تواصل معنا

سياسة

الداخلية تستعد للانتخابات بـ«كاستينغ» سياسي لإقصاء الوجوه المشبوهة قبل دخول السباق

في‭ ‬خطوة‭ ‬استباقية‭ ‬لقطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬عودة‭ ‬الأسماء‭ ‬المثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬الانتخابيّة،‭ ‬شرعت‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬برنامج‭ ‬صارم‭ ‬أشبه‭ ‬بـ«كاستينغ‭ ‬سياسي‮»‬‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬شروط‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابيّة‭ ‬المقبلة،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬يتَّسم‭ ‬بتنامي‭ ‬الانتقادات‭ ‬بشأن‭ ‬تغلغل‭ ‬الفساد‭ ‬واستعمال‭ ‬المال‭ ‬والنفوذ‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬التمثيلي‭.‬

وكشفت‭ ‬مصادر‭ ‬مطلعة‭ ‬لـ«لاديبيش‮»‬‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الشعارات‭ ‬المعلنة‭ ‬بشأن‭ ‬تخليق‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬دقيقة‭ ‬لرصد‭ ‬المسارات‭ ‬الانتخابية‭ ‬للمرشحين‭ ‬المحتملين‭ ‬وتتبّعها،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬السجل‭ ‬القضائي،‭ ‬وتاريخ‭ ‬التدبير‭ ‬داخل‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬التقارير‭ ‬المنجزة‭ ‬لمؤسسات‭ ‬الرقابة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬المجالس‭ ‬الجهوية‭ ‬للحسابات‭.‬

وبحسب‭ ‬المصادر‭ ‬ذاتها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬مقاربة‭ ‬وقائية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬ولاة‭ ‬الجهات‭ ‬والعمال،‭ ‬لفرز‭ ‬الأسماء‭ ‬المرشحة‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب،‭ ‬والتنبيه‭ ‬إلى‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تحوم‭ ‬حولها‭ ‬شبهات‭ ‬تبديد‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح،‭ ‬حتّى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬حقّها‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية‭ ‬نهائية‭.‬

وهي‭ ‬مقاربة‭ ‬تثير،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬نقاشًا‭ ‬قانونيًّا‭ ‬بشأن‭ ‬حدود‭ ‬تدخل‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الحزبي،‭ ‬ومدى‭ ‬انسجام‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬مبدأ‭ ‬قرينة‭ ‬البراءة‭. ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬سياسي‭ ‬مشحون،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أفرزت‭ ‬محطات‭ ‬انتخابية‭ ‬سابقة‭ ‬مجالس‭ ‬جماعية‭ ‬وجهوية‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬للتنازع‭ ‬والشلل،‭ ‬بسبب‭ ‬متابعات‭ ‬قضائية‭ ‬طالت‭ ‬منتخبين‭ ‬بارزين،‭ ‬ما‭ ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬مصالح‭ ‬المواطنين،‭ ‬وإعادة‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬المسؤولية‭ ‬السياسية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬للنخب‭ ‬المحلية‭.‬

مصادر‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬‭ ‬أوضحت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الكاستينغ‮»‬‭ ‬الانتخابي‭ ‬المرتقب‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬إجراءً‭ ‬مركزيًّا‭ ‬صرفًا،‭ ‬بل‭ ‬سيعتمد‭ ‬على‭ ‬تقارير‭ ‬ميدانية‭ ‬دقيقة‭ ‬تُنجز‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العمالات‭ ‬والأقاليم،‭ ‬مع‭ ‬تتبّع‭ ‬حركية‭ ‬المال‭ ‬الانتخابي،‭ ‬ورصد‭ ‬محاولات‭ ‬الاستمالة‭ ‬المبكرة‭ ‬للناخبين‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬غير‭ ‬قانونية،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬‮«‬الشناقة‭ ‬السياسيين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬اعتادوا‭ ‬القفز‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬التزكيات‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تجد‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ظلّت‭ ‬لسنوات‭ ‬متهمة‭ ‬بفتح‭ ‬أبوابها‭ ‬لأصحاب‭ ‬‮«‬الشكارة‮»‬‭ ‬مقابل‭ ‬ضمان‭ ‬مقاعد‭ ‬انتخابية،‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬للكفاءة‭ ‬أو‭ ‬النزاهة‭. ‬فالتوجه‭ ‬الجديد‭ ‬يضع‭ ‬القيادات‭ ‬الحزبية‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬نخبها،‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬تدخل‭ ‬إداري‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬قد‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬المناورة‭.‬

ويرى‭ ‬متابعون،‭ ‬أنَّ‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬رهين‭ ‬بإرادة‭ ‬سياسية‭ ‬حقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بإقصاء‭ ‬بعض‭ ‬الوجوه‭ ‬المحروقة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬محاسبة‭ ‬شبكات‭ ‬الفساد‭ ‬الانتخابي‭ ‬الَّتِي‭ ‬راكمت‭ ‬نفوذها‭ ‬لعقود،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬‮«‬كاستينغ‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬تطهير‭ ‬حقيقي‭ ‬سيظلُّ‭ ‬مجرد‭ ‬عملية‭ ‬تجميلية‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬انتخابي‭ ‬مأزوم،‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬يعيد‭ ‬إليه‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬المفقودة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك