تواصل معنا

سياسة

السياسة المغربية.. من «زمن الكبار» إلى حلبة «تكسير العظام»

لم‭ ‬يكن‭ ‬‮«‬الاحترام‮»‬‭ ‬في‭ ‬مغرب‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬مجرد‭ ‬ترف‭ ‬بروتوكولي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬بمنزلة‭ ‬‮«‬صمّام‭ ‬أمان‮»‬‭ ‬غير‭ ‬مكتوب‭ ‬ينظم‭ ‬إيقاع‭ ‬التدافع‭ ‬بين‭ ‬الفرقاء‭ ‬السياسيين‭.‬

وبالعودة‭ ‬قليلًا‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬كانت‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسية‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬حدتها‮»‬‭ ‬تخضع‭ ‬لـ«قواعد‮»‬‭ ‬صارمة؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الخصوم‭ ‬‮«‬من‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار‮»‬‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬خطوطًا‭ ‬حمراء‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تُمس،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بثوابت‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أخلاقيات‭ ‬الخصومة‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭.‬

كانت‭ ‬‮«‬الكياسة‮»‬‭ ‬و«الرزانة‮»‬‭ ‬هما‭ ‬العملة‭ ‬السائدة،‭ ‬فالمعارضة‭ ‬كانت‭ ‬تعارض‭ ‬بلسان‭ ‬فصيح‭ ‬وقوّة‭ ‬حجة،‭ ‬والأغلبية‭ ‬كانت‭ ‬تدبر‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الوقار‭ ‬والأنفة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬التدافع‭ ‬السياسي‭ ‬يومًا‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬السعي‭ ‬لإبادة‭ ‬الآخر‭ ‬سياسيًا‭ ‬أو‭ ‬معنويًا،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬المعارك‭ ‬تُخاض‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬المؤسسات‭ ‬وبأدوات‭ ‬يحكمها‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬السياسة‭ ‬كفن‭ ‬للممكن‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬كساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬الشخصية‭ ‬والتشهير‭ ‬المبتذل‭.‬

أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬انقلبت‭ ‬الآية‭ ‬رأسًا‭ ‬على‭ ‬عقب،‭ ‬وتحوّل‭ ‬التدافع‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬برامج‭ ‬وتصورات‭ ‬كبرى‭ ‬إلى‭ ‬معارك‭ ‬‮«‬ليّ‭ ‬الأذرع‮»‬‭ ‬و«تكسير‭ ‬العظام‮»‬‭ ‬في‭ ‬أبشع‭ ‬صورها‭.‬

أصبح‭ ‬الهدف‭ ‬المسطّر‭ ‬بوضوح‭ ‬ليس‭ ‬إقناع‭ ‬الناخب‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬بديل‭ ‬مجتمعي،‭ ‬بل‭ ‬‮«‬إعدام‮»‬‭ ‬الخصم‭ ‬سياسيًّا‭ ‬واغتياله‭ ‬رمزيًّا‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬مساحات‭ ‬فاصلة‭ ‬بين‭ ‬العام‭ ‬والخاص،‭ ‬حيث‭ ‬استُبيحت‭ ‬الأعراض،‭ ‬ووُظفت‭ ‬الأسرار‭ ‬الشخصية،‭ ‬واعتُمدت‭ ‬تقنيات‭ ‬‮«‬الضرب‭ ‬تحت‭ ‬الحزام‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الحزبي‭ ‬اليومي‭.‬

هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬الجذري‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لتغوّل‭ ‬‮«‬الأنانية‭ ‬السياسية‮»‬‭ ‬وضيق‭ ‬الأفق،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬المقعد‭ ‬البرلماني‭ ‬أو‭ ‬الكرسي‭ ‬الحكومي‭ ‬غايةً‭ ‬تُبرّر‭ ‬كل‭ ‬الوسائل‭ ‬الدنيئة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬هو‭ ‬ضرب‭ ‬استقرار‭ ‬المشهد‭ ‬الحزبي‭ ‬وتبخيس‭ ‬العمل‭ ‬المؤسساتي‭ ‬برمته‭.‬

ولعل‭ ‬الوجه‭ ‬الأكثر‭ ‬إيلامًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الرداءة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صبغت‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬المعاصر‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان‭ ‬ومنابر‭ ‬الأحزاب‭ ‬تضجّ‭ ‬بفحول‭ ‬الكلام‭ ‬والتحليل‭ ‬السياسي‭ ‬الرصين‭ ‬الذي‭ ‬يشد‭ ‬الأنفاس،‭ ‬أصبحنا‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬قاموس‭ ‬هجين‮»‬‭ ‬ينهل‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الشارع‭ ‬المبتذلة‭ ‬والسبّ‭ ‬والقذف‭ ‬الصريح‭. ‬لقد‭ ‬تراجع‭ ‬‮«‬المنطق‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬الصراخ‮»‬،‭ ‬وغابت‭ ‬‮«‬الفكرة‮»‬‭ ‬لتحلّ‭ ‬محلها‭ ‬‮«‬القفشة‮»‬‭ ‬السمجة‭ ‬والاتهامات‭ ‬المجانية‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬لأدنى‭ ‬دليل‭.‬

هذا‭ ‬التدني‭ ‬لم‭ ‬يسئ‭ ‬فقط‭ ‬لصورة‭ ‬الفاعل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬الشعبي،‭ ‬بل‭ ‬تسبَّب‭ ‬في‭ ‬عزوف‭ ‬مخيف‭ ‬للمواطنين،‭ ‬خاصّةً‭ ‬الشباب،‭ ‬الذين‭ ‬باتوا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬السياسة‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬حلبة‭ ‬للمصارعة‭ ‬الحرة‭ ‬والتهريج،‭ ‬لا‭ ‬كمجال‭ ‬نبيل‭ ‬لتدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬ورسم‭ ‬مستقبل‭ ‬البلاد‭.‬

إن‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬هُوة‭ ‬سحيقة‭ ‬تزداد‭ ‬اتّساعًا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬محطة‭ ‬انتخابية؛‭ ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬السياسيون‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬يختلفون‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬ويجتمعون‭ ‬على‭ ‬‮«‬هيبة‭ ‬الدولة‮»‬‭ ‬و«احترام‭ ‬المؤسسات‮»‬،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬الحالية‭ ‬قد‭ ‬فرط‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المكتسبات‭ ‬التاريخية‭ ‬مقابل‭ ‬مغانم‭ ‬آنية‭ ‬وعابرة‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬استعادة‭ ‬تلك‭ ‬‮«‬الخطوط‭ ‬الحمراء‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحفظ‭ ‬للسياسة‭ ‬وجهها‭ ‬الإنساني؟‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬فعليًا‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬الشاملة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬إلا‭ ‬بمن‭ ‬يصرخ‭ ‬أكثر‭ ‬ويهشم‭ ‬عظام‭ ‬خصومه‭ ‬بقسوة‭ ‬أكبر،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يُوحي‭ ‬باحتضار‭ ‬السياسة‭ ‬بمعناها‭ ‬النبيل‭.‬

تابعنا على الفيسبوك