تواصل معنا

آخر الأخبار

القوانين الانتخابية الجديدة تُغلق أبواب الترشح أمام المتابعين قضائيًا.. فهل تكون نهاية «أباطرة السياسة» في طنجة؟

وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬تقود‭ ‬حملة‭ ‬‮«‬تطهير‮»‬‭ ‬بضوء‭ ‬أخضر‭ ‬من‭ ‬القصر‭.. ‬ومُنتخبون‭ ‬في‭ ‬القائمة‭ ‬بعدما‭ ‬اعتادوا‭ ‬على‭ ‬المناصب‭ ‬البرلمانية

من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الانتخابات‭ ‬العامة‭ ‬لسنة‭ ‬2021،‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬التشريعيَّة‭ ‬والجماعيَّة‭ ‬والجهوية،‭ ‬هي‭ ‬آخر‭ ‬محطة‭ ‬انتخابيَّة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تُصنف‭ ‬ضمن‭ ‬‮«‬أباطرة‭ ‬الانتخابات‮»‬‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬فبعدما‭ ‬استطاعت‭ ‬مراوغة‭ ‬النصوص‭ ‬القانونيَّة،‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬الترحال‭ ‬السياسي،‭ ‬وتسلسلت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬آليات‭ ‬الرقابة‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬استخدام‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬العمليَّة‭ ‬الانتخابيَّة،‭ ‬ستجد‭ ‬نفسها‭ ‬محرومةً‭ ‬من‭ ‬الترشُّح‭ ‬بموجب‭ ‬القوانين‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬المتورّطين‭ ‬في‭ ‬الفساد‭ ‬المالي‭ ‬والانتخابي،‭ ‬والمتابعين‭ ‬أمام‭ ‬القضاء،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بحكم‭ ‬ابتدائي‭ ‬أو‭ ‬استئنافي‭.‬

الإصرار‭ ‬الذي‭ ‬يُبديه‭ ‬وزير‭ ‬الداخليَّة‭ ‬عبد‭ ‬الوافي‭ ‬لفتيت‭ ‬أمام‭ ‬البرلمان،‭ ‬على‭ ‬تمرير‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬متابع‭ ‬قضائيًّا‭ ‬من‭ ‬الترشح،‭ ‬حتَّى‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬حكم‭ ‬نهائي،‭ ‬دفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬لوضع‭ ‬أيديهم‭ ‬على‭ ‬قلوبهم،‭ ‬لأنهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أنهم‭ ‬معنيون‭ ‬بهذا‭ ‬الإجراء‭ ‬الجديد،‭ ‬الذي‭ ‬يلاحق‭ ‬من‭ ‬سبق‭ ‬لهم‭ ‬التورّط‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬تمت‭ ‬إدانتهم‭ ‬بالفعل‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يترقبون‭ ‬مصيرهم،‭ ‬وهي‭ ‬عمليَّة‭ ‬ظل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬البوغاز‭ ‬ينادون‭ ‬بها‭ ‬طَوال‭ ‬سنوات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قائمة‭ ‬الممنوعين‭ ‬من‭ ‬الترشح‭ ‬للانتخابات‭ ‬التشريعيَّة‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬ثم‭ ‬الجماعيَّة‭ ‬والجهوية‭ ‬في‭ ‬2027،‭ ‬طويلة‭ ‬جدًّا‭.‬

أبـــاطرة‭ ‬طنــجــة‭ ‬يســتعـدون‭ ‬للرحــيـــل‭ ‬القـســـــري

والمؤكد‭ ‬عند‭ ‬المهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬المحلي‭ ‬لمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬أن‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬في‭ ‬شقها‭ ‬الانتخابي‭ ‬تحديدًا،‭ ‬ارتبطت‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬بثلاثيَّة‭ ‬المال‭ ‬والنفوذ‭ ‬والفساد،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المنطقي‭ ‬تعميمه‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬فإن‭ ‬تنامي‭ ‬المتورطين‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬المحطات‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬المباشرة،‭ ‬التشريعيَّة‭ ‬والجماعيَّة‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الجهوية‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2015،‭ ‬جعل‭ ‬الساكنة‭ ‬تنظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬قدرا‮»‬،‭ ‬وأصبحت‭ ‬المُخيلة‭ ‬الجماعيَّة‭ ‬تتصور‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬إلى‭ ‬مناصب‭ ‬المسؤوليَّة‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬طرق‭ ‬ملتوية‭.‬

