تواصل معنا

مضيق جبل طارق

قطع عسكرية بحرية من مختلف دول العالم تصل إلى البوغاز.. كيف لفتت حرب الشرق الأوسط الانتباه للقيمة الاستراتيجية لطنجة؟

فرقاطات‭ ‬حربية‭ ‬ومــنـــاورات‭ ‬عسكــــــرية‭ ‬وتحركـات‭ ‬ميدانية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬جـبل‭ ‬طـــارق‭ ‬بعـــد‭ ‬إغــــــلاق ‬مضيق‭ ‬هرمز

لم‭ ‬تكن‭ ‬زيارة‭ ‬الفرقاطة‭ ‬الحربية‭ ‬التركية‭ ‬‮«‬تي‭ ‬سي‭ ‬جي‭ ‬برغاز‭ ‬أدا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة،‭ ‬مؤخرًا،‭ ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬بروتوكولية‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬الزيارات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬الصديقة،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬حلقةٍ‭ ‬جديدةٍ‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬مؤشرات‭ ‬تُؤكّد‭ ‬أنَّ‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬البحرية‭ ‬استقطابًا‭ ‬للأنشطة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭.‬

فالزيارة‭ ‬‮«‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬يومين‭ ‬وشهدت‭ ‬مشاركة‭ ‬مسؤولين‭ ‬عسكريين‭ ‬ودبلوماسيين‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬وتركيا‮»‬‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬إقليمي‭ ‬ودولي‭ ‬بالغ‭ ‬التعقيد،‭ ‬يتّسم‭ ‬بتزايد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬واضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬البحرية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬أهمية‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الآمنة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وحركة‭ ‬الطاقة،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬موقع‭ ‬طنجة‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬يكتسب‭ ‬قيمة‭ ‬مضاعفة‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للدول‭ ‬الحليفة‭.‬

*طنجة‭.. ‬تحت‭ ‬أعين‭ ‬الأتراك

ولم‭ ‬يكن‭ ‬اختيار‭ ‬البحرية‭ ‬التركية‭ ‬لميناء‭ ‬طنجة‭ ‬اعتباطيًّا،‭ ‬بل‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬مسار‭ ‬متنامٍ‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬وأنقرة،‭ ‬تجاوز‭ ‬‮«‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬مرحلة‭ ‬صفقات‭ ‬اقتناء‭ ‬المعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬تقدمًا،‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬صناعية‭ ‬مشتركة‭.‬

فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬واجهات‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة،‭ ‬بعدما‭ ‬أدخل‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬الخدمة‭ ‬طائرات‭ ‬‮«‬بيرقدار‭ ‬TB2‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُعزّز‭ ‬قدراته‭ ‬بطائرات‭ ‬‮«‬أقنجي‮»‬‭ ‬الثقيلة،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الاهتمام‭ ‬المغربي‭ ‬بتطوير‭ ‬منظومة‭ ‬الصناعات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الوطنية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬التجميع‭ ‬أو‭ ‬الصيانة‭ ‬أو‭ ‬التصنيع‭ ‬المحلي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دراسة‭ ‬إدماج‭ ‬أنظمة‭ ‬قتالية‭ ‬متطوّرة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الروبوت‭ ‬الأرضي‭ ‬‮«‬باركان‭ ‬3‮»‬‭.‬

كما‭ ‬حملت‭ ‬الزيارة‭ ‬رسائلَ‭ ‬تتجاوز‭ ‬بُعدها‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر،‭ ‬بعدما‭ ‬احتضنت‭ ‬الفرقاطة‭ ‬التركية‭ ‬حفلَ‭ ‬استقبال‭ ‬رسميًّا،‭ ‬جمع‭ ‬مسؤولين‭ ‬مغاربة‭ ‬وأعضاء‭ ‬من‭ ‬السلك‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬وملحقين‭ ‬عسكريين‭ ‬يمثلون‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأجنبية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬المكانة،‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تحتلها‭ ‬طنجة‭ ‬بوصفها‭ ‬فضاءً‭ ‬للحوار‭ ‬العسكري‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تؤكد‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬الموانئ‭ ‬المغربية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المدينة،‭ ‬أصبحت‭ ‬منصة‭ ‬لاستقبال‭ ‬شركاء‭ ‬عسكريين‭ ‬متعددين‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مختلفة‭.‬

