رياضة
بورتريه.. عين على أبناء طنجة: نزار بليل.. من عدّاء لألعاب القوى إلى بطل عالمي في القوة البدنية والدفع على الصدر
آمن بإمكانيته ففرض نفسه عالميًا.. قصة بطل بدأ من الصفر فوصل إلى العالمية
لا يختلف اثنان، على أنَّ مدينة طنجة أنجبت على طول امتداد العقود، بل القرون، الَّتِي مضت أجيالًا من المُثقّفين والنخب السياسيَّة ومن الأكاديميّين والخبراء، كما أنجبت عددًا من الرياضيّين وغيرهم من الباحثين والمختصين في مجالات مختلفة ومتعددة، لكن من الصعب أو النادر أن تجد شخصًا سطع نجمُه في المجال الرياضي، حتّى أصبح نجمًا عالميًّا بشكل عصامي.
فالأكيد أنَّ طنجة على مرّ العقود والسنوات، أنجبت عددًا من الرياضيّين، في رياضات مختلفة، لكنَّها أنجبت نجمًا ظلَّ يبحثُ عن نفسِه بنفسِه، وظلّ يُصارع من أجل بزوغ نجمِه، ما جعله يُمارس رياضاتٍ مُختلفةً في بداياته الأولى، إلى أن استطاع أن يجعل علم وطنِه يُرفرف عاليًا في المحافل الإقليميَّة والدوليَّة طبعًا.
اليوم وفي إطار سياسة جريدة «لاديبيش»، التي تحاول رصدّ كل الشخصيات الشماليّة والطنجاويّة الناجحة بامتيازٍ وتقديرٍ في مجالها، ارتأت أن تتوقّف في الحلقة الثانية من بوتريه.. عين على أبناء طنجة.
عند رجل كلّما تقدّم في السن إلا وازداد حكمةً ونضجًا وعطاءً في مجاله الرياضيّ، إذ راكم نجاحاتٍ وطنيّة وإقليميّة ودوليّة.

- ينحدر من طنجة العالية.. 45 سنة من الكفاح والعطاء
إنّه الرياضي العالمي «نزار بليل»، من مواليد 1978 بمدينة طنجة العالية، نزار جسَّد مفهوم اسمه، فهو قليل الكلام، كثير العمل، لا يكلّ حتّى يرى عمله مُجسّدًا في أرض الواقع، فهو الشخص الذي يبحث عن الأضواء، بل جعل الأضواء تبحث عنه، بسبب النتائج الَّتِي حقّقها.
نزار الذي أطفأ شمعته الخامسة والأربعين، شهر ماي الماضي، أبّ لطفلين، إذ يُحاول أن يغرس ويزرع فيهما قيم حبّ الوطن والأخلاق الحميدة وقيم التسامح والمواطنة الكريمة، فكلّ ما تربّى عليه نزار بليل، يحاول أن يُلقّنه لأطفاله، كيف لا وهو المُحبّ للحياة الذي لا تفارقه الابتسامة الدائمة.
فربَّما الوسط الأسري الذي نشأ فيه، والمدينة التي انحدر منها، خصوصًا أنَّها ملتقى الثقافات ومهد الحضارات وتلاقح القيم الإنسانيّة أسهمت في تكوين شخصية قويّة للرجل، شخصية تقوّت بسبب انخراط عبد الجبار في العمل الجمعويّ واهتمامه بالقضايا الوطنيّة، الأمر الذي ساهم في تفوقه الدراسيّ أيضًا، الذي تمَّ بمدينة طنجة خلال مرحلة الابتدائيّ والإعداديّ، وأيضًا مرحلة الثانوي، فكيف لا وهو عايش نضالات الشعب المغربي في أوجه، خصوصًا العقد الذي امتدّ من أواخر السبعينيّات إلى حدود أواخر الثمانينيّات وبداية التسعينيّات.
