آخر الأخبار
معركة «وكيل اللائحة» تشتعل في طنجة.. أحزاب تبحث عن مرشح يضمن لها مقعدًا برلمانيًا.. وسياسيون يتجوّلون في سوق العروض الانتخابية
«العدالة والتنمية» يحسم الأمور مبكرًا ومعارك طاحنة حول التزكيات في «الاستقلال» و«الحركة» و«الدستوري»
مع بقاء 5 أشهر فقط على موعد الانتخابات التشريعية، المُحدّد في 23 شتنبر 2026، بدأت حمى إعداد اللوائح الانتخابية واختيار وكلائها تسري كالنار في الهشيم داخل الأحزاب السياسية في طنجة، التي دائمًا ما كان التنافس فيها محمومًا بين الأحزاب الكبرى، التي تخوض حربَ تزكيات تُستقطب فيها أسماء تُصنّف ضمن «أباطرة الانتخابات».
ومع اقتراب ساعة الحسم، أصبحت معارك التزكيات أكثر وضوحًا، خصوصًا داخل الأحزاب المُمثّلة حاليًا في مجلس النواب باسم دائرة طنجة-أصيلة، أو تلك التي كانت «إلى وقت قريب» تتوفر على نائب هناك أو أكثر، وإذا كانت قلّة من الإطارات السياسية تعتمد الحسم على المستوى المحلي، فإنَّ قدوم التزكية من المركز بالنسبة لعددٍ من المرشحين، يفرض الدخول في حسابات معقدة أقرب إلى المعارك الشخصية منها إلى التنافس السياسي.
*البيجيدي يحسم قراره
وكما كان متوقعًا، أصبح حزب العدالة والتنمية هو أول حزب يحسم هوية وكيل لائحته على مستوى الدائرة المحلية لعمالة طنجة-أصيلة، وحسمت الانتخابات الداخلية على المستوى الكتابة الإقليمية في اسم محمد بوزيدان اليدري، الرئيس السابق لمقاطعة مغوغة، ليكون على رأس مرشحي الحزب في الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وهي المرّة الأولى، التي يُختار فيها لهذا الموقع، على الرغم من أنه سبق أن ترشّح لبرلمان في السابق وصيفًا للائحة.
وأعلنت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية مؤخرًا، بشكل رسمي، أن محمد بوزيدان سيكون وكيلًا للائحتها الانتخابية بدائرة طنجة-أصيلة، مما يُمثّل اعترافًا بشرعية اختياره على المستوى الإقليمي، حيث لم يلجأ الحزب للبنود التي يخوّلها له القانون الداخلي لإعادة ترتيب الأسماء المختارة من طرف الأعضاء، وهو ما كان قد لجأ إليه «البيجيدي» في 2021 عندما كان سعد الدين العثماني هو الأمين العام.
وفي تلك المرحلة فضلت الأمانة العامة ترشيح محمد أمحجور كوكيل للائحة، الذي كان حينها عضوًا في المجلس الوطني والنائب الأول لرئيس مجلس المدينة في طنجة، بينما تدحرج بوزيدان إلى المرتبة الثانية، وهو ما كان عاملًا مؤثرًا في تلقي الحزب ضربة موجعة داخل الدائرة، التي مثلت لعقود أحد معاقله الانتخابية، حيث فشل أمحجور في انتزاع المقعد، بعدما كان الحزب في الفترة ما بين 2016 و2021 ممثلًا بثلاثة برلمانيين عن الدائرة نفسها.
وإذا كان أمحجور قد اعتقد «قبل نحو 5 سنوات» أن لا أحد من الأحزاب الأخرى قادر على حرمان حزب العدالة والتنمية من مقعده النيابي، وَفْق ما صرح به إعلاميًّا، فإن هذه المغامرة التي أقدم عليها من وثقوا فيه كلفته مشواره السياسي بالكامل، حيث اختفى عن الأنظار منذ تلك اللحظة، ولم يعد يظهر إلا على فترات متباعدة من خلال تدوينات عبر حسابه في موقع «فيسبوك»، وهو الذي كان يُنظر إليه باعتباره الرجل الأقوى داخل «البيجيدي» في مدينة طنجة.
تزكية بوزيدان من طرف الأمانة العامة التي يوجد على رأسها عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، يدلُّ على أن الحزب اختار الرجوع إلى قواعده بطنجة وعدم تجاوزها هذه المرة، رغم أن بنكيران نفسه كان قد لجأ إلى هذه المسطرة في 2016، حين دفع بسمير عبد المولى، عمدة طنجة في الفترة ما بين 2009 و2010، المستقيل من حزب الأصالة والمعاصرة، ليكون وصيفًا للائحة يقودها الوزير السابق محمد نجيب بوليف.