يأتي‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يشهد‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬تدريجية‭ ‬لأولويات‭ ‬الأمن‭ ‬البحري،‭ ‬فالحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬تهديداتٍ‭ ‬مُتكرّرةٍ‭ ‬لحركة‭ ‬الملاحة،‭ ‬ثم‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬خلال‭ ‬إحدى‭ ‬مراحل‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري،‭ ‬أعادا‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬النقاش‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬بعض‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية،‭ ‬وبشأن‭ ‬ضرورة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فضاءات‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا؛‭ ‬لضمان‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬وتأمين‭ ‬خطوط‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برز‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬المعابر‭ ‬البحرية‭ ‬استقرارًا‭ ‬وأمنًا،‭ ‬بينما‭ ‬تحوَّلت‭ ‬طنجة‭ ‬‮«‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬عند‭ ‬المدخل‭ ‬الجنوبي‭ ‬لهذا‭ ‬المضيق‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬ارتكاز‭ ‬تحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬متزايدٍ‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬البحرية‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استحضرنا‭ ‬أنَّ‭ ‬المضيق‭ ‬يُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬ازدحامًا‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬تعبره‭ ‬سنويًّا‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬وناقلات‭ ‬الطاقة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬نحو‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬والعكس‭.‬

*قطع‭ ‬بحرية‭ ‬أجنبية‭ ‬بسواحل‭ ‬البوغاز

ومع‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬تصيب‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الأخرى،‭ ‬ترتفع‭ ‬القيمة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬لهذا‭ ‬المضيق،‭ ‬وتزداد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬أمنه‭ ‬واستقرار‭ ‬محيطه‭ ‬البحري،‭ ‬مما‭ ‬يُفسّر‭ ‬تنامي‭ ‬الأنشطة‭ ‬العسكرية‭ ‬والتدريبات‭ ‬المشتركة،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬طنجة‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬محطاتها‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬الزيارة‭ ‬التركية‭ ‬سوى‭ ‬حدثٍ‭ ‬بحريٍّ‭ ‬عسكريٍّ‭ ‬بارزٍ‭ ‬آخر‭ ‬تحتضنه‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة،‭ ‬بعدما‭ ‬استقبلت‭ ‬المدينة‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‮»‬‭ ‬الفرقاطة‭ ‬الإيطالية‭ ‬‮«‬فيرجينيو‭ ‬فاسان‮»‬،‭ ‬التابعة‭ ‬للمجموعة‭ ‬البحرية‭ ‬الدائمة‭ ‬الثانية‭ ‬لحلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬برنامج‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬بين‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬المغربية‭ ‬والحلف،‭ ‬وشكلت‭ ‬مناسبة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التنسيق‭ ‬العملياتي‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

وشهدت‭ ‬تلك‭ ‬المحطة‭ ‬سلسلةً‭ ‬من‭ ‬الاجتماعات‭ ‬جمعت‭ ‬قائد‭ ‬المجموعة‭ ‬البحرية‭ ‬الدائمة‭ ‬الثانية،‭ ‬الأميرال‭ ‬كريستيان‭ ‬ناردون،‭ ‬بمسؤولي‭ ‬القطاع‭ ‬البحري‭ ‬الشمالي‭ ‬والحامية‭ ‬العسكرية‭ ‬طنجة‭-‬العرائش،‭ ‬حيث‭ ‬تناولت‭ ‬المباحثات‭ ‬سبل‭ ‬تطوير‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬البحرية‭ ‬ذات‭ ‬الاهتمام‭ ‬المشترك،‭ ‬خاصّةً‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأمن‭ ‬البحري،‭ ‬والتنسيق‭ ‬العملياتي،‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬الجاهزية‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحدِّيات‭ ‬المستجدة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬البحري‭ ‬المتوسطي‭.‬

ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬زيارة‭ ‬الفرقاطة‭ ‬الإيطالية‭ ‬على‭ ‬اللقاءات‭ ‬الرسمية،‭ ‬بل‭ ‬تضمَّنت‭ ‬برنامجًا‭ ‬تدريبيًّا‭ ‬مُكثّفًا‭ ‬استفاد‭ ‬منه‭ ‬أطر‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬المغربية‭ ‬وأفرادها،‭ ‬وشمل‭ ‬ورشات‭ ‬متخصّصة‭ ‬في‭ ‬الاقتحام‭ ‬البحري،‭ ‬والتفتيش،‭ ‬والدعم‭ ‬الطبي‭ ‬العملياتي،‭ ‬والتنسيق‭ ‬الجوي‭ ‬البحري،‭ ‬وهي‭ ‬مجالاتٌ‭ ‬أصبحت‭ ‬تحتل‭ ‬مكانةً‭ ‬أساسيةً‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬العسكرية‭ ‬الحديثة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬تنوُّع‭ ‬التهديدات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأمن‭ ‬البحار‭.‬

كما‭ ‬حملت‭ ‬الزيارة‭ ‬بُعدًا‭ ‬ثقافيًّا،‭ ‬حيث‭ ‬شارك‭ ‬أفراد‭ ‬الطاقم‭ ‬الإيطالي‭ ‬في‭ ‬جولات‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬بطنجة‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬معالمها‭ ‬التاريخية،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬برامج‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬الأطقم‭ ‬العسكرية،‭ ‬وهو‭ ‬عنصرٌ‭ ‬أصبح‭ ‬يُشكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬العسكرية‭ ‬الحديثة،‭ ‬التي‭ ‬ترافق‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭.‬

واختتمت‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬بتنفيذ‭ ‬تمرين‭ ‬بحري‭ ‬مشترك‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬المتوسطية‭ ‬للمملكة،‭ ‬شاركت‭ ‬فيه‭ ‬الفرقاطة‭ ‬الإيطالية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الفرقاطة‭ ‬المغربية‭ ‬‮«‬السلطان‭ ‬مولاي‭ ‬إسماعيل‮»‬،‭ ‬بهدف‭ ‬اختبار‭ ‬قابلية‭ ‬التشغيل‭ ‬البيني،‭ ‬وتحسين‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الوحدات‭ ‬البحرية،‭ ‬ورفع‭ ‬جاهزيتها‭ ‬للعمل‭ ‬المشترك‭ ‬ضمن‭ ‬العمليات‭ ‬متعدّدة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬البحرية‭ ‬المُعقّدة‭.‬

*بريطانيا‭ ‬تنظر‭ ‬لجنوب‭ ‬جبل‭ ‬طارق

وبعد‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬عادت‭ ‬طنجة‭ ‬لتحتضن‭ ‬نشاطًا‭ ‬عسكريًّا‭ ‬بحريًّا‭ ‬جديدًا،‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬بشراكة‭ ‬مع‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬البريطانية،‭ ‬التي‭ ‬أوفدت‭ ‬فريقًا‭ ‬متخصصًا‭ ‬في‭ ‬الغوص‭ ‬العسكري‭ ‬وإزالة‭ ‬المتفجّرات‭ ‬البحرية،‭ ‬مكونًا‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬غوَّاصين‭ ‬ومهندس‭ ‬تقني،‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬تدريبات‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬المغربية‭.‬

وانطلقت‭ ‬المناورات‭ ‬بعبور‭ ‬الوحدات‭ ‬البريطانية‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬نحو‭ ‬السواحل‭ ‬المغربية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ترسو‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬القصر‭ ‬الصغير‭ ‬البحرية‭ ‬ثم‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬مارينا‭ ‬طنجة،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬استقبالُها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عناصر‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬المغربية،‭ ‬وتضمن‭ ‬البرنامج‭ ‬تبادل‭ ‬الزيارات‭ ‬بين‭ ‬الأطقم،‭ ‬والاطّلاع‭ ‬على‭ ‬التجهيزات‭ ‬والوسائل‭ ‬التقنية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عروض‭ ‬عن‭ ‬القدرات‭ ‬العملياتية‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الغوص‭ ‬وإزالة‭ ‬المخاطر‭ ‬البحرية‭.‬

كما‭ ‬انتقلت‭ ‬الأنشطة‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬القصر‭ ‬الصغير،‭ ‬حيث‭ ‬قدَّمت‭ ‬البحرية‭ ‬المغربية‭ ‬بدورها‭ ‬عروضًا‭ ‬تقنية‭ ‬وميدانية‭ ‬أبرزت‭ ‬الإمكانيات‭ ‬البشرية‭ ‬والتقنية،‭ ‬التي‭ ‬تتوفر‭ ‬عليها‭ ‬وحدات‭ ‬الغوص‭ ‬التابعة‭ ‬لها،‭ ‬قبل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬العملي‭ ‬من‭ ‬التدريبات‭.‬

وشكل‭ ‬التمرين‭ ‬الميداني‭ ‬أبرز‭ ‬محطات‭ ‬البرنامج،‭ ‬بعدما‭ ‬جرى‭ ‬تشكيل‭ ‬فرق‭ ‬مختلطة‭ ‬من‭ ‬الغواصين‭ ‬المغاربة‭ ‬والبريطانيين‭ ‬لتنفيذ‭ ‬عملية‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬هدف‭ ‬مغمور‭ ‬تحت‭ ‬الماء‭ ‬باستعمال‭ ‬جهاز‭ ‬السونار‭ ‬اليدوي‭ ‬‮«‬أرتيميس‭ ‬برو‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬رصد‭ ‬الأجسام‭ ‬المغمورة‭ ‬بدقة‭ ‬عالية،‭ ‬واعتمد‭ ‬سيناريو‭ ‬التدريب‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬موقع‭ ‬دمية‭ ‬مثقلة‭ ‬بالأوزان‭ ‬وضعتها‭ ‬البحرية‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مجهول،‭ ‬لتباشر‭ ‬الفرق‭ ‬المختلطة‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬والمسح‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬واقعية‭ ‬لعمليات‭ ‬الإنقاذ‭ ‬والبحث‭ ‬البحري‭.‬

وتكتسي‭ ‬هذه‭ ‬المناورات‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة؛‭ ‬لأنها‭ ‬تعكس‭ ‬انتقال‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وبريطانيا‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬تبادل‭ ‬الزيارات‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬العملياتي‭ ‬المشترك،‭ ‬كما‭ ‬أنَّها‭ ‬تعد‭ ‬ثاني‭ ‬نشاط‭ ‬رسمي‭ ‬يجمع‭ ‬الوحدات‭ ‬البحرية‭ ‬البريطانية‭ ‬المتمركزة‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬بالبحرية‭ ‬الملكية‭ ‬المغربية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تنامي‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬المؤسستين‭ ‬العسكريتين‭.‬

وعند‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬الثلاثة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬زمني‭ ‬واحد،‭ ‬تتَّضح‭ ‬صورة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬زيارة‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬فالأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بتزامن‭ ‬عابر،‭ ‬وإنّما‭ ‬بمؤشر‭ ‬على‭ ‬تحوّلات‭ ‬أعمق‭ ‬تشهدها‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬المملكة‭ ‬المغربية‭ ‬‮«‬ومدينة‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‮»‬‭ ‬نقطة‭ ‬ارتكاز‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬التعاون‭ ‬البحري‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العسكرية‭ ‬الكبرى‭.‬

*مـوقع‭ ‬اســتراتيجي‭ ‬فـي‭ ‬زمــن‭ ‬الاضــطـــرابـــــات

ويُعزّز‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬الفريد‭ ‬الذي‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬طنجة،‭ ‬فهي‭ ‬تقع‭ ‬عند‭ ‬ملتقى‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬والبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬وتشرف‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬أضيق‭ ‬نقطة‭ ‬فيه‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬قادرةً‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية،‭ ‬كما‭ ‬تُمثّل‭ ‬المدينة‭ ‬بوابة‭ ‬جنوبية‭ ‬نحو‭ ‬غرب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬وتجاور‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أهم‭ ‬خطوط‭ ‬الملاحة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬أوروبا‭ ‬بإفريقيا‭ ‬والأمريكيتين‭ ‬وآسيا‭.‬

