سياسة
خارج موسم الانتخابات.. هل يسمع المواطن صوته في الفضاء الرقمي للأحزاب؟
من طنجة إلى تطوان.. بين أخبار الاجتماعات الحزبية وانتظارات السكان بشأن النقل والتعمير والتشغيل والخدمات العمومية
في الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطنين، لم تعد صفحات الأحزاب السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد واجهاتٍ للتعريف بالقيادات أو نشر صور اللقاءات التنظيمية، بل تحوَّلت إلى مجال مفتوح لقياس طبيعة العلاقة بين التنظيمات السياسية والمجتمع، ومدى قدرة الخطاب الحزبي على مواكبة انشغالات السكان خارج المواعيد الانتخابية. لكنَّ السؤال الذي يفرض نفسه، ونحن نتصفح هذا الفضاء من طنجة إلى تطوان، مرورًا بباقي مدن الجهة، هو: ماذا يصل فعليًّا إلى المواطن من هذا الخطاب؟ وهل يجد في المنشورات الرقمية ما يلامس تفاصيل حياته اليومية وانتظاراته من المؤسسات والمنتخبين؟
السؤال ليس تقنيًّا مرتبطًا بعددٍ المنشورات أو نسب التفاعل وحدها، بل يتعلق بجوهر التواصل السياسي ووظيفته، فبين صورة اجتماع حزبي، وإعلان عن لقاء تنظيمي، ومنشور يتناول مشكلات النقل أو التعمير أو التشغيل، تتحدّد طبيعة الرسالة التي تختار الأحزاب توجيهها إلى المواطنين، كما تتَّضح المسافة الممكنة بين أجندة التنظيمات السياسية وأولويات السكان.
*دراســـة وطــــنية تفــــــتح بـــــاب المـســــاءلة المـــحــلـيـــة
أعادت دراسة حديثة أصدرتها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري «الهاكا»، طرح إشكالية نجاعة الخطاب السياسي على المنصات الرقمية، من خلال رصد حضور الأحزاب السياسية على عدد من مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026، وقد أُعلنت نتائج الدراسة يوم 5 أكتوبر الجاري، في إطار مقاربة تسعى إلى فهم دينامية التواصل الحزبي في ظروف العمل الاعتيادي، بعيدًا عن ضغط الحملات الانتخابية وما يصاحبها من ارتفاع في وتيرة التواصل والتعبئة.
وبحسب المعطيات الواردة في المقال المنشور بشأن الدراسة، شمل الرصد 2651 منشورًا على الصفحات الرسمية بموقع «فيسبوك» لـ12 حزبًا ممثلًا في البرلمان، إلى جانب 925 مقطعَ فيديو على منصة «تيك توك» لستة أحزاب، و507 فيديوهات على «يوتيوب» لخمسة أحزاب، فضلًا عن 1012 منشورًا على منصة «إكس»، المعروفة سابقًا باسم «تويتر»، لأربعة أحزاب سياسية.
وتتيح هذه الأرقام تكوين صورة أولية عن حجم الحضور الرقمي للأحزاب، وعن تنوع المنصات التي تعتمدها في نشر رسائلها. لكنَّها “في المقابل” لا تكفي وحدها للحكم على مدى قرب الخطاب السياسي من المواطن؛ لأن كثافة النشر لا تعني بالضرورة جودة المضمون، كما أنَّ الانتشار الواسع لا يثبت تلقائيًّا أن الرسائل المنشورة تستجيب لانتظارات السكان.
فالمسألة تتجاوز سؤال: كم نشرت الأحزاب؟ لتصل إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية: ماذا نشرت؟ ولمن توجهت رسائلها؟ وما القضايا التي منحتها الأولوية؟ ثم هل استمرَّ هذا التواصل بالوتيرة نفسها عندما لا تكون هناك انتخابات تلوح في الأفق؟
*طنجة وتطوان.. اختبار القرب من المواطن
في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة بالنظر إلى تنوع المجالات الحضرية والقروية وتعدد التحديات التنموية بين مدن الجهة. فطنجة «بما تعرفه من توسع عمراني وحركية اقتصادية وضغط متزايد على التنقل والخدمات» ليست بالضرورة أمام الأولويات نفسها التي تشغل سكان تطوان أو العرائش أو الحسيمة، وإن كانت بعض القضايا، مثل: التشغيل، وجودة الخدمات العمومية والتعمير، مشتركة بينها بدرجات متفاوتة.
