تواصل معنا

إقتصاد

كأس إفريقيا في المغرب.. حين تتحول الكرة إلى اختبار دولة وصورة مدينة

بقـلم‭: ‬وصال‭ ‬بودلال‭ ‬الديموسي

لم‭ ‬يكن‭ ‬تنظيم‭ ‬كأس‭ ‬أمم‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬مجرد‭ ‬حدثٍ‭ ‬رياضيٍّ‭ ‬عابرٍ،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬لحظةَ‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬لقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬والمدينة‭ ‬على‭ ‬تدبير‭ ‬تظاهرة‭ ‬قاريَّة‭ ‬كبرى‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬تعقيدٍ‭ ‬لوجستي،‭ ‬وضغط‭ ‬جماهيري،‭ ‬وتحديات‭ ‬أمنيَّة،‭ ‬وتنظيميَّة،‭ ‬وتسويقيَّة‭. ‬وفي‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬تحديدًا،‭ ‬حيث‭ ‬تلتقي‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بالرمزيَّة،‭ ‬والبحر‭ ‬بالحدود،‭ ‬والرياضة‭ ‬بالسياسة‭ ‬الحضريَّة،‭ ‬برزت‭ ‬صورة‭ ‬مغايرة‭ ‬لما‭ ‬يروَّج‭ ‬عادة‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الذروة‭.‬

منذ‭ ‬الأيّام‭ ‬الأولى‭ ‬للبطولة،‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬أنَّ‭ ‬الرهان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الملاعب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حولها‭: ‬الطرق،‭ ‬النقل،‭ ‬الإشارات،‭ ‬الفضاءات‭ ‬العامة،‭ ‬الخِدْمات،‭ ‬الأمن،‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬الزوار‭. ‬وهنا‭ ‬تحديدًا،‭ ‬قدّمت‭ ‬طنجة‭ ‬نموذجًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬التدفق‭ ‬البشري‭ ‬والمروري‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فوضى‭ ‬شاملة‭ ‬أو‭ ‬شلل‭ ‬حضري‭.‬

على‭ ‬مستوى‭ ‬السير‭ ‬والجولان،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬المدينة‭ ‬اجتازت‭ ‬الامتحان‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر‭ ‬الممكنة‭. ‬لم‭ ‬تختفِ‭ ‬الازدحامات،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭ ‬في‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحجم،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الفارق‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬إدارتها‭. ‬الانتشار‭ ‬المنظم‭ ‬لعناصر‭ ‬المرور،‭ ‬وضوح‭ ‬المسارات،‭ ‬المرونة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الذروة‭ ‬قبل‭ ‬المباريات‭ ‬وبعدها،‭ ‬وتكييف‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬العمومي‭ ‬مع‭ ‬مواعيد‭ ‬اللقاءات،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬جعلت‭ ‬التنقل‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬ممكنًا،‭ ‬بل‭ ‬سلسًا‭ ‬نسبيًّا‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬يُسجَّل‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬تظاهرات‭ ‬كبرى‭ ‬داخل‭ ‬مدن‭ ‬متوسطيَّة‭ ‬أو‭ ‬إفريقيَّة‭.‬

هذا‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الحضور‭ ‬الأمني،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬اشتغال‭ ‬مختلف‭: ‬منطق‭ ‬استباقي،‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬نقاط‭ ‬الاختناق،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الحركة‭ ‬بدل‭ ‬تركيزها،‭ ‬وربط‭ ‬محيط‭ ‬الملعب‭ ‬بالشبكة‭ ‬الحضريَّة‭ ‬الكبرى‭ ‬دون‭ ‬عزله‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭ ‬أو‭ ‬خنقها‭. ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬تراكم‭ ‬تجربة‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬التظاهرات،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬حلول‭ ‬ظرفيَّة‭. ‬لكنَّ‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬السير‭ ‬والجولان‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‭”‬الانضباط‭ ‬المدني‭ ‬المؤقت‭” ‬الذي‭ ‬خلقته‭ ‬التظاهرة‭: ‬حضور‭ ‬جماهيري‭ ‬واسع‭ ‬دون‭ ‬انفلات‭ ‬كبير،‭ ‬استعمال‭ ‬مكثف‭ ‬للفضاءات‭ ‬العامة‭ ‬دون‭ ‬تدميرها،‭ ‬احتكاك‭ ‬ثقافي‭ ‬واضح‭ ‬دون‭ ‬توتر‭ ‬يُذكر‭. ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالأمن،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بنجاح‭ ‬عمليَّة‭ ‬التواصل‭ ‬والتنظيم‭ ‬الميداني،‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬المشجع‭ ‬يشعر‭ ‬أنَّه‭ ‬داخل‭ ‬مدينة‭ ‬مُهيّأة‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬داخل‭ ‬مدينة‭ ‬متوجسة‭ ‬منه‭.‬

