمعدل ملء عام يصل إلى 38.77 في المئة، مقابل 976، 7 مليون متر مكعب ومعدل ملء يفوق 56، 72 في المئة، في حين تبلغ الحقينة الإجمالية 1721، 7 مليون متر مكعب.
ويصل المخزون المائي بسد وادي المخازن بإقليم العرائش، وهو أكبر سدود الجهة، إلى 377، 1 مليون متر مكعب، بمعدل ملء يناهز 56 في المئة، مقابل 524، 7 مليون متر مكعب العام الماضي، أي بمعدل ملء يفوق 78 في المئة، بينما يصل مخزون سد دار خروفة إلى 68، 9 مليون متر مكعب بنسبة 14، 3 في المئة، مقابل 161، 5 مليون متر مكعب، بنسبة 33، 6 في المئة، العام الماضي.
وبتراب عمالة طنجة – أصيلة، يبلغ المخزون المائي لسدّ 9 أبريل 1947 إلى 42، 5 مليون متر مكعب أي بنسبة ملء 14، 2 في المئة، مقابل 58، 6 مليون متر مكعب، بنسبة 19، 5 في المئة، العام الماضي، بينما بسد ابن بطوطة فقد وصل المخزون إلى 8، 2 مليون متر مكعب أي 28، 1 في المئة، مقابل 16، 2 مليون متر مكعب، أي بنسبة 55، 6 في المئة، العام الماضي.
أمّا بإقليم الفحص – أنجرة، وحسب التقرير نفسه، فيحتوي سدّ طنجة المتوسط على 16، 9 مليون متر مكعب بنسبة ملء بلغت 76، 8 في المئة، مقابل 21، 1 مليون متر مكعب، بنسبة 95، 9 في المئة، قبل عام، فيما يحجز سدّ مولاي الحسن بن المهدي 11، 7 مليون متر مكعب بنسبة 50، 1 في المئة، مقابل 15، 3 مليون متر مكعب أي بنسبة 65، 2 في المئة، العام الماضي.
وفي إقليم تطوان، مكنّ سد الشريف الإدريسي من توفير 97، 7 مليون متر مكعب بنسبة 80، 3 في المئة، مقابل 121، 6 مليون متر مكعب، بنسبة 100 في المئة قبل عام، فيما يبلغ مخزون سد النخلة 1، 8 مليون متر مكعب بنسبة ملء 42، 3 في المئة، مقابل 4، 2 مليون متر مكعب بنسبة 100 في المئة قبل سنة.
ويصل المخزون المائي لسدّ اسمير بعمالة المضيق – الفنيدق 30، 4 مليون متر مكعب بنسبة امتلاء بلغت 78، 1 في المئة، مقابل 34، 7 مليون متر مكعب أي بنسبة 89، 1 في المئة قبل عام، بينما يبلغ المخزون المائي بسد شفشاون 9، 5 مليون متر مكعب بنسبة 77، 7 في المئة، مقابل 12، 2 مليون متر مكعب، بنسبة 100 في المئة، قبل سنة.
أما بإقليم الحسيمة، فقد وصل المخزون المائي لسدّ محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى 2، 3 مليون متر مكعب بنسبة 19، 2 في المئة، مقابل 5، 2 مليون متر مكعب، أي بنسبة 43، 7 في المئة، وبسد الجمعة إلى 0، 5 مليون متر مكعب أي بنسبة 9، 5 في المئة، مقابل 1، 2 مليون متر مكعب، أي بنسبة 23 في المئة، قبل سنة.
غياب التوازن المائي عن أقاليم الجهة
والواضح من خلال هَذِهِ الأرقام، أنَّ مشكلة المياه بشمال المملكة لا تكمن فقط في تراجع الموارد، بل أيضًا في عدم وجود توازن في توزيعها بين العمالات والأقاليم، بشكل تصبح فيه المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان، هي الَّتِي تعاني تقلصًا في مخزون الماء، في حين يُسجل العكس في المناطق ذات الكثافة السكانيّة الأقل، وهو أمر ليس وليد اليوم، ونتاج تراكمات مُسجّلة على مدى سنوات.
ونعود إلى المعطيات الَّتِي كشفت عنها وكالة الحوض المائي اللوكوس في شتنبر من سنة 2022، خلال الندوة الَّتِي نظمها مجلس الجهة وولاية الجهة، بخصوص إشكالية الماء على المستوى الجهوي، إذ أوضحت أن مخزون المياه في عمالة طنجة – أصيلة وقتها يكفي سنةً واحدةً، في حين بالنسبة للإقليم تطوان فإنّه يكفي لمدة 3 سنوات.
ووَفْق الوكالة، فإنّ 94 في المئة من موارد المياه على مستوى الجهة هي موارد سطحية، مقابل 6 في المئة فقط عبارة عن موادّ جوفية، لكنها تختلف باختلاف العمالات والأقاليم، وأيضًا بمرور الوقت، في حين تتوفر الجهة على 16 سدًا بطاقة إجمالية للتخزين تصل إلى ملياري متر مكعب، لكنها، وإلى حدود يناير الجاري، ممتلئة بنسبة 40، 67 في المئة فقط، بينما تستهلك الأنشطة الفلاحية وحدها 375 مليون متر مكعب من مياه السقي، تأتي 56 في المئة منها من السدود.
أمّا بخصوص مياه الشرب، فإن الحاجيات السنويّة للجهة تصل إلى 175 مليون متر مكعب، تعد السدود مصدر نحو ثلاثة أرباعها، في حين يأتي أكثر من الربع بقليل من المياه الجوفية، وتنتظر الجهة أن تتراجع حدّة انخفاض مخزونها المائي عند الانتهاء من إنجاز سد الحسيمة الجديد، بسعة 665 مليون متر مكعب، الَّذِي ينتهي العمل فيه في غضون السنة الجارية، وَفْق ما أكده وزير التجهيز والماء، نزار بركة، قبل أسابيع.
والجهة، تظل من بين الجهات الَّتِي عرفت أكبر تساقطات مطرية خلال الأشهر الماضية، وهو ما أكده بركة أمام مجلس النواب يوم الاثنين 22 يناير 2024، حين أورد أن حجم التساقطات على مدينة طنجة وحدها، خلال السنة الهيدرولوجية الجارية، الَّتِي تنطلق من فاتح شتنبر 2023، وإلى غاية يوم 19 يناير الجاري، بلغت 423 ميليمترًا، كأعلى رقم وطنيًّا.
لكن رغم ذلك، فإنّ هَذَا الرقم يبقى غير كافٍ، إذ إنّ عجز التساقطات المسجل وطنيًّا يصل الآن إلى 70 في المئة، ومعدل ملء السدود تراجع إلى 23، 2 في المئة حاليًا مقابل 31، 5 في المئة قبل سنة، هَذَا بالإضافة إلى أنَّ مشكلة السدود في طنجة مثلا هي أنها تعاني نسب تبحّر مرتفعة، فحسب الأرقام المعلنة سنة 2022، فقد فقدت تقريبًا 12 مليون متر مكعب من أصل 90 مليونًا، أي أن ما تبقى على أرض الواقع هو 78 مليونًا، أي أقل من حاجيات المدينة الَّتِي تصل إجمالًا إلى 97 مليون متر مكعب.
هَذَا الإكراه جعل تغطية حاجيات المدينة تتم عبر جلب المياه من سدَّي «ابن بطوطة» و«9 أبريل»، لكن أيضًا من سدّ «خروفة» بإقليم العرائش، أما في مدينة تطوان المجاورة، ووَفْق أرقام الحوض المائي اللوكوس دائمًا، فإنها كانت تتوفر على 148 مليون متر مكعب مُوزّعة على 4 سدود، بينما لا يزيد إجمالي حاجيات السكان عن 37 مترًا مكعبًا، ما يظهر غياب التوازن في إنشاء السدود وأماكن تخزين المياه بين مناطق الجهة.
هل طنجة على مشارف العطش؟
وتعي الحكومة المغربية جيّدًا حجم أزمة المياه، الَّذِي يضرب شمال المملكة، وضرورة التعجيل بإجراءات تتدارك الفوارق المُسجّلة بين الأقاليم من جهة، ومن جهة أخرى تحدّ من ارتفاع مستوى الخصاص، خصوصًا مدينة طنجة ذات الكثافة السكانية المرتفعة، لذلك نجد أن وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أعلن، في شتنبر من سنة 2023، الشروع في إنجاز الربط المائي بين سد خروفة وسد وادي المخازن، بما يضمن تزويد الساكنة بالمياه.
وقبل ذلك، تحديدًا في يوليوز من سنة 2023، أعلن رئيس جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، عمر مورو، البدء في دراسة تتعلق بـ«خط سيار للمياه»، الَّذِي يضمن ربط مدينتي طنجة ووزان بمصادر جديدة للماء؛ بسبب التراجع القياسي للمنسوب فيهما مقارنةً بباقي مناطق الجهة، معتبرًا أنَّ المناظرة الجهوية بشأن الماء كشفت بالملموس أنّ الإقليمين المذكورين يعيشان خصاصًا كبيرًا على هَذَا المستوى، وأبرز أن مشروع «أوطوروت المياه» بديل عن محطة تحلية المياه الَّتِي تم تأجيلها.
ومع ذلك، فإنَّ مشروع تحلية المياه يبدو أمرًا واقعًا في المستقبل، حسب تأكيدات مورو نفسه، الَّذِي أعلن عن إنجاز دراساتها حتّى بعد قرار الحكومة تأجيل المشروع، على أن يكون ذلك بتوافق بين مجلس الجهة ووزارة التجهيز والماء، وقد أبدى بركة استعدادَه لذلك، لتكون الخطوة الرئيسية هي الوعاء العقاري الَّذِي يُواجه صعوبات تتعلّق بالتوسّع العمراني الكبير للمدينة.
الأمل في الملك
وأصبحت مشكلة المياه إحدى الأولويات الكبرى للملك محمّد السادس، الَّذِي ترأس، بتاريخ 17 يناير 2024، بالقصر الملكي بالرباط، جلسة عمل تندرج في إطار «التتبع المستمرّ والعناية السامية الَّتِي يوليها جلالة الملك، حفظه الله، لهَذِهِ المسألة الاستراتيجية، لا سيَّما في السياق الحالي الَّذِي يعرف تسجيل عجزٍ ملحوظٍ على مستوى التساقطات وضغطًا قويًّا جدًا على الموارد المائيّة في مختلف جهات المملكة»، وَفْق بلاغ للديوان الملكي.
وقدّم وزير التجهيز والماء عرضًا بشأن الوضعية المائية، في هَذَا الاجتماع، الَّتِي عرفت خلال الفترة من شتنبر إلى منتصف يناير 2024، تسجيل عجز في التساقطات بلغت نسبته 70 بالمئة، مُقارنةً مع المعدل، فيما بلغت نسبة ملء السدود 23.2 بالمئة مقابل 31.5 بالمئة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، كما قدّم مخطط العمل الاستعجالي، الَّذِي أعدّته القطاعات المختصّة لمواجهة الوضعية الحالية، وضمان توفير المياه الصالحة للشرب، لا سيَّما في المدن والمراكز والقرى الَّتِي تعرف عجزًا أو من المحتمل أن تعرفه.
وسيُنزّل مخطط العمل الاستعجالي، الَّذِي قُدّم للملك، على مستوى مختلف الأنظمة المائيّة بالمملكة، ما يعني ضمنيًا أنّه يهم أقاليم الشمال، ويشمل مجموعةً من الإجراءات على المدى القصير، منها التعبئة المثلى للموارد على مستوى السدود والآبار ومحطات التحلية الموجودة وإقامة تجهيزات استعجالية لنقل الماء والتزويد به، وكذا اتّخاذ إجراءات لتقييد استعمال مياه الري وتقليص صبيب التوزيع كلما اقتضت الوضعية ذلك.
وبالموازاة، وطبقًا للتوجيهات الملكية، ستُسرّع وتيرة إنجاز الأوراش المُبرمجة الَّتِي لها وقع على المدى المتوسط، خصوصًا السدود في طور التشييد ومشاريع الربط بين أحواض سبو وأبي رقراق وأم الربيع، والبرنامج الوطنيّ لمحطات تحلية مياه البحر، وبرنامج إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، وبرنامج اقتصاد الماء على مستوى شبكة نقل وتوزيع الماء الصالح للشرب ومياه الري.