ولا‭ ‬تنبع‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬من‭ ‬الاعتبارات‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬مكانته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أيضًا،‭ ‬فكل‭ ‬اضطراب‭ ‬يصيب‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬أو‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬أو‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬العالمية،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الممرات‭ ‬البديلة‭ ‬أو‭ ‬الأكثر‭ ‬استقرارًا‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬مست‭ ‬حركة‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬منح‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬وزنًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬الأمن‭ ‬البحري،‭ ‬مما‭ ‬يُفسّر‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتزايد‭ ‬بتكثيف‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬محيطه‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مريح‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التحوُّلات،‭ ‬بفضل‭ ‬استراتيجيته‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تنويع‭ ‬الشراكات‭ ‬الدفاعية‭ ‬وعدم‭ ‬حصر‭ ‬تعاونه‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬محورٍ‭ ‬واحدٍ،‭ ‬فخلال‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬فقط،‭ ‬استقبلت‭ ‬طنجة‭ ‬قطعًا‭ ‬بحرية‭ ‬تابعة‭ ‬لدولة‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وأخرى‭ ‬بريطانية،‭ ‬وثالثة‭ ‬تركية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬قدرة‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬دفاعية‭ ‬متوازنة‭ ‬مع‭ ‬شركاء‭ ‬متعددين،‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬التعاون‭ ‬موجهًا‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تكثيف‭ ‬التدريبات‭ ‬البحرية‭ ‬المشتركة‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬التوجّه‭ ‬المغربي‭ ‬نحو‭ ‬تحديث‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اقتناء‭ ‬قطع‭ ‬بحرية‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬قدرات‭ ‬المراقبة‭ ‬والاستطلاع،‭ ‬أو‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬جاهزية‭ ‬الأطر‭ ‬البشرية‭ ‬عبر‭ ‬التدريب‭ ‬المستمرّ‭ ‬مع‭ ‬بحريات‭ ‬تمتلك‭ ‬خبرات‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬العملياتية،‭ ‬من‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬إلى‭ ‬الغوص‭ ‬العسكري‭ ‬وعمليات‭ ‬الاعتراض‭ ‬والإنقاذ‭.‬

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬أيضًا‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تحظى‭ ‬بها‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬البحرية‭ ‬المغربية‭ ‬‮«‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الموانئ‭ ‬أو‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬منظومات‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‮»‬‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬المغرب‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬استضافة‭ ‬مناورات‭ ‬معقدة،‭ ‬وتنظيم‭ ‬تدريبات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬وتأمين‭ ‬مختلف‭ ‬المتطلبات‭ ‬التقنية‭ ‬واللوجستية‭ ‬اللازمة‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأنشطة،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬صورته‭ ‬بوصفه‭ ‬شريكًا‭ ‬موثوقًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭.‬

ومع‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬التي‭ ‬تطبع‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬واحتدام‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية،‭ ‬تبدو‭ ‬طنجة‭ ‬مرشحة‭ ‬لمواصلة‭ ‬لعب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬المتصاعد‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭. ‬فموقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نقله‭ ‬أو‭ ‬استنساخه،‭ ‬بينما‭ ‬يتيح‭ ‬استقرار‭ ‬المغرب‭ ‬السياسي‭ ‬ومتانة‭ ‬مؤسساته‭ ‬العسكرية‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬ملائمة‭ ‬لتوسيع‭ ‬برامج‭ ‬التعاون‭ ‬البحري‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الشركاء‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تتابع‭ ‬الزيارات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيطالية‭ ‬والبريطانية‭ ‬والتركية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬مصادفة‭ ‬زمنية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬مركزًا‭ ‬متقدّمًا‭ ‬للتنسيق‭ ‬البحري،‭ ‬ومنصة‭ ‬متنامية‭ ‬للمناورات‭ ‬والتدريبات‭ ‬واللقاءات‭ ‬العسكرية،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬دولية‭ ‬تعيد‭ ‬فيها‭ ‬الجغرافيا‭ ‬فرض‭ ‬نفسها‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬القوّة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭.‬

*العالم‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬المغرب

وتتأكّد‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬أكثر‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استحضرنا‭ ‬سلسلة‭ ‬التحركات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة،‭ ‬التي‭ ‬عكست‭ ‬بوضوح‭ ‬عودة‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬إلى‭ ‬صدارة‭ ‬الحسابات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للقوى‭ ‬الغربية‭.‬

فمع‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬‮«‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬تهديدات‭ ‬لأمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‮»‬‭ ‬تحوَّل‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬لوجستية‭ ‬وعسكرية‭ ‬رئيسية‭ ‬لعبور‭ ‬القطع‭ ‬البحرية‭ ‬المتجهة‭ ‬نحو‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬استقرار‭ ‬هذا‭ ‬المضيق‭ ‬بات‭ ‬يُشكّل‭ ‬أحد‭ ‬عناصر‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الانتشار‭ ‬البحري‭ ‬الغربي‭ ‬بين‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬والبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬ثم‭ ‬نحو‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬استقبل‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬ماي‭ ‬السفينة‭ ‬البريطانية‭ ‬HMS Stirling Castle‭ ‬التابعة‭ ‬للبحرية‭ ‬الملكية،‭ ‬بعدما‭ ‬غادرت‭ ‬قاعدة‭ ‬بورتسموث‭ ‬محملة‭ ‬بمنظومات‭ ‬متطورة‭ ‬مخصصة‭ ‬للحرب‭ ‬ضد‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬قبل‭ ‬نقلها‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭.‬

وشملت‭ ‬هذه‭ ‬التجهيزات‭ ‬المركبة‭ ‬البحرية‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭ ‬‮«‬أريادن‮»‬،‭ ‬المطورة‭ ‬ضمن‭ ‬نظام‭ ‬MMCM،‭ ‬والمزودة‭ ‬بأنظمة‭ ‬متقدمة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الألغام‭ ‬وروبوتات‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬المتفجرات‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬كما‭ ‬تزامنت‭ ‬المهمة‭ ‬مع‭ ‬استعداد‭ ‬لندن‭ ‬لإرسال‭ ‬زوارق‭ ‬استطلاع‭ ‬ومراقبة‭ ‬إلى‭ ‬الخليج،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تعزيز‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬ومراقبة‭ ‬التحركات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬المخاوف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬معزولًا،‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬نفسه‭ ‬حدثا‭ ‬عسكريًّا‭ ‬لافتًا‭ ‬تمثَّل‭ ‬في‭ ‬الرسو‭ ‬العلني‭ ‬للغواصة‭ ‬النووية‭ ‬الأمريكية‭ ‬USS Alabama،‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬غواصات‭ ‬الردع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬التابعة‭ ‬للبحرية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وقد‭ ‬أثار‭ ‬ظهورها‭ ‬اهتمامًا‭ ‬واسعًا؛‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الغواصات‭ ‬يتحرك‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬سرية‭ ‬تامة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬وجودها‭ ‬العلني‭ ‬رسالة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتصعيد‭ ‬القائم‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وإشارة‭ ‬إلى‭ ‬جاهزية‭ ‬واشنطن‭ ‬لتعزيز‭ ‬انتشارها‭ ‬البحري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ويبرز‭ ‬هذان‭ ‬الحدثان‭ ‬أنَّ‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬نقطة‭ ‬عبور‭ ‬بحرية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬منصة‭ ‬متقدمة‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع‭ ‬العسكري‭ ‬الغربي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للقوات‭ ‬المتجهة‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فالموقع‭ ‬‮«‬الذي‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬بوابة‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‮»‬‭ ‬يُوفّر‭ ‬إمكانات‭ ‬لوجستية‭ ‬وعملية‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬محطة‭ ‬طبيعية‭ ‬لإعادة‭ ‬التزود،‭ ‬ونقل‭ ‬الأنظمة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتأمين‭ ‬حركة‭ ‬القطع‭ ‬البحرية‭ ‬قبل‭ ‬مواصلة‭ ‬انتشارها‭ ‬نحو‭ ‬مناطق‭ ‬التوتر،‭ ‬مما‭ ‬يُفسّر‭ ‬تنامي‭ ‬النشاط‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬تبدو‭ ‬الزيارات‭ ‬المتتالية‭ ‬التي‭ ‬احتضنتها‭ ‬طنجة،‭ ‬سواء‭ ‬للفرقاطة‭ ‬التركية‭ ‬أو‭ ‬للقطعة‭ ‬الإيطالية‭ ‬التابعة‭ ‬لحلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬أو‭ ‬للوحدات‭ ‬البريطانية‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬المناورات‭ ‬المشتركة،‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬استراتيجي‭ ‬أوسع‭ ‬يتجاوز‭ ‬إطار‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭.‬

فالتطورات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الدولية‭ ‬أعادت‭ ‬الاعتبار‭ ‬للموقع‭ ‬الجغرافي،‭ ‬الذي‭ ‬يحتله‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬فضاءً‭ ‬متقدمًا‭ ‬للتنسيق‭ ‬البحري‭ ‬والتدريب‭ ‬العسكري‭ ‬واستقبال‭ ‬القطع‭ ‬البحرية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬أهمية‭ ‬تأمين‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية‭ ‬وربطها‭ ‬بشبكة‭ ‬من‭ ‬الشركاء‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭.‬

تابعنا على الفيسبوك