وشهدت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬تاريخها،‭ ‬تورّط‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬في‭ ‬فضائح‭ ‬كبيرة‭ ‬تخطى‭ ‬صيتها‭ ‬الشأن‭ ‬المحلي‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬وطنيَّة‭ ‬ودوليَّة،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬ذاكرة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬تحتفظ‭ ‬بتفاصيل‭ ‬واقعة‭ ‬اختفاء‭ ‬ممتلكات‭ ‬الدوق‭ ‬دي‭ ‬توفار‭ ‬التي‭ ‬تورط‭ ‬فيها‭ ‬مسؤولون‭ ‬منتخبون‭ ‬بارزون،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬أي‭ ‬حرج‭ ‬في‭ ‬معاودة‭ ‬الترشح‭ ‬مرات‭ ‬ومرات،‭ ‬كما‭ ‬يتذكر‭ ‬أهالي‭ ‬طنجة‭ ‬أيضًا‭ ‬أسماء‭ ‬انتخابيَّة‭ ‬لها‭ ‬ارتباط‭ ‬وثيق‭ ‬بالاتجار‭ ‬في‭ ‬المخدرات‭ ‬وشبكات‭ ‬التجزيء‭ ‬السري،‭ ‬والتهريب،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬‮«‬ممولا‮»‬‭ ‬لحملاتهم‭.‬

وحتى‭ ‬لا‭ ‬نذهب‭ ‬بعيدًا،‭ ‬فإن‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬تحتفظ‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬السياسيَّة‭ ‬بوقائع‭ ‬حدثت‭ ‬بالأمس‭ ‬القريب،‭ ‬تتعلق‭ ‬أساسا‭ ‬بعمليات‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬ممتلكات‭ ‬الدولة،‭ ‬واستغلال‭ ‬مناصب‭ ‬المسؤوليَّة‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬تراخيص‭ ‬بناء‭ ‬غير‭ ‬قانوني،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬العقار‭ ‬مصدرا‭ ‬للاغتناء‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأسماء‭ ‬معروفة‭ ‬من‭ ‬‮«‬المرشحين‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬صنعوا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬اقتصاديَّة‭ ‬مدرة‭ ‬للدخل‭ ‬أو‭ ‬غاسلة‭ ‬للأموال،‭ ‬تتضمَّن‭ ‬محلات‭ ‬تجاريَّة‭ ‬ومقاهي‭ ‬ومطاعم،‭ ‬وحتى‭ ‬مؤسسات‭ ‬تعليميَّة‭ ‬خاصة،‭ ‬بينما‭ ‬تغرق‭ ‬الآن‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬واكزناية‭ ‬ومغوغة‭ ‬في‭ ‬تبعات‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬المنتخبين‭ ‬السابقين‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬صوت‭ ‬مسموع‭ ‬جدا‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬قد‭ ‬انتبهوا‭ ‬سريعًا‭ ‬لإمكانيَّة‭ ‬حدوث‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬منهجيَّة‭ ‬تعامل‭ ‬الدولة‭ ‬مع‭ ‬السياسيين‭ ‬المشبوهين،‭ ‬واختاروا‭ ‬‮«‬الاعتزال‮»‬‭ ‬والالتفات‭ ‬إلى‭ ‬مشاريعهم‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬مغادرة‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬والاستقرار‭ ‬بالخارج،‭ ‬فإن‭ ‬إصرار‭ ‬آخرين‭ ‬على‭ ‬الترشُّح‭ ‬المرة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬أمام‭ ‬هوس‭ ‬المنصب‭ ‬الانتخابي‭ ‬والطمع‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬الانتدابيَّة،‭ ‬قادهم‭ ‬إلى‭ ‬المحاكم‭ ‬حيث‭ ‬يتابعون‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬ثقيلة،‭ ‬أو‭ ‬صدرت‭ ‬أوامر‭ ‬قضائيَّة‭ ‬بإغلاق‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬وجوههم،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬ملفاتهم‭.‬

وهذه‭ ‬المرة‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬الترشح‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إشراف‭ ‬وزارة‭ ‬الداخليَّة‭ ‬مباشرة،‭ ‬بضوء‭ ‬أخضر‭ ‬من‭ ‬القصر‭ ‬الملكي،‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬النصوص‭ ‬القانونيَّة‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تطهير‮»‬‭ ‬العمليَّة‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬من‭ ‬شبهات‭ ‬الفساد‭ ‬واستعمال‭ ‬المال،‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬المفقودة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬معالمها‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬خلال‭ ‬احتجاجات‭ ‬‮«‬جيل‭ ‬زيد‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬طنجة‭ ‬مسرحًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬لها‭.‬

الانتخابات‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬تحول‭ ‬مفصلي

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعيَّة‭ ‬لسنة‭ ‬2026،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المغربي‭ ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬تحوُّل‭ ‬مفصلي‭ ‬يرتبط‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬فلسفة‭ ‬‮«‬التخليق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬آليَّة‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬إلا‭ ‬مؤخرًا‭ ‬مع‭ ‬النقاش‭ ‬البرلماني‭ ‬الدائر‭ ‬بشأن‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬الجديدة‭.‬

فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الجلسات‭ ‬التشريعيَّة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بمجلس‭ ‬النواب،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬سجالات‭ ‬حادة‭ ‬بين‭ ‬الأغلبيَّة‭ ‬والمعارضة،‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬الدولة‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬صراحةً‭ ‬وصلابةً‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬منع‭ ‬المتورطين‭ ‬قضائيًّا‭ ‬أو‭ ‬المشتبه‭ ‬فيهم‭ ‬من‭ ‬الترشح،‭ ‬وأن‭ ‬المنظومة‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬ستعرف‭ ‬مراجعة‭ ‬جوهريَّة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬النزاهة‭ ‬شرطا‭ ‬أوليًّا‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬التمثيليَّة‭ ‬وبرامج‭ ‬الأحزاب‭.‬

هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬رسميَّة‭ ‬تدفع‭ ‬نحو‭ ‬تحرير‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الفساد‭ ‬الانتخابي‭ ‬والمالي،‭ ‬ومع‭ ‬مقاربة‭ ‬أمنيَّة‭ ‬وقانونيَّة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حضور‭ ‬‮«‬الأعيان‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الوسطاء‭ ‬الذين‭ ‬رسخوا‭ ‬مواقعهم‭ ‬لعقود‭ ‬رغم‭ ‬صدور‭ ‬أحكام‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬شبهات‭ ‬تلاحقهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬وزير‭ ‬الداخليَّة‭ ‬عبد‭ ‬الوافي‭ ‬لفتيت،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬العامة‭ ‬بمجلس‭ ‬النواب‭ ‬أو‭ ‬أثناء‭ ‬مناقشة‭ ‬المشاريع‭ ‬داخل‭ ‬لجنة‭ ‬الداخليَّة،‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬خطاب‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬وضوحه،‭ ‬حين‭ ‬دعا‭ ‬البرلمانيين‭ ‬والمنتخبين‭ ‬المتابعين‭ ‬قضائيا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تقديم‭ ‬استقالاتهم‮»‬‭ ‬و«عدم‭ ‬الترشح‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬أنفسهم‮»‬،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬صورة‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها‭ ‬مسؤوليَّة‭ ‬أخلاقيَّة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قانونيَّة‭.‬