ورغم ذلك، فإن اختيار بوزيدان كوكيل للائحة لا يخلوا من مفاجآت، فالذي كان منتظرًا أن يحظى بالتزكية هو محمد خيي، الكاتب الجهوي للحزب، الذي اختار «اعتزال السياسة مؤقتًا» في 2016، حيث قرَّر عدم الترشُّح في الانتخابات الجماعية والجهوية والتشريعية، قبل أن يعود تدريجيًّا منذ السنة الماضية، وهو ما جعله يبدو كمرشح فوق العادة لموقع وكيل اللائحة في الاستحقاقات المقبلة، لكن التصويت الداخلي وضعه في المرتبة الثالثة.
لكنَّ المعلومات التي توصلت إليها الجريدة، من البيت الداخلي لحزب العدالة والتنمية، تنفي أن يكون ذلك مفاجئًا بالنسبة للعارفين بمسار الأمور، فخيي هو الذي مهَّد لبوزيدان «صديقه المقرب» على المستوى الشخصي والحزبي، أن يكون وكيلًا للائحة، في حين أن الحزب يُعدُّ خيي لمهامّ أخرى مستقبلية، وقد يكون للأمر علاقة بالانتخابات الجماعية والجهوية التي ستُجرى سنة 2027، حيث يريد «البيجيدي» أن يعود إلى الواجهة على المستوى المحلي أيضًا.
ويأتي اختيار بوزيدان من بين 40 مرشحًا تمت تزكيتهم رسميًّا؛ ليُؤكّد أن القيادة الحالية لحزب العدالة والتنمية اختارت العودة إلى مجموعة من الأسماء التي تتمتّع بشعبية أكبر بين أعضاء الحزب وأنصاره، وهو ما يبصم الولاية الثالثة لبنكيران كأمين عام، التي تأتي باعتبارها ردَّ فعلٍ على حالة الانهيار الصادم لسنة 2021، حين اكتفى «البيجيدي» بقيادة العثماني بـ13 مقعدًا فقط، لتكون تلك نهاية مرحلة مثيرة للجدل، اتَّسمت بالمعارك الداخلية غير المسبوقة، منذ قرار الإعفاء الملكي في 2017.
*الاستقلال يبحث عن اسم مضمون
تأثير حزب العدالة والتنمية على المشهد السياسي في طنجة، تجاوز نطاقه ليمتدَّ إلى داخل حدود أحزاب أخرى، والكلام هنا عن حالة «الطلاق البائن» بين «البيجيدي» وبين أحمد الغرابي، الذي أكَّدها اقتراب هذا الأخير من حزب الاستقلال، الذي أصبح يرى فيه مجالًا لتحقيق طموحه المؤجل منذ سنوات بالوصول إلى قبة البرلمان، وقد يكون ذلك بالحصول على التزكية ليكون وكيلًا للائحة «الميزان» في الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
ومسار تزكية وكيل اللائحة بالنسبة لحزب نزار بركة، على مستوى الدائرة المحلية لعمالة طنجة-أصيلة، قد يكون هو الأكثر تعقيدًا وغموضًا من بين كل الأحزاب، فقبل أشهر كانت الأخبار التي تتسرَّب من داخل الأروقة الحزبية على المستويين الوطني والمحلي هو أن التزكية محسومة لاسمٍ بارزٍ، ويتعلق الأمر بعبد الجبار الراشدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، المزداد بمدينة البوغاز ورئيس المجلس الوطني للحزب حاليًا.
وكان التوجه المطروح هو أن يقود الراشدي، المقرب من بركة، اللائحة الانتخابية، في سياق مساعي حزب الاستقلال لتصدر نتائج الانتخابات المقبلة على أن يقود الحكومة، وحينها سيتولّى منصبًا وزاريًّا أكبر، وسيصبح وكيل اللائحة هو النائب البرلماني عن دائرة طنجة-أصيلة، غير أنَّ هذا السيناريو لم يعتمدْ بعد على أرض الواقع، وهو أمر قد يكون مرتبطًا أساسًا بعدم وجود ضمانات على تحقّقه، ما يجعل الصراع على موقع الوكيل أكثر احتدامًا.