ومن هنا، فإن قراءة التواصل الحزبي الرقمي على المستوى الجهوي لا يمكن أن تكتفي بتجميع المنشورات الصادرة عن القيادات الوطنية، بل تحتاج إلى الاقتراب من صفحات الفروع المحلية، ومقارنة طبيعة الموضوعات التي تنشرها ومدى انتظامها في تناول الملفات المرتبطة بمدنها وأحيائها.
فحين يبحث المواطن عن موقف حزبي من وضعية النقل أو تدبير المجال الحضري، أو يتطلع إلى معرفة ما تقوم به التنظيمات السياسية بشأن فرص الشغل أو الخِدْمات العمومية، فإنَّه ينتظر خطابًا يتجاوز الإعلان عن الأنشطة الداخلية، ويُقدّم معلوماتٍ ومواقفَ واضحةً بشأن القضايا التي يعيشها يوميًّا.
ولا يعني ذلك أنَّ الأنشطة التنظيمية لا قيمة لها، فهي جزء من الحياة الحزبية ومن آليات تجديد الهياكل وتوسيع العضوية. غير أن حضورها المكثف «إذا لم يصاحبه نقاش منتظم بشأن الملفات المحلية» قد يجعل الصفحة الحزبية أقرب إلى سجل للأنشطة الداخلية منها إلى نافذة للتواصل مع المجتمع.
*تطوان… اختلاف في طبيعة المضامين
تُقدّم نماذج من التواصل الحزبي بمدينة تطوان صورة عن هذا التباين في طبيعة الرسائل المنشورة. فمن جهة، تبرز مضامين تركز على الشأن التنظيمي الداخلي، من خلال لقاءات تتعلّق بتنمية العضوية وتعزيز التواصل الرقمي، وهي أنشطة تعكس اهتمام التنظيمات بتطوير بنيتها ووسائل اشتغالها.
ومن جهة أخرى، تظهر مضامين تتناول ملفات ذات أثر مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من بينها قضايا المناطق الاقتصادية والحرفية وشروط استفادة المهنيين منها. وهنا ينتقل الخطاب من دائرة التنظيم الحزبي إلى مجال يرتبط بالمصالح العملية لفئات من السكان وبقدرتهم على الاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة محليًّا.
ويكشف هذا التباين عن اختلاف في وظيفة المنشور السياسي نفسه. فالخبر التنظيمي يخاطب «في المقام الأول» أعضاء الحزب والمتابعين لنشاطه الداخلي، بينما يمكن للمنشور الذي يناقش ملفًا اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا أن يفتح المجال أمام تواصل أوسع مع المهنيين والمواطنين والفاعلين المحليين.
لكن وجود نماذج من النوعين لا يكفي «بمفرده» لتحديد الاتجاه الغالب في الخطاب الحزبي بتطوان، كما لا يسمح بتعميم الاستنتاج على جميع الأحزاب أو الفروع المحلية. فذلك يقتضي رصدًا منتظمًا للصفحات الرسمية، وتصنيفًا دقيقًا للمنشورات، وتحليلًا لموضوعاتها، مع التمييز بين مجرد الإعلان عن قضية محلية ومناقشتها فعليًّا، وتقديم مواقف أو مقترحات بشأنها.
*من خبر الاجتماع إلى نقاش الملفات اليومية..
في العمل الصحفي الميداني، لا تقاس أهمية التواصل السياسي فقط بما تنشره الصفحات الرسمية، بل كذلك بما إذا كانت هذه المنشورات تفتح نقاشًا بشأن قضايا ملموسة. فالإشارة إلى اجتماع حزبي لا تحمل الدلالة نفسها التي يحملها عرض موقف من مشكل محلي، أو توضيح مقترح لمعالجة اختلال في خدمة عمومية، أو متابعة ملف سبق أن أثار اهتمام السكان.
وفي مدن الجهة، تتيح ملفات النقل والتعمير والتشغيل والخدمات العمومية مجالًا واسعًا لاختبار مدى حضور الشأن المحلي في الخطاب الرقمي. ويمكن، مثلًا، رصد عدد المنشورات التي تتناول هذه القطاعات، وطبيعة المعلومات المقدمة بشأنها، وما إذا كانت تكتفي بالتعبير العام عن الانشغال أم تقدم تفاصيل تسمح للمواطن بفهم المشكل والجهات المعنية به والمقترحات المطروحة لمعالجته.
ويكتسي هذا التمييز أهمية إضافية عندما يتعلّق الأمر بالقضايا التي تتطلّب تتبعًا زمنيًّا؛ لأن التواصل بشأنها لا ينبغي أن يرتبط فقط بظهور مشكل إلى الواجهة أو تنظيم لقاء حوله، بل يفترض أن يواكب تطوراته ويعود إليه عند ظهور مستجدات.
فالاستمرارية عنصر أساسي في قياس جدية التواصل السياسي. وقد يكون منشورٌ واحدٌ كافيًّا للإعلان عن موقف أو نشاط، لكنه لا يعوض متابعة ملف تنموي تتداخل فيه مسؤوليات المؤسسات والمنتخبين والإدارات والفاعلين الاقتصاديين.
ومن هذا المنطلق، فإن تحليل الخطاب الحزبي المحلي يحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مستويات: الإعلان عن النشاط، والتعبير عن موقف سياسي، ثم تتبع القضية وتقديم معطيات أو مقترحات بشأنها. ويساعد هذا التصنيف على فهم ما إذا كانت الصفحات الرسمية تكتفي بنقل الوقائع أم تسهم في تفسيرها ومناقشتها وربطها بانشغالات السكان.
*الأرقام لا تكفي.. مضمون الرسالة هو الأساس
تسمح المؤشرات الكمية الواردة في الدراسة الوطنية بفهم جانبٍ من الحضور الرقمي للأحزاب؛ لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال المضمون. فعدد المنشورات والفيديوهات يقيس حجم النشاط، في حين يحتاج تقييم طبيعة الخطاب إلى قراءة المحتوى نفسه، وتحديد الموضوعات التي تتكرر، والفئات التي يخاطبها، ومدى ارتباطه بالسياق المحلي.
كما أنَّ مقارنة المنصات تقتضي مراعاة اختلاف طبيعة كل واحدة منها. فالفيديو القصير على «تيك توك» ليس مماثلًا بالضرورة لمنشور على «فيسبوك»؛ كما أن مقطعًا مطولًا على «يوتيوب» قد يتيح مساحة أوسع لشرح قضية أو عرض موقف. لذلك، لا يكفي جمع الأرقام أو ترتيب المنصات بحسب حجم النشر، بل ينبغي النظر إلى طبيعة الرسالة وكيفية تقديمها وإمكانات التفاعل معها.
ويظل التفاعل الرقمي بدوره مؤشرًا يحتاج إلى قراءة حذرة؛ فالإعجابات والتعليقات والمشاركات قد تكشف عن مستوى من الاهتمام، لكنها لا تعني تلقائيًّا اقتناع الجمهور بالمضمون أو استفادته منه. كما أنَّ ضعف التفاعل الظاهر لا يثبت بالضرورة غياب الاهتمام، ما لم توضع هذه الأرقام في سياقها وتُقارن بمؤشرات أخرى.
لهذا، فإنَّ البحث المحلي المطلوب لا ينبغي أن يتحوّل إلى سباق في ترتيب الأحزاب بحسب عدد المنشورات، بل إلى محاولة لفهم طبيعة التواصل الذي تنتجه، ومدى اقترابه من الحياة اليومية للسكان، وقدرته على تقديم معلومات مفيدة وفتح نقاش عمومي بشأن القضايا المشتركة.
*نحو خريطة جهوية للخطاب السياسي الرقمي
إن توسيع البحث ليشمل فروع الأحزاب في طنجة وتطوان والعرائش والحسيمة وغيرها من مدن الجهة يمكن أن يتيح إعداد خريطة للمضامين الرقمية، تكشف عن القضايا التي تحظى بالأولوية، وتلك التي لا تجد حضورًا منتظمًا في المنشورات الرسمية. كما يمكن لهذه المقارنة أن تُوضّح الفوارق بين الخطاب الوطني والخطاب المحلي، وبين ما تعلنه القيادات وما تختاره الفروع الجهوية والمحلية من موضوعات.
وتبدأ هذه المقاربة بتحديد الصفحات الرسمية التي يشملها الرصد، ثم تصنيف المنشورات وفق موضوعاتها، مثل: الأنشطة التنظيمية، والمواقف السياسية الوطنية، وقضايا التنمية المحلية، والخِدْمات العمومية، والتشغيل، والنقل، والتعمير، والقطاعات الاقتصادية والحرفية. وبعد ذلك، يمكن مقارنة حجم كل فئة بمجموع المنشورات، وتتبع تطورها خلال فترة زمنية محددة.
ولا يقل عن ذلك أهمية التحقُّق من انتظام التواصل. فهل تنشر الفروع المحلية مضامين مرتبطة بقضايا مدنها طوال السنة، أم يزداد حضورها عند تنظيم الاجتماعات أو بروز مناسبات سياسية معينة؟ وهل تعود إلى الملفات التي سبق أن أثارتها، أم تظل المنشورات متفرقة من دون متابعة واضحة؟ ومن شأن هذا النوع من الرصد أن يُوفّر معطيات أكثر دقّةً حول وظيفة الصفحات الحزبية: هل تقتصر على التعريف بالتنظيم ونقل أنشطته، أم تشكل أيضًا فضاءً لتقديم المواقف وتفسير القضايا المحلية وإبقاء النقاش العمومي مفتوحًا؟
ومع ذلك، فإنَّ أي تقييم منصف ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة، ويراعي اختلاف حجم الأحزاب ومواردها الرقمية وطبيعة حضورها المحلي، وألا يستنتج مواقفها من منشور منفرد أو من غياب موضوع معين خلال فترة قصيرة. فالمقارنة الجادة تقوم على عينة موثقة ومنهجية معلنة، لا على الانطباعات وحدها.
*تواصل لا يتوقف عند حدود الموسم الانتخابي
تكتسب الدراسة التي أعلنتها «لهاكا» أهميتها من كونها اختارت فترة بعيدة عن الحملات الانتخابية، بما يتيح النظر إلى التواصل الحزبي في ظروف أقرب إلى الممارسة اليومية. فخارج الاستحقاقات، تتراجع عادةً الحاجة إلى التعبئة المرتبطة بموعد انتخابي محدد، ويصبح انتظام الخطاب وطبيعة القضايا المطروحة معيارين مهمين لفهم علاقة الأحزاب بالمجتمع.
وفي هذا السياق، لا يتعلق الرهان فقط بأن تحافظ الأحزاب على حضورها الرقمي، بل بأن تمنح هذا الحضور مضمونًا محليًّا واضحًا، يتفاعل مع اختلاف انتظارات السكان بين مدينة وأخرى، ويتيح متابعة القضايا التي تمس حياتهم اليومية.
وبالنسبة إلى طنجة وتطوان وبقية مدن الجهة، فإنَّ الطريق إلى تقييم هذا الحضور يمرُّ عبر دراسات محلية أعمق، تجمع بين قياس النشاط الرقمي وتحليل المضمون، وتضع المنشورات في سياقها الزمني والمجالي، مع تجنب الخلط بين كثافة النشر ونجاعة التواصل.
في النهاية، لا يكمن السؤال فيما إذا كانت الأحزاب حاضرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فالأرقام تشير إلى نشاط رقمي موثق على المستوى الوطني، وإنما في طبيعة هذا الحضور وما يتيحه للمواطن من معلومات ومواقف ونقاشات. وبين خبر الاجتماع ومتابعة الملف التنموي، تتحدد المسافة التي ينبغي أن تقيسها الأبحاث المقبلة: المسافة بين خطاب سياسي ينشر باستمرار، وخطاب يستطيع أن يلامس انشغالات السكان ويواكبها حتى خارج موسم الانتخابات.