هذا‭ ‬الموقف‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬خطٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬جديدٍ‭ ‬بدأ‭ ‬يتبلور‭ ‬منذ‭ ‬خطاب‭ ‬العرش‭ ‬في‭ ‬29‭ ‬يوليوز‭ ‬2025،‭ ‬حين‭ ‬أكَّد‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬ضرورة‭ ‬توفير‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونيَّة‭ ‬المؤطرة‭ ‬للانتخابات‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬السنة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بإصلاحات‭ ‬واضحة‭ ‬ومباشرة،‭ ‬وقد‭ ‬اعتبرت‭ ‬وزارة‭ ‬الداخليَّة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوجيه‭ ‬الملكي‭ ‬هو‭ ‬الإطار‭ ‬المرجعي‭ ‬الذي‭ ‬انطلقت‭ ‬منه‭ ‬عمليَّة‭ ‬إعداد‭ ‬المشاريع‭ ‬القانونيَّة،‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬عبر‭ ‬مشاورات‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسيَّة‭.‬

تشديد‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬الترشح

النقطة‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان‭ ‬هي‭ ‬المادة‭ ‬السادسة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بموانع‭ ‬الترشح،‭ ‬فقد‭ ‬شدَّد‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬احترام‭ ‬قرينة‭ ‬البراءة،‭ ‬معتبرين‭ ‬أنَّ‭ ‬منع‭ ‬أشخاص‭ ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬حقهم‭ ‬أحكام‭ ‬نهائيَّة‭ ‬يمثل‭ ‬مسا‭ ‬بجوهر‭ ‬العدالة،‭ ‬لكن‭ ‬ردّ‭ ‬وزير‭ ‬الداخليَّة‭ ‬كان‭ ‬قاطعا،‭ ‬حيث‭ ‬أورد‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بشبهات‭ ‬وإنما‭ ‬بـ«أحكام‭ ‬ابتدائيَّة‭ ‬أو‭ ‬استئنافيَّة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬دستوريَّة‭ ‬تدين‭ ‬المعنيين‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬تستدعي‭ ‬ترتيبات‭ ‬استعجاليَّة‭ ‬لحماية‭ ‬العمليَّة‭ ‬الانتخابيَّة‭.‬

هذا‭ ‬الطرح‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬رسميًّا‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬بعض‭ ‬المنتخبين‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬المسؤوليَّة‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬أحكام‭ ‬قضائيَّة‭ ‬ضدهم‭ ‬يُشكّل‭ ‬خطرًا‭ ‬على‭ ‬مصداقيَّة‭ ‬العمليَّة‭ ‬الديمقراطيَّة،‭ ‬فالانتخابات‭ -‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬الدولة‭- ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منفذًا‭ ‬لشرعنة‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الفساد‭ ‬عبر‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬ولا‭ ‬وسيلة‭ ‬لإضفاء‭ ‬شرعيَّة‭ ‬انتخابيَّة‭ ‬على‭ ‬أشخاص‭ ‬يواجهون‭ ‬ملفات‭ ‬تسيء‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭ ‬العامة‭.‬

ولعلّ‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الداخليَّة‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بالاستدلال‭ ‬بالخلفيَّة‭ ‬الأخلاقيَّة،‭ ‬بل‭ ‬قدمت‭ ‬تبريرات‭ ‬سياسيَّة‭ ‬واستراتيجيَّة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬رقم‭ (‬2797‭) ‬المرتبط‭ ‬بقضيَّة‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربيَّة،‭ ‬الذي،‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الحكومة،‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬المغرب‭ ‬تقوية‭ ‬جبهته‭ ‬الداخليَّة‭ ‬وتعزيز‭ ‬مؤسساته‭ ‬المنتخبة‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬الهشاشة،‭ ‬فالتشريع‭ ‬الانتخابي‭ ‬الجديد‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عمليَّة‭ ‬تقنيَّة،‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬لرفع‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬الديمقراطيَّة‭.‬