وبدأت إرهاصات التغيير داخل البيت الاستقلالي بطنجة تتجلَّى، عندما عيّنت اللجنة التنفيذية للحزب مفتشًا إقليميًّا جديدًا، وهو عبد العزيز حيون القادم من عالم الصحافة، حيث كان يعمل في وكالة المغرب العربي للأنباء، ليخلف بذلك الدكتور جمال بخات، الذي لا يُوازي تأثيره في عالم السياسية نظيره في الطب والإدارة، خصوصًا ما يتعلق بمجال الصحة العمومية، مما يُفسّر عدم قدرته على حسم عددٍ من التراكمات إقليميًّا.
لكن هذه الخطوة لم تكن إلا انعكاس لصراع أكبر على التزكية داخل الحزب، مع بروز اسم محمد الحمامي مجددًا، النائب البرلماني ورئيس مقاطعة بني مكادة، الذي يرى نفسه الأحق بقيادة اللائحة باعتباره نائبًا حاليًا برمز الميزان، ويرى أن الفضل يعود إليه في عودة استقلاليي طنجة إلى البرلمان بعد عقود من المحاولات الفاشلة، لكنّ استقلاليين آخرين يرون أنه يغفل أمرين مهمين، الأول هو القاسم الانتخابي الذي اعتُمد سنة 2021، والآخر هو الانهيار الكبير لحزب العدالة والتنمية.
وخلال الأسابيع الماضية كان الحمامي يُروّج لمقربين منه بأنَّه لا رغبة له في الترشح مجددًا، لكونه «تعب» من العمل السياسي ويحتاج إلى إعطاء وقت أكبر لعائلته ومشاريعه الخاصة، لكنه بعد ذلك أصبح يعطي إشارات جديدة تفيد بأنه ما زال يرغب في العودة إلى مجلس النواب، حتى وإن كلَّفه ذلك الترشح باسم حزب آخر، الأمر الذي سبق أن فعله مرارًا حين ترشّح بألوان أحزاب مثل الحرب الشعبية، والأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، لكنَّ فوزه هذه المرة سيعني أنه سيكون مجبرًا على التخلي عن رئاسته لمجلس مقاطعة بني مكادة وعضوية مجلس مدينة طنجة؛ لأنَّ القانون أنهى زمن «الترحال السياسي».
وأمام الحمامي، يبرز اسم آخر، وهو نور الدين الشنكاشي، النائب الثاني لعمدة طنجة، الذي يُقدّمه الاستقلاليون باعتباره أحد الوجوه السياسية الجديدة التي سيُعوّل عليها مستقبلًا، في حين أنَّ الواقع يقول إنَّ قدراته «الانتخابية» بعيدة عن باقي المرشحين المحتملين بمن فيهم الحمامي، لذلك فإنّ ما تتداوله الصالونات السياسية هو أنه سيترشّح في حالة واحدة، هي أن يكون وصيفًا للائحة التي قد يقودها عبد الجبار الراشدي، على أن يكون هو الاسم الذي سيعوّضه في مجلس النواب إذا تولّى منصبًا في الحكومة.
ولنعود من حيث انطلقنا، نتذكر اسم أحمد الغرابي، الذي أصبح هو أيضا مرشحًا محتملًا لتولي مهمة وكيل لائحة حزب الاستقلال، خصوصًا إذا ما أصبحت مغادرته للبيجيدي رسمية، مع العلم أن حبل الود بينه وبين حزب «المصباح» مقطوعة بشكل عملي منذ ما يقارب 5 سنوات، حين رفضت الأمانة العامة استمراره رئيسًا لمقاطعة السواني لولاية ثانية بدعم من أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، في حين دخل المستشار عن الحزب نفسه، إدريس الريفي التمسماني، لمكتب مقاطعة طنجة-المدينة في إطار تحالف مع رئيسه السابق محمد الشرقاوي، وبعد عزل هذا الأخير أصبح النائب الأول للرئيس الحالي عبد الحميد أبرشان.
*معركة بين الحصان والسنبلة
معركة التزكيات تتصاعد داخل أحزاب أخرى في طنجة، وأبطالها عادة منتخبون اعتادت عليهم الساحة السياسية على المستوى الإقليمي، حتّى أصبحوا «ماركة مسجلة» ولا يكاد المشهد الانتخابي يكتمل دونهم، أبرزهم على الإطلاق محمد الزموري، البرلماني الأقدم على الإطلاق، والأقل كلامًا أيضًا، الذي تسبب في خلط أوراق حزبين دفعة واحدة، وهما الاتِّحاد الدستوري والحركة الشعبية، بسبب امتناعه «حتى الآن» عن حسم وجهته رسميًّا.
وعند إجراء الانتخابات المقبلة، سيكون الزموري قد أتمَّ 79 عامًا، منها عقود قضاها باعتباره نائبًا برلمانيًّا عن دائرة طنجة، منذ أن ولج البرلمان لأول مرة في التسعينيَّات، ومنذ ذلك الحين بقي متشبثًا بمقعده إلا عندما سقط سقطة مدوية في انتخابات 2011، في حين أنَّ الأقدار كتبت له العودة سريعًا عندما أسقطت المحكمة الدستورية المقاعد الثلاثة لحزب العدالة والتنمية؛ بسبب استخدام صورة مسجد في الملصق الخاص بالحملة، ما مكَّنه من الفوز بمقعد في الانتخابات الجزئية لسنة 2012.
وإذا كان الزموري قد ظلّ وفيًا لعقود لرمز «الحصان» فإن ذلك لا يبدو مضمونًا هذه المرة، خصوصًا في ظل الأزمة المعلنة بينه وبين الأمين العام لحزب الاتِّحاد الدستوري، محمد جودار، مما دفعه إلى العمل على الخطة «باء» وهي البحث عن تزكية حزب الحركة الشعبية، الذي يرغب أمينه العام محمد أوزين في الحصول على مقعد ثمين داخل دائرة طنجة-أصيلة، في سياق مسعاه لقيادة الحزب إلى المراكز الأولى، وبالتالي رفع حظوظه في العودة إلى الحكومة التي غادرها عندما كان وزيرًا للشباب والرياضة سنة 2015، بسبب تحميله المسؤولية السياسية لفضيحة غرق ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط بمياه الأمطار، خلال كأس العالم للأندية 2014.
خبر انتقال الزموري من الاتِّحاد الدستوري إلى الحركة الشعبية، و«الهجرة الجماعية» التي تلت ذلك، كان متداولا بشكلٍ كبيرٍ في الأوساط السياسية خلال الأيام الماضية، لكن حزب الحركة الشعبية لم يخرج بأيّ تأكيد أو نفي بخصوص ما راج، على عكس ما حدث عندما جرى تداول أنباء مفادها بأنَّه قرر تزكية محمد الشرقاوي، رئيس مقاطعة طنجة-المدينة المعزول بقرار من المحكمة الإدارية نتيجة قضايا حركتها وزارة الداخلية، وحينها تولى أوزين بنفسه تفنيد هذه المعطيات.
أما داخل حزب الاتِّحاد الدستوري، فإنَّ الأمور أيضًا تبدو غامضة، إذ لم يتَّضح بعد توجه الأمانة العامة نحو اسمٍ مُعيّنٍ، لكنّ اسمًا محددًا يتصدّر المشهد أكثر من غيره، وهو عبد الحميد أبرشان، الذي ما زال تاريخُه في التسيير الرياضي لفريق اتِّحاد طنجة حاضرًا في ذاكرة الكثيرين، بالإضافة إلى إرثه عندما كان رئيسًا لمجلس عمالة طنجة أصيلة لولايتين متتاليتين.
أبرشان الذين أخطأ الحسابات في انتخابات 2021، حين غادر الاتِّحاد الدستوري نحو التجمع الوطني للأحرار، ثم عاد إلى حزب «الحصان» بسبب عدم وجود ضمانات على دعمه للوصول إلى رئاسة مجلس مدينة طنجة، معروف عنه أنه يحب «الريمونتادات» السياسية، حيث استطاع في العام نفسه الوصول إلى عضوية البرلمان عبر مجلس المستشارين، ثم في أواخر 2024، أصبح رئيسًا لمقاطعة طنجة-المدينة، في صفقة سياسية جمع فيها المتناقضين، حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار.
لكن أبرشان، لو حصل بالفعل على التزكية ليكون وكيلًا للائحة حزب الاتِّحاد الدستوري بدائرة طنجة-أصيلة، عليه هذه المرة أن يواجه عرّاب الانتخابات محمد الزموري مباشرة، الذي يُمثّل «وحده» آلة انتخابية طاحنة، وذلك رغم تقدُّمه في العمر، بالإضافة إلى مواجهة طموحات أحزاب أخرى ترغب في تقاسم كعكة المقاعد داخل الدائرة نفسها، التي كانت دائمًا بوصلة مهمة لفهم الاتِّجاهات السياسية على المستوى الوطني.