- بليل.. مسار علمي وشغف رياضي
حاول نزار بليل أن يجمع بين التحصيل العلمي وعشقه للرياضة، إذ حاز سنة 1997، شهادة الباكالوريا من مدينة طنجة العالية مسقط رأسه، ثُمّ انتقل إلى إسبانيا، إذ تابع دراسته الجامعيّة بمدينة مالقة الإسبانية، إلا أنَّ شغفه الرياضي لم يسمح له استكمال ومواصلة الدراسة والتحصيل العلمي الأكاديميّ، لكن حاول دائمًا الاستمرار في الحصول على المعرفة، إذ تمكّن من تعلّم عددٍ من اللغات الَّتِي تسهل عليه التواصل مع الآخرين، أبرزها: الفرنسيّة والإسبانية والإنجليزية، إلى جانب لغته الأمّ العربيّة.
- نزار ومشواره الرياضي المتميّز والشاق
بدأ نزار بليل مشواره الرياضيّ، بممارسة رياضة ألعاب القوى، تحديدًا في مسافة 100م مع نادي البحرين في مدينة البوغاز، قبل أن يتحوّل إلى ممارسة رياضة الكيك بوكسينغ التي عشقها حتّى النخاع، وكان يُمنّي النفس ليصبح بطلًا كبيرًا في هذا النوع الرياضي، إذ ظلَّ وفيًا لها إلى غاية بداية سنة 2013، حيث احتضنت مدينة طنجة تظاهرةً رياضيّةً جهويّةً (منطقة الشمال) في القوة البدنيّة، وشارك فيها بإيعاز من الأستاذ المشرف على تدريبه في رياضة الكيك بوكسينغ، على سبيل الترفيه.
في هذا الصدد يقول نزار بيلي: «نصحني مُدرّبي وشجّعني على المشاركة في هذه البطولة بحكم القوة الجسمانيّة الَّتِي كنت أتمتّع بها، وفعلًا رفعت هذا التحدي، الذي دخلته على سبيل الترفيه والتجربة، ونجحت فيه بنيلي المرتبة الأولى».
يضيف هذا التتويج، وإن كان مجرد تجربة، بداية اهتمامه بهذا النوع الرياضي، وبدأ يبحث في تاريخه وقوانينه والهيئات القارية والدولية التي تنظمه، وكان مهتمًا أكثر بالمشاركة على الصعيد الوطني، إن كانت هناك بطولة، وفعلًا وجد أن مدينة آسفي ستحتضن البطولة الوطنية الأولى للقوة البدنية، بمبادرة وتحت إشراف الاتّحاد المغربي للعبة.
بليل اعتبر أنَّ مشاركته في هذه البطولة وإحرازه ميداليةً ذهبيّةً مع تحطيمه الرقم القياسي في صنف الدفع على الصدر أو «الضغط النائم»، كانت الانطلاقة الحقيقية لمشواره الرياضي المتميّز والحافل في صنف القوة البدنية، إذ حجز تأشيرة التأهل مباشرة إلى بطولة إفريقيا.
- من بطل للمغرب إلى بطل إفريقي
في أواخر سنة 2013، حقَّق نزار بليل جزءًا من حلمه، إذ شارك لأوّل مرّة في بطولة إفريقيّة، فاستغل تنظيمها بالمغرب، وانتزع فيها الرتبة الأولى في الصنف ذاته.
منذ ذلك الحين تخصّص بليل في رياضة القوة البدنية، وبدأ يستعد لها بشكلٍ احترافيٍّ، ووَفْق المعايير المعتمدة دوليًّا، بعد أن أصبح مُلمًّا بكل تفاصيلها، لتأتي سنة 2015 ليوقع على ثاني مشاركة له في بطولة إفريقيا وتوجّ بها، وكانت التظاهرة الأخيرة التي شارك فيها بعدما اضطرته ظروف شخصية قاهرة لتوقيف الأنشطة الرياضية والابتعاد عن المنافسات.
لكن بليل تمكّن من العودة لممارسة نشاطه الرياضي المتميّز، إذ حافظ على تميّزه وفوزه بالبطولات الإفريقيّة، وهو ما حصل سنة 2019 وسنة 2022.
- بليل ينبعث من رماده.. ويتميز عالميًا
جاءت سنة 2018، وبعد توقّف دام زُهاء ثلاث سنوات، عاد إلى المنافسات الرسميّة مرّة أخرى، وكله عزم على أن يعود بشكلٍ أقوى، فشارك في عدة تظاهرات وطنيّة تمهيدًا لخوض غمار بطولة العالم التي أقيمت باليابان، أولى خطواته نحو العالميّة والنجوميّة، فحصل خلالها على الرتبة التاسعة عالميًا، وهي رتبة جد مشرفة خاصّةً أن هذا المونديال عرف مشاركة أزيد 1256 مشاركًا من مختلف بقاع العالم.