وفي‭ ‬بداية‭ ‬دجنبر‭ ‬الجاري‭ ‬صادق‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬على‭ ‬القوانين‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬الثلاثة‭ ‬بأغلبيَّة‭ ‬مريحة‭ ‬قوامها‭ ‬164‭ ‬صوتًا‭ ‬مؤيدًا‭ ‬مقابل‭ ‬معارضة‭ ‬محدودة،‭ ‬لكن‭ ‬المثير‭ ‬هو‭ ‬نسبة‭ ‬الممتنعين،‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬41‭ ‬نائبًا‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬و50‭ ‬نائبًا‭ ‬في‭ ‬مشروعي‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسيَّة‭ ‬واللوائح‭ ‬الانتخابيَّة،‭ ‬هذا‭ ‬الامتناع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬فقط‭ ‬كموقف‭ ‬رمزي،‭ ‬بل‭ ‬يُعبّر‭ ‬عن‭ ‬توجس‭ ‬داخل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬النخبة‭ ‬السياسيَّة‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬المباشرة‭ ‬للمقتضيات‭ ‬الجديدة،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُقصى‭ ‬فعليًّا‭ ‬بعض‭ ‬القيادات‭ ‬الجهوية‭ ‬والمحليَّة‭ ‬التي‭ ‬تشكل،‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬رصيدًا‭ ‬انتخابيًّا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬للأحزاب‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الحكومة،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬أصرت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬المسار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬قطع‭ ‬دابر‭ ‬الالتباس‮»‬‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬والفساد،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬جاء‭ ‬قبول‭ ‬تعديل‭ ‬المادة‭ ‬23،‭ ‬الذي‭ ‬خفَّض‭ ‬العتبة‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬الخاصة‭ ‬بلوائح‭ ‬الشباب‭ ‬المستقلة‭ ‬من‭ ‬5%‭ ‬إلى‭ ‬2%،‭ ‬كإشارة‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬النخب،‭ ‬وتقوية‭ ‬حضور‭ ‬الشباب‭ ‬ضمن‭ ‬المؤسسة‭ ‬التشريعيَّة‭.‬‭.‬

الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الاستقامة‭ ‬السياسيَّة

وكان‭ ‬لافتًا‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬وزير‭ ‬الداخليَّة‭ ‬أنه‭ ‬تحول‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬إداري‭ ‬تقني‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي‭ ‬مباشر،‭ ‬يحمِّل‭ ‬المنتخبين‭ ‬مسؤوليَّة‭ ‬التصرف‭ ‬كأصحاب‭ ‬مناصب‭ ‬عموميَّة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يجب‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قدوةً،‭ ‬فقد‭ ‬أكَّد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرّة‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬‮«‬عمل‭ ‬نبيل‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬ممثلي‭ ‬الأمة‭ ‬يشكلون‭ ‬‮«‬ركيزة‭ ‬أساسيَّة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات‮»‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القبول‭ ‬بأن‭ ‬تطاردهم‭ ‬ملفات‭ ‬قضائيَّة‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬القيادة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭.‬

وفي‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمر‭ ‬عام‭ ‬ولا‭ ‬يهم‭ ‬شخصًا‭ ‬دون‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬أحزابًا‭ ‬بعينها،‭ ‬شدد‭ ‬الوزير‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬المسافة‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الأحزاب،‭ ‬وأن‭ ‬الهدف‭ ‬ليس‭ ‬التضييق‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬استهداف‭ ‬جهة‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬حماية‭ ‬المناخ‭ ‬السياسي‭ ‬والانتخابي‭ ‬من‭ ‬الاختلالات،‭ ‬وأكَّد‭ ‬أن‭ ‬المنظومة‭ ‬الجديدة‭ ‬جاءت‭ ‬لتمنح‭ ‬جميع‭ ‬المترشحين‭ ‬نفس‭ ‬الحظوظ،‭ ‬وتضمن‭ ‬انتخابات‭ ‬نزيهة‭ ‬تحقق‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬الديمقراطيَّة‭.‬

ومن‭ ‬النقاط‭ ‬الجديدة‭ ‬والحاسمة‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬إدراج‭ ‬مقتضيات‭ ‬تهم‭ ‬تجريم‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬انتخابيَّة،‭ ‬وقد‭ ‬أوضح‭ ‬لفتيت‭ ‬أن‭ ‬تنامي‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وإمكانيَّة‭ ‬تصنيع‭ ‬‮«‬حقائق‭ ‬زائفة‮»‬‭ ‬يجعل‭ ‬العمليَّة‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتلاعب،‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬تشديد‭ ‬العقوبات،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يهم‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬خلال‭ ‬انتخابات‭ ‬2021‭ ‬موجة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬تناقل‭ ‬الشائعات‭ ‬والأخبار‭ ‬الزائفة‭ ‬وحتى‭ ‬الصور‭ ‬المُعدلة‭ ‬رقميًّا‭.‬

هذا‭ ‬المعطى‭ ‬يعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬رسميًّا‭ ‬بأن‭ ‬الفساد‭ ‬الانتخابي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الأصوات‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬النفوذ،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬رقميَّة‭ ‬قد‭ ‬تُستعمل‭ ‬لتوجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬إرادة‭ ‬الناخبين‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التشريعات‭ ‬الجديدة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬عبر‭ ‬مسطرة‭ ‬زجريَّة‭ ‬واضحة‭.‬

نحو‭ ‬تجديد‭ ‬النخب‭ ‬السياسيَّة

وضمن‭ ‬رؤية‭ ‬تجديد‭ ‬النخب،‭ ‬قدَّمت‭ ‬الحكومة‭ ‬تحفيزات‭ ‬ماليَّة‭ ‬لترشيحات‭ ‬الشباب‭ ‬لعضوية‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬لكنها‭ ‬ربطتها‭ ‬بشروط‭ ‬دقيقة‭ ‬قالت‭ ‬إنها‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تجنّب‭ ‬سوء‭ ‬استعمال‭ ‬التمويلات‭ ‬وضمان‭ ‬توجيه‭ ‬الدعم‭ ‬لمن‭ ‬يستحقه‭ ‬فعلا،‭ ‬وبذلك،‭ ‬تحاول‭ ‬الدولة،‭ ‬نظريًّا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬خلق‭ ‬ممرِّ‭ ‬جديد‭ ‬يسمح‭ ‬بظهور‭ ‬قيادات‭ ‬جديدة‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬‮«‬الأعيان‮»‬‭ ‬التقليديَّة‭ ‬التي‭ ‬تستمد‭ ‬قوتها‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬والنفوذ‭.‬

وفي‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬مثيرةً‭ ‬للاهتمام،‭ ‬بالنظر‭ ‬للطريقة‭ ‬التي‭ ‬يتعامل‭ ‬بها‭ ‬المنتخبون‭ ‬‮«‬التقليديون‮»‬‭ ‬مع‭ ‬النخب‭ ‬الشابة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬واجهات‭ ‬توحي‭ ‬بتجديد‭ ‬الدماء،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬سوى‭ ‬مطيَّة‭ ‬لهم‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المناصب‭ ‬الانتدابيَّة‭ ‬الأهم،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬استغلال‭ ‬بريقهم‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الجمعوية‭ ‬والإعلاميَّة،‭ ‬وهو‭ ‬واقع‭ ‬تماهت‭ ‬معه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬الشابة‭.‬

توجيه‭ ‬وزارة‭ ‬الداخليَّة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬فُعّل‭ ‬فعلًا،‭ ‬قد‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محاور‭ ‬التحول‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬المقبلة،‭ ‬لأن‭ ‬تشبيب‭ ‬النخبة‭ ‬البرلمانيَّة‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬الاستمراريَّة‭ ‬السياسيَّة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وإدماج‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬حديثة‭ ‬كالتكنولوجيا‭ ‬والبيئة‭ ‬والمواطنة‭ ‬الرقميَّة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وقد‭ ‬يُنهي‭ ‬سيطرة‭ ‬جيل‭ ‬‮«‬العجزة‮»‬‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬برلمانيَّة‭ ‬يحتلونها‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬التشريعي،‭ ‬يتَّضح‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬المغربيَّة‭ ‬تعرف‭ ‬لحظة‭ ‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬كبيرة‭ ‬للعبة‭ ‬الانتخابيَّة،‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬شروط‭ ‬صارمة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالاستقامة‭ ‬والنزاهة‭ ‬قبل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬البرامج‭ ‬السياسيَّة‭ ‬أو‭ ‬الاصطفافات‭ ‬الحزبيَّة،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬المقتضيات‭ ‬بشكل‭ ‬صارم،‭ ‬فإن‭ ‬انتخابات‭ ‬2026‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مختلفة‭ ‬جذريا‭ ‬عن‭ ‬سابقاتها،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬المرشحين‭ ‬ووصولًا‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬تدبير‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬وحدود‭ ‬خطابها‭.‬

فالمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المقبل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬متاحًا‭ ‬لمن‭ ‬يحمل‭ ‬أحكامًا‭ ‬قضائيَّة‭ ‬أو‭ ‬تلاحقه‭ ‬شبهات‭ ‬جديَّة،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬مفتوحًا‭ ‬أمام‭ ‬استعمال‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬الرقمي‭ ‬غير‭ ‬المشروع،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬سهلًا‭ ‬على‭ ‬الحملات‭ ‬الموازيَّة‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬الشبكات‭ ‬الاجتماعيَّة،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المعارضة‭ ‬قد‭ ‬أبدت‭ ‬مخاوفها‭ ‬من‭ ‬المساس‭ ‬بقرينة‭ ‬البراءة،‭ ‬فإن‭ ‬التوجه‭ ‬العام‭ ‬يبدو‭ ‬واضحًا،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تريد‭ ‬انتخابات‭ ‬بوجوه‭ ‬نظيفة،‭ ‬جديدة،‭ ‬شابة،‭ ‬وموثوقة،‭ ‬ولو‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تضييق‭ ‬دائرة‭ ‬الترشيحات‭ ‬التقليديَّة‭.‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬المغرب‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬لحظة‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تثبيت‭ ‬قواعد‭ ‬سياسيَّة‭ ‬جديدة،‭ ‬قوامها‭ ‬النزاهة‭ ‬والمسؤوليَّة‭ ‬الأخلاقيَّة،‭ ‬فالنصوص‭ ‬القانونيَّة‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬اعتمادها‭ ‬اليوم‭ ‬تعكس‭ ‬إرادة‭ ‬سياسيَّة‭ ‬قوية‭ ‬لمكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬الانتخابي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تواجه‭ ‬مقاومة‭ ‬صامتة‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬فقدان‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬شبكاتها‭ ‬الانتخابيَّة،‭ ‬وهي‭ ‬مقاومة‭ ‬يحركها‭ ‬أساسًا‭ ‬أباطرة‭ ‬الانتخابات‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحاليَّة‭ ‬ترجِّح‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬مصممة‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتِّجاه،‭ ‬وأن‭ ‬الانتخابات‭ ‬المقبلة‭ ‬ستجري‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬تغير‭ ‬شكل‭ ‬الخريطة‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬الشرعيَّة‭ ‬الأخلاقيَّة‭ ‬شرطًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهميَّة‭ ‬عن‭ ‬الشرعيَّة‭ ‬الانتخابيَّة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬منتهاه،‭ ‬سيعني‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬الانتخابيَّة‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬ستكون‭ ‬مطالبة‭ ‬بالشروع‭ ‬في‭ ‬حزم‭ ‬حقائبها‭ ‬من‭ ‬البرلمان،‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬ستكون‭ ‬مدعوة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الأبواب‭ ‬الضيقة‭ ‬لمجلس‭ ‬الجماعة‭ ‬والعمالة‭ ‬والجهة،‭ ‬وحتَّى‭ ‬مجالس‭ ‬المقاطعات‭.‬

تابعنا على الفيسبوك