سياسة
الترحال السياسي.. حين يصبح الحزب مجرد محطة عبور
في كلّ محطة انتخابية، يعود ملف الترحال السياسي إلى الواجهة، وكأنَّه مشهد يتكرَّر دون أن يتغيَّر. نرى سياسيين يغادرون أحزابهم التي كانوا بالأمس يدافعون عنها بكلّ حماس، لينتقلوا إلى أحزاب أخرى كانوا ينتقدونها بشدة. يتغير الشعار، وتتبدل الألوان، لكنَّ الكرسي يبقى هو الهدف نفسه.
الترحال السياسي «في الأصل» حق يكفله القانون في بعض الحالات، ولا أحد يمنع السياسي من مراجعة قناعاته أو تغيير انتمائه إذا كانت هناك أسباب سياسية أو فكرية حقيقية. لكنَّ الإشكال يبدأ عندما يتحوّل هذا الانتقال إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، أو البحث عن تزكية انتخابية، أو ضمان منصب، دون أي احترام لإرادة الناخب الذي منح صوته على أساس برنامج وانتماء سياسي معين.
المواطن اليوم لم يعد يسأل: إلى أي حزب انتقل هذا السياسي؟ بل أصبح يسأل: لماذا انتقل؟ وهل تغيرت المبادئ أم تغيرت فقط المصالح؟
الأخطر من ذلك أن الترحال السياسي يُسهم في إضعاف الثقة في العمل الحزبي. فعندما يرى المواطن، أنّ السياسي يستطيع الانتقال بسهولة من حزب إلى آخر، يشعر بأن البرامج والوعود ليست سوى شعارات مؤقتة، وأن الاختلافات بين الأحزاب ليست دائمًا اختلافات في الرؤى، بل في المواقع فقط.
والنتيجة هي اتّساع دائرة العزوف السياسي؛ لأنَّ المواطن يفقد الإيمان بأن صوته يمكن أن يحدث فرقًا، ما دام بعض المنتخبين يغيّرون مواقعهم بعد الانتخابات، بينما يبقى المواطن وحده ملتزمًا بخياره الذي عبر عنه في صناديق الاقتراع.
الترحال السياسي ليس المشكلة «في حد ذاته» فالحياة السياسية تعرف تطوُّرًا ومراجعات، لكن الممارسة السليمة تقتضي أن يكون الانتقال مبنيًّا على قناعة فكرية واضحة، وأن يشرح السياسي للرأي العام أسباب قراره بكل شفافية، وأن يتحمَّل مسؤوليته أمام الناخبين.
إن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأحزاب، بل بمدى احترامها الأخلاق السياسية، والوفاء للوعود، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالأحزاب القوية تبنى بالمناضلين المؤمنين بمشروعها، لا بالوافدين في موسم الانتخابات.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كل مواطن: هل نحتاج إلى سياسيين يغيرون الأحزاب كلما اقترب موعد الانتخابات، أم إلى رجال ونساء يثبتون على مبادئهم حتّى وإن تغيرت الظروف؟
لعلَّ الوقت قد حان لفتح نقاش وطني جاد حول الترحال السياسي، ليس فقط من زاوية القانون، بل أيضًا من زاوية الأخلاق السياسية واحترام ثقة المواطنين. فالديمقراطية لا تزدهر بكثرة التنقل بين الأحزاب، بل بثبات المبادئ، وصدق الالتزام، واحترام الإرادة الشعبية.
بقـلم: سميرة لكلاك