في‭ ‬موازاة‭ ‬التنظيم‭ ‬اللوجستي،‭ ‬برز‭ ‬جانب‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهميَّة‭: ‬التسويق‭ ‬الترابي‭. ‬طنجة‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬فقط‭ ‬كمدينة‭ ‬تستضيف‭ ‬مباريات،‭ ‬بل‭ ‬كمدينة‭ ‬تُقدّم‭ ‬نفسها‭. ‬من‭ ‬المطار‭ ‬إلى‭ ‬الميناء،‭ ‬ومن‭ ‬محيط‭ ‬الملعب‭ ‬إلى‭ ‬الكورنيش‭ ‬والمدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬اشتغالٌ‭ ‬واضحٌ‭ ‬على‭ ‬الصورة‭: ‬لافتات،‭ ‬وشاشات،‭ ‬وفضاءات‭ ‬تنشيط،‭ ‬وتوظيف‭ ‬للهوية‭ ‬البصريَّة،‭ ‬وربط‭ ‬للحدث‭ ‬الرياضي‭ ‬بالخصوصيَّة‭ ‬المحليَّة‭. ‬

التسويق‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دعائيًّا‭ ‬سطحيًّا،‭ ‬بل‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬سرديَّة‭ ‬مدينة‭: ‬طنجة‭ ‬بوصفها‭ ‬بوابة،‭ ‬وملتقى،‭ ‬ومدينة‭ ‬متوسطيَّة‭ ‬إفريقيَّة‭ ‬في‭ ‬آن‭. ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬بالصورة‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬فقط‭ ‬البطولة،‭ ‬بل‭ ‬يخدم‭ ‬الموقع‭ ‬المستقبلي‭ ‬للمدينة‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬السياحة‭ ‬الرياضيَّة‭ ‬والثقافيَّة‭. ‬فالتظاهرات‭ ‬الكبرى‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مباريات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬لإعادة‭ ‬تموقع‭ ‬المدن‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬الرمزيَّة‭ ‬العالميَّة‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الصور‭ ‬اللافتة،‭ ‬خلال‭ ‬البطولة‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬كان‭ ‬الحضور‭ ‬السنغالي‭ ‬المميز‭ ‬حضورًا‭ ‬كثيفًا،‭ ‬ومنظمًا،‭ ‬واحتفاليًّا،‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬المدرجات،‭ ‬وفي‭ ‬الشوارع،‭ ‬وفي‭ ‬الفضاءات‭ ‬العامة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬تشجيع‭ ‬لفريق،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تعبيرًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬كاملًا‭: ‬ألوان،‭ ‬أزياء،‭ ‬موسيقى،‭ ‬رقص،‭ ‬وأناشيد‭. ‬تحولت‭ ‬بعض‭ ‬ساحات‭ ‬طنجة‭ ‬وأحيائها‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬إفريقيَّة‭ ‬مفتوحة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكرة‭ ‬حدثًا‭ ‬مغلقًا‭ ‬داخل‭ ‬الملعب،‭ ‬بل‭ ‬ممارسة‭ ‬اجتماعيَّة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المدينة‭. ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬السنغالي‭ ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬طنجة‭ ‬طابعًا‭ ‬قاريًا‭ ‬خاصًا،‭ ‬وذكّر‭ ‬بأن‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬ليست‭ ‬بطولة‭ ‬منتخبات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬لقاء‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭. ‬وقد‭ ‬تعاملت‭ ‬المدينة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬بذكاء‭ ‬وهدوء،‭ ‬دون‭ ‬تضييق‭ ‬أو‭ ‬توجّس‭ ‬مفرط،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬بتحوُّل‭ ‬الحضور‭ ‬الإفريقي‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬إثراء‭ ‬لا‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬طنجة‭ ‬خلال‭ ‬كأس‭ ‬أمم‭ ‬إفريقيا،‭ ‬يُؤكّد‭ ‬أنَّ‭ ‬التنظيم‭ ‬الرياضي‭ ‬الناجح‭ ‬ليس‭ ‬نتيجة‭ ‬قرار‭ ‬فوقي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬حصيلة‭ ‬تفاعل‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات،‭ ‬وجماعات‭ ‬محليَّة،‭ ‬وأطر‭ ‬أمنيَّة،‭ ‬وفاعلين‭ ‬مدنيين،‭ ‬وسكان‭. ‬حين‭ ‬يشتغل‭ ‬هؤلاء‭ ‬ضمن‭ ‬منطق‭ ‬واحد،‭ ‬تصبح‭ ‬التظاهرة‭ ‬فرصة‭ ‬لا‭ ‬عبئًا،‭ ‬واختبارا‭ ‬ناجحًا‭ ‬لا‭ ‬أزمة‭. ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬سلسلة‭ ‬مباريات،‭ ‬بل‭ ‬تمرينًا‭ ‬عمليًا‭ ‬على‭ ‬تدبير‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬استثنائي،‭ ‬وعلى‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬بلد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التنظيم،‭ ‬وعلى‭ ‬استقبال‭ ‬الآخر،‭ ‬وعلى‭ ‬تحويل‭ ‬الحدث‭ ‬الرياضي‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬رمزيَّة‭ ‬واقتصاديَّة‭ ‬وسياحيَّة‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الملاعب‭ ‬قد‭ ‬احتضنت‭ ‬الأهداف،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الشوارع‭ ‬والساحات‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل‭ ‬والوجوه‭ ‬التي‭ ‬صادفها‭ ‬الزوار‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬الانطباع‭ ‬الحقيقي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الامتحان‭ ‬بالذات،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬طنجة‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬مباراتها‭ ‬الخاصة‭ ‬خارج‭ ‬الملعب‭.‬

تابعنا على الفيسبوك