مشاركة نزار بليل في بطولة العالم باليابان منحته ثقةً كبيرةً في النفس، بدأت تتعزّز بعد هذا الإنجاز وبات هدفه المستقبلي التحضير لمونديال كندا 2019، انطلاقًا من المشاركة في بطولة إفريقيا التي أقيمت بجنوب إفريقيا شهر مارس من السنة ذاتها، وحصل على المركز الأول في فئة الوزن المفتوح، وصدارة ترتيب فئة الأساتذة في الدفع على الصدر، وتُوّج كأفضل رياضيّ في هذه البطولة، الَّتِي تمكّن خلالها من تحطيم الرقم القياسي في الوزن المفتوح.
ويسترسل بليل «كان التأهل لمونديال كندا 2019، الذي شهد مشاركة أبطال من مختلف بقاع العالم حاصلين على تصنيف جد مُتقدّم عالميًا، بمنزلة الحافز القوي لتحقيق الأفضل بالنسبة لي خاصة أن المنافسة مع أبطال مُتمرّسين ليس بالشيء الهين، وتمكنت بفضل التداريب الشاقة التي خضع لها والنصائح القيّمة، الَّتِي تلقها من المدرب حميد جمال المُقيم في الديار الفرنسيةّ من الحصول على الرتبة الرابعة عالميًّا.

- بليل طموح عالمي لرفع راية الوطن
بليل لم يتوقّف عند هذا الحدود، بل وجّه كلّ اهتماماته من أجل فرض ذاته بالبطولة العالمية للقوة البدينّة، الَّتِي أُقيمت بالسويد، إذ كشف عن أمله في أن تكون محطته المقبلة في مشواره الرياضي أفضل، حيث يعتزم المشاركة في بطولة العالم، التي ستُقام بالسويد سنة 2021
نزار حقّق حلمه وتوقعاته، فهي البطولة التي أدخلته لأول مرة في تاريخه العالميّ للبوديوم، فاحتلّ، الممثل الوحيد للمغرب في هذه المنافسات الدولية، وبطل إفريقيا في هذا الصنف الرياضي، المركز الثالث خلف الهولندي بيوتر فان دين هوك، والإيرلندي أنتوني ماكليغان، الذي توجّ بلقب بطل العالم.
وعبَّر نزار بليل عن «سعادته الغامرة» بهذا الإنجاز، مُؤكّدا أنّه «إنجاز كبير بالنسبة للمغرب في مجال القوة البدنية». وقال البطل المغربي في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، «بعد المركز التاسع في بطولة العالم الأخيرة، عملت بجد من أجل تشريف العلم الوطني خلال هذا الحدث العالمي».
- بليل من التألق العالمي في القوة البدنية إلى التألق جديد في الدفع على الصدر
بتوجيه من مدربه، اختار نزار بليل أن يدخل غمار مُغامرة جديدة، خلال مشاركته في البطولة العالمية التي أقيمت بجنوب إفريقيا سنة 2023، في صنف الدفع على الصدر بدل القوة البدنية، فالرجل أرد أن يفرض نفسه من خلال خوض أول تجربة في حياتيه، فهل كان له ما أراد؟
وبثقة عالية في النفس، تحدى نزار بليل كلّ الصعوبات، خصوصًا الجسديّة أو الصحيَّة، فكان يشعر بألم كبير في الكتف، وكان يتخوّف من خلف في الكتف في أي لحظة، وهو فعلا ما وقع له في بطولة العالم سنة 2023 بجنوب إفريقيا، لكن بعد ضمانه الرتبة الثالثة وكان يتمنى الفوز باللقب العالمي.

- نزار وتفكيره في النهوض بهذا النوع الرياضي بالمغرب
البطل العالمي نزار بليل، رغم تحقيقِه لكلِّ هذه الألقاب بمجهود فردي وبدعم أفراد أسرته، أكَّد أنَّ عدم وجود جامعة ملكية مغربية للقوة البدنية يحدّ كثيرًا من بروز أبطال مغاربة آخرين في هذا النوع الرياضي رغم وجود عددٍ من الطاقات الشابة، الَّتِي تنتظر من يدعمها ويؤطرها وهي قادرة على تشريف المغرب في مختلف المحافل الدوليّة.
وقال إنَّ إحداث جامعة لهذا النوع الرياضي سيمكن من تكوين منتخب وطنيّ، يضمّ أحسن الممارسين الموجودين حاليًا على الساحة الرياضيّة والوطنيَّة، قادر على مقارعة أعتى المنتخبات خاصّةً جنوب إفريقيا والجزائر وليبيا وناميبيا الرائدة إفريقيا في هذا التخصّص.
كما خلص إلى أن وجود أزيد من 50 ناديًا في مجموع التراب الوطني وأكثر من 100 ممارسٍ لرياضة القوة البدنية حاليًا كفيل بإحداث هيئة كاملة الهياكل تنضوي تحت لوائها هذه الأندية، شرط أن توجد الإرادة لخدمة هذا النوع الرياضي وإلحاقه بصفة رسمية بباقي الأنواع الرياضيّة. وأكَّد أن رياضة القوة البدنية تضمُّ ثلاثة أصناف (القرفصاء، والرفعة الميتة، والدفع على الصدر وهو الصنف الشائع)، وهي عبارة عن حركات رفع أثقال بقوة عضلية انفجارية مع وجود عامل السرعة والمرونة، مع بذل أقوى طاقات الجهد العضلي في إزاحة الأثقال أو حملها.

- بليل طموح جامح لا يتوقف.. والعين على بطولة العالم بالولايات المتحدة الأمريكية
أكَّد نزار بليل، أنَّ طموحه لم ولن يتوقف، فعينه اليوم على الفوز بالرتبة الأولى عالميًا، ليجعل راية وطنه تخفق عالميًا، وليسجل اسمًا في التاريخ الكبار، ويدون اسمه بمداد الفخر والاعتزاز.
نزار بليل اليوم يجتهد -بشكلٍ كبيرٍ- ويتدرّب استعدادًا للبطولة العالميّة، التي ستُقام هذه السنة بالولايات المتّحدة الأمريكية، خلال شهر ماي المقبل، وهو الشهر الذي يُؤرّخ لولادته، لعلّ هذه السنة تكون أبرز وأهمّ سنة يحتفي بها بطلنا العالمي بعيد ميلاده.
بليل أصبح اليوم يحظى بدعم زملائه وأصدقائه وبوسائل الإعلام المحلّيَّة والوطنيَّة عكس ما كان عليه سابقًا، هذا الدعم والتشجيع جاء بفضل مجهوداته وكفاحه وتفانيه والدفاع عن حلمه وأمله، فهو الرجل الذي قاتل من أجل تحقيق أحلامِه.
- بليل رجل السنة بمدينته طنجة
تمكن نزار بليل، من أن يحصل على شخصية رجل السنة لسنة 2023، بمدينة مسقط رأسه طنجة، في صنف الرياضة، بعد المسابقة التي نظّمتها أحد المنابر الإعلاميَّة الإلكترونيَّة المحلّيَّة بطنجة، وحصل على أزيد من 8000 صوتٍ، واحتلَّ الرتبة الأولى في جُلّ المجالات، الأمر الَّذِي يؤكد المكانة الكبيرة التي أصبح يحظى بها الرجل وسط مدينته.
نزار اليوم يشقّ طريقه بشكل صحيح، يتحدّى جُلّ الصعوبات، بل الصعوبات هي من تجعله ينبعث من رماده من جديد، فهل ستكون هذه السنة سنةَ تتويجهٍ كبطلٍ عالميٍّ في مجاله، خصوصًا أنَّه الممثل الوحيد للمغرب في بطولة العالم.

«إذا كانت للأناقة عنوان، فبليل عنوانها، أناقته تكمن في أخلاقه وآدابه واحترامه للجميع كبيرًا وصغيرًا، امرأةً ورجلًا. وإذا كان للتألق عنوان، فشموخ نزار عنواه الرجل لا تقهر صعوبة ولا ظرف، نزار الطنجاوي، اليوم يسير بخطى ثابتة نحو العالمية، يعرف بطنجة والطنجاويّين، طنجة الحضارة والثقافة، كيف لا وهي مهد الثقافات وملتقى الحضارات، ومصدر القيم والأخلاق».


