آخر الأخبار
طنجة ترتدي حلتها القارية استعدادًا لاحتضان كأس أمم إفريقيا 2025.. أوراش متسارعة تعيد للمدينة بريقها وتراهن على إنجاح العرس الكروي الإفريقي
تعيش مدينة طنجة، عروس الشمال وبوابة المغرب على القارتين الإفريقية والأوروبية، على إيقاع استعدادات مكثفة تحضيرًا لاحتضان منافسات كأس أمم إفريقيا 2025، في مشهد يعكس حركيّة غير مسبوقة أعادت للمدينة وهجها وجمالها، ووضعتها في قلب الاهتمام الوطني والقاري، فبعد أسابيع من الانتقادات اللاذعة التي وُجّهت للمسؤولين المحليين؛ بسبب ما اعتُبر تأخرًا في إطلاق الاستعدادات النهائية، تبدو طنجة اليوم وقد استعادت توازنها، مقدمة صورة حضرية أكثر إشراقًا وتنظيمًا وجاذبية.
*طنجة.. سباق مع الزمن لتدارك التأخر
لم تكن بداية التحضيرات خالية من الجدل، إذ عبَّرت فعاليات مدنية ومتابعون للشأن المحلي عن استيائهم من بطء وتيرة الأشغال خلال المرحلة الأولى، خاصّةً مع اقتراب موعد أكبر تظاهرة قارية على المستوى الإفريقي، وهي التظاهرة التي تجذب أنظار العالم، غير أنَّ الأسابيع الأخيرة حملت تحولًا واضحًا في المشهد العام، اذ دخلت المدينة مرحلة سباق مع الزمن لتدارك التأخر وضمان الجاهزية.
ففي مختلف شوارع المدينة ومحاورها الكبرى، انطلقت أوراش تهيئة الطرق، إعادة تزفيت الشوارع، تحسين الإنارة العمومية، تجديد الأرصفة، وتأهيل المدارات والفضاءات الخضراء، ضِمن رؤية شاملة تهدف إلى تحسين صورة المدينة وتعزيز جاذبيتها.
وأكَّد مصدر مسؤول بالجماعة الترابية للجريدة، أن «الاستعدادات تسير وفق برنامج مضبوط، وبتنسيق مع مختلف المتدخلين»، مشددًا على أن «طنجة ستكون في مستوى تطلعات المغاربة وضيوف المملكة خلال كأس أمم إفريقيا».
*عروس الشمال واجهة حضرية متجددة
التحوُّلات التي عرفتها واجهة المدينة لم تقتصر على محيط المنشآت الرياضية، بل شملت عددًا من الأحياء والمناطق الحيوية، من بينها وسط المدينة، ساحة الأمم، كورنيش مالاباطا، مرقالة، والمناطق المؤدية إلى ملعب ابن البطوطة الكبير، وقد أسهمت هذه الأشغال في تحسين الانسيابية المروريّة، وإبراز جمالية الفضاء العام، بما يعكس هوية طنجة بوصفها مدينة سياحية من الطراز الأول.
ويرى متتبعون ومهتمون بالمجال الرياضي، أن هذه الدينامية العمرانية أعادت الاعتبار لعددٍ من الفضاءات التي عانت لسنوات من الإهمال، مُؤكِّدين أنَّ الحدث القاري شكَّل حافزًا قويًّا لتسريع إخراج مشاريع كانت مبرمجة منذ مدة، وهي المشاريع التي أنجزت تحث إشراف والي الجهة، وأعادت البريق والتوهج للمدينة.
*ملعب ابن بطوطة الكبير لطنجة في قلب الاستعدادات
ويظل ملعب ابن بطوطة الكبير لطنجة أحد أبرز المحاور الأساسية في هذه الاستعدادات، باعتباره من بين الملاعب التي ستحتضن مباريات كأس أمم إفريقيا 2025، حيث خضع الملعب لسلسلة من الأشغال التقنية واللوجستية، همّت تحسين أرضية الميدان، تحديث المدرجات، تأهيل غرف الملابس، تطوير المرافق الإعلامية، وتعزيز أنظمة الإضاءة والمراقبة.
وفي تصريح لأحد المشرفين على الأشغال، أكَّد أن «جميع التدخلات تتم وفق دفتر تحملات صارم يحترم المعايير المعتمدة من طرف الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم»، مضيفًا أنَّ «الهدف هو توفير فضاء رياضي يضمن راحة اللاعبين والجماهير ووسائل الإعلام على حد سواء».
*طنجة أمام رهان سياحي واقتصادي
ولا تنفصل الاستعدادات الرياضية عن البُعد السياحي والاقتصادي، إذ تعوّل طنجة بصورة كبيرة على كأس أمم إفريقيا كرافعة للترويج لصورتها على الصعيد القاري والدولي، فقد شهدت المدينة حملاتٍ لتنظيف الشواطئ، إعادة تأهيل بعض المعالم التاريخية، وتحسين الخدمات في المناطق السياحية.
وفي هذا السياق، صرَّح فاعل في القطاع السياحي بأنَّ «كأس إفريقيا يشكل فرصة استثنائية لعرض مؤهلات طنجة الطبيعية والثقافية»، مشيرًا إلى أنَّ «المدينة تتوفر على بنية فندقية مهمة، ومؤهلات سياحية قادرة على استيعاب الأعداد المتوقعة من الزوار».
وأضاف المتحدث أنَّ المؤسَّسات السياحية انخرطت بدورها في الاستعداد للحدث، من خلال تحسين جودة الخِدْمات وتكوين الموارد البشرية، بما يضمن تجربة إيجابية للزوار الأفارقة.
*المواطن بين الفخر والانتظارات
في الشارع الطنجي، تتقاطع آراء المواطنين بين الإشادة بما تحقّق من مُنجزات، والتطلّع إلى أن تستمرَّ هذه الدينامية لما بعد البطولة. فقد عبَّر عددٌ من السكان عن ارتياحهم للتحسُّن الملحوظ في البنية التحتية وجمالية المدينة.
يقول أحد المواطنين: «اليوم نرى تغييرات حقيقيّة في الشوارع والإنارة والنظافة، وهذا أمر كنا ننتظره منذ مدة»، مضيفًا أن «طنجة تستحق أن تكون في هذه الصورة دائمًا، وليس فقط خلال المناسبات الكبرى».
في المقابل، شدد آخرون على ضرورة ألَّا تظل هذه الإصلاحات ظرفيةً، داعين إلى اعتماد رؤية مستدامة تضمن استمرارية العناية بالمدينة.
*طنجة تتعرض لانتقادات بناءة وتحقق حصيلة إيجابية
ورغم التحسُّن المُسجّل، لا تزال بعض الأصوات تنتقد ما تعتبره «تركيزًا مفرطًا على الواجهة»، مطالبة بالاهتمام بالأحياء الهامشية وتحسين الخِدْمات الاجتماعية، غير أنَّ فاعلين محليين يرون أن ما تحقق يشكل خطوة مهمة في الاتِّجاه الصحيح.
بالمقابل يؤكد عددٌ من شباب المدينة في تصريحات متفرقة لجريدة «لاديبيش»، لا بُدَّ من توجيه الاهتمام أكثر للأحياء الشعبية، خصوصًا أنَّ المدينة مقبلة على احتضان منافسات قارية كبيرة أبرزها كأس العالم 2030، وهو ما يفرض خلق التوازن في الإصلاحات التي تشهدها المدينة، فمثلا عددٌ مهمٌّ من الأحياء بمنطقة مسنانة التي من المفترض أن تكون وجهة قريبة للجماهير تعرف تهميشًا كبيرًا بل تفتقد لعددٍ من البنيات التحتية الضرورية.
*مــا بعــد كـــأس إفــــريقــــــيـــا… التـــحـــدي الأكــــبـــر
يتفق العديد من الخبراء على أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على إنجاح تنظيم كأس أمم إفريقيا، بل يتجاوز ذلك إلى كيفية استثمار هذا الحدث في تحقيق تنمية حضرية مستدامة. فالبنيات التحتية التي تنجز اليوم، إذا ما تم تدبيرها بشكل عقلاني، يمكن أن تشكل أساسًا لتحسين جودة العيش وتعزيز جاذبية المدينة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ جامعي متخصص في التخطيط الحضري أن «الأحداث الكبرى تفرض إعادة التفكير في المدينة ووظائفها»، معتبرًا أن «طنجة أمام فرصة تاريخية لترسيخ نموذج تنموي متوازن يستفيد من الزخم الذي تخلقه التظاهرات الدولية».
فطنجة بإمكانها أن تلعب أدوارًا طلائعية على المستوى السياحي والاقتصادي والترفيهي أكبر وأكثر من الآن، شريطة توفير جل الإمكانيات الممكنة وتدبيرها وترشيدها بشكل معقلن، يجعل من طنجة رمزًا ترويجيًّا للمملكة على جل المستويات.
*طنجة في الموعد القاري
مع اقتراب موعد انطلاق كأس أمم إفريقيا 2025، تبدو طنجة عازمة على رفع التحدي، وتأكيد مكانتها كمدينة قادرة على احتضان التظاهرات الكبرى، فبين أوراش التهيئة، والاستعدادات الرياضية، والحركية السياحية، ترسم مدينة البوغاز ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الانفتاح، التنظيم، والطموح.
وإذا كان الحدث الكروي عابرًا في الزمن، فإن آثاره يمكن أن تكون دائمة، شرط أن تُحسن طنجة استثمارَ هذه اللحظة التاريخية، وتحوّلها إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل حضري أكثر إشراقًا.
إنَّ طنجة اليوم تحتاج إلى انخراط جل الفاعلين لتحويلها إلى لوحة تنموية كبيرة تبرز من خلالها المؤهلات السياحية والاقتصادية التي تزخر بها، خصوصًا أنها تُعدُّ ثاني قطب اقتصادي بالمغرب وثاني أكبر مدينة في المغرب على المستوى الجغرافي، كما أنها من أبرز أهم أربع مدن في مجال السياحي بالمغرب، كما تحتاج مدينة طنجة أيضًا إلى رفع من توعية المواطنين والشباب للحفاظ على المؤهلات التي تزخر بها مدينة طنجة